المسؤولية المدنية والمسؤولية الجنائية في القانون الجزائري

0
المسؤولية المدنية والمسؤولية الجنائية
 
تعريف المسؤولية القانونية:  المقصود بها أن يتجاوز الفرد المحدودة التي يحددها القانون وتترتب عليها مسؤولية جنائية،أو الحدود التي نص عليها الاتفاق(كالعقد)وتترتب عليها مسؤولية مدنية.
 
المسؤولية الأدبية لا تدخل في دائرة القانون،ولا يترتب عليها جزاء قانوني وأمرها موكول إلى الضمير،أما المسؤولية القانونية فتدخل في دائرة القانون ويترتب عليها جزاء قانوني وأهم الفروق ما بين هذين النوعين من المسؤولية ثلاثة:
1)-المسؤولية الأدبية تقوم على أساس ذاتي محض،فهي مسؤولية أمام الله أو مسؤولية أمام الضمير،أما المسؤولية القانونية فيدخلها عنصر موضوعي وهي مسؤولية شخص أمام شخص آخر.
 
2)-ومن تم تتحقق المسؤولية الأدبية حتى ولولم يوجب ضرر أووجد حين الإحساس بالنفس أو خجل الضمير فتتحقق المسؤولية الأدبية ولولم يكن لها مظهر خارجي ، أما المسؤولية القانونية فلا تتحقق إلا إذا وجد ضرر والحق بشخص آخر غير مسؤول.
 
3)-المسؤولية الأدبية تكون أو تتصل بعلاقة الإنسان بنفسه أو بربه وبعلاقته بغيره من الناس،إما القانونية فلا تتصل إلا بعلاقة الإنسان بغيره من الناس.
 
وللمسؤولية القانونية نوعان :
1-المسؤولية المدنية: يكون الفرد مسؤولا مدنيا إذا تجاوز حدود الاتفاق المبرم بينه وبين شخص آخر أي أخل بالتزام مقرر خلال إبرام الاتفاق،كامتناع البائع عن تسليم المبيع للمشتري ، أو إذا تجاوز حدود ما التزم به قانونا.
 
ففي المسؤولية المدنية يكون الفرد قد أخل بالتزام في ذمته سبب به ضرر للغير ويجب أن يعوض المتضرر عما أصابه من ضرر ويكون للمتضرر حق المطالبة بهذا التعويض وحده.
 
إن دائرة المسؤولية المدنية أوسع من دائرة المسؤولية الجنائية نظرا لأن الأولى تظم كل إخلال قانوني أو اتفاقي بينهما تحصر الثاني من الإخلال بالنصوص القانونية فقط.
 
2)-المسؤولية الجنائية: يكون الشخص مسؤولا جنائيا إذا تجاوز ما نص عليه القانون أو ما أوجبه بحث يترتب على ذلك عقوبة.
 
فالفاعل من المسؤولية الجنائية يكون مسؤولا والنيابة العامة كممثلة للمجتمع هي التي تطالب بالجزاء.
 
وتعتبر الأفعال مجرمة وتترتب عليها مسؤولية جنائية وتكون محصورة في التشريعات(قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجزائية)ذلك لان عدم حصر الجرائم وتحديدها يؤدي إلى اضطراب المجتمع وعدم استقراره.
 
الفروق ما بين المسؤولية الجنائية والمسؤولية المدنية: هناك فرقان جوهريان هما:
أولا : تقوم المسؤولية الجنائية على أنه هناك ضرر أصاب المجتمع،أما المسؤولية المدنية فتقوم على أنه هناك ضرر الفرد وتترتب على ذلك النتائج التالية :
1- جزاء المسؤولية الجنائية عقوبة،أما جزاء المسؤولية المدنية فتعويض.
2- الذي يطالب بالجزاء في المسؤولية الجنائية هو النيابة العابة باعتبارها ممثلة للمجتمع،أما الذي يطالب بالجزاء في المسؤولية المدنية فالمضرور نفسه لان الجزاء حقه هو.
3- لا يجوز الصلح ولا التنازل في المسؤولية الجنائية لان الحق فيها عام للمجتمع ويجوز الصلح والتنازل في المسؤولية المدنية لان الحق فيها خاص للفرد.
4- لما كانت العقوبة في المسؤولية الجنائية تنطوي على معنى الإيلام كان من الواجب حصر الجرائم والعقوبات،فلا عقوبة بلا جريمة بلا نص،أما المسؤولية المدنية فتترتب على أي عمل غير مشروع دون حاجة لنصوص تبين الأعمال غير المشروعة عملا عملا.
5- شرط توفر النية في المسؤولية الجنائية التي لا بد أن يكون لها مظهر خارجي يصل إلى حد معين من الجسامة : فالتصميم والأعمال التحضيرية لا عقاب لها ولا الشروع قد يعاقب، ويعاقب الفعل التام والى جانب المظهر الخارجي يغلب أن تكون الجريمة الجنائية عملا لحق الضرر بالمجتمع،بل أن جسامة الضرر قد يكون لها أثر في العقوبة كالضرب المفضي إلى الموت أو الذي يحدث عاهة مستديمة عما هي في الضرب البسيط.
 
إلا أن هناك بعض الجرائم لا تشترط فيها النية سواءا صاحبتها أم لم تصحبها لكن قد تحدث ضرر ولو لا وقوع الفعل كالمخالفات مثلا.
 
أما في المسؤولية المدنية فالنية لا تشترط وأكثر ما يكون الخطر المدني إهمال لا عمد ، وسواء كان العمل غير المشروع عمدا أو غير عمد،فان الضرر الذي يحدثه يجب أن يعوض كاملا دون تفريق ما بين الحالتين ، وان كان القضاء يميل طبيعيا إلى زيادة التعويض في الفعل العمدي والى قياس التعويض بجسامة الخطأ في الفعل غير العمدي.
 
اجتماع المسؤوليتين في عمل واحد وقد تتحقق مسؤولية دون أخرى: قد يترتب على العمل الواحد مسؤولية جنائية ومسؤولية مدنية في وقت معا كالقتل والسرقة والضرب والسب والقذف،فكل عمل من هذه الأعمال يحدث ضرر بالمجتمع وبالفرد في وقت واحد،فيكون من ارتكب هذا العمل مسؤولا مسؤولية جنائية جزاؤها العقوبة، ومسؤولا مسؤولية مدنية جزاؤها التعويض.
 
ولكن يصح أن لا يترتب على العمل إلا إحدى المسؤوليتين دون الأخرى ، فتتحقق المسؤولية الجنائية في جرائم الشروع والتشرد ومخالفات المرور وحمل السلاح والاتفاق الجنائي إذا لم يلحق ضرر بأحد،وبالتالي هنا لم تتحقق المسؤولية المدنية.
 
كما أنه تتحقق المسؤولية المدنية دون الجنائية إذا الحق العمل ضرر بالغير ولا يدخل ضمن الأعمال المعاقب عليها في القوانين الجنائية،كإتلاف مال الغير عن غير عمد.
 
الآثار التي تترتب على اجتماع مسؤوليتين في عمل واحد: تترتب على العمل الواحد المسؤوليتان الجنائية والمدنية معا أثرت المسؤولية الجنائية وهي أقوى لأنها حق للمجتمع،في المسؤولية المدنية وهي أضعف لأنها حق الفرد ويظهر ذلك فيما يأتي:
 
أولا :التقادم : لا تسقط دعوى التعويض المدنية إلا بسقوط الدعوى الجنائية،عدم تقادم الدعوى الجنائية يقف تقادم الدعوى المدنية(م 10 ق.ا.ج.ج).
 
ثانيا : من حيث الاختصاص : إذا اجتمع مسؤوليتان في عمل واحد أمكن رفع الدعوى أمام المحكمة الجنائية،لان الدعوى المدنية تتبع الدعوى الجنائية.
 
ثالثا : وقف الدعوى : إذا ترتب على عمل واحد المسؤوليتان المدنية والجنائية ورفعت الدعوى أمام المحكمة المدنية،فرفع الدعوى الجنائية أمام المحكمة الجنائية يقف سير الدعوى المدنية،وعلى المحكمة المدنية أن تأمر بوقف الدعوى حتى يبث في الدعوى الجنائية.
 
رابعا : قوة الأمر المقضي : تتقيد المحكمة المدنية بما أثبتته المحكمة الجنائية في حكمها من وقائع دون أن تتقيد بالتكييف القانوني لهذه الوقائع فقد يختلف التكييف من الناحية المدنية عنه من الناحية الجنائية.
 
حكم القاضي الجنائي بالبراءة لأسباب ترجع إلى التكييف القانوني،كأن كان الإهمال الثابت صدوره من المتهم لا يصل إلى درجة الإهمال الجنائي أو كانت الدعوى العمومية سقطت بموت المتهم،أو العفو الشامل فان ذلك لا يمنع القاضي المدني من الحكم بالمسؤولية المدنية.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
المسؤولية المدنية عن العمل الشخصي :
 
المقدمة :  قد عرفنا فيما سبق أن المسؤولية القانونية هي تجاوز الحدود التي حددها القانون وتترتب عليها مسؤولية جنائية والحدود التي نص عليها اتفاق أو الإخلال بالتزام مقتضاه أن لا يضر الإنسان غير بأعمال نص عليها القانون وتترتب عليها مسؤولية مدنية هذه الأخيرة تنقسم إلى قسمين وهما:المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية.
 

المسؤولية عن العمل الشخصي :م 124 ق.م.ج : وهي التي يرتبها القانون على الإخلال بالتزام قانون مقتضاه أن لا يضر الإنسان غيره بخطأ أو بإهمال أو بتقصير منه وتقوم هذه المسؤولية على ثلاثة أركان هي : الخطأ،الضرر،العلاقة السببية.

 
01-تعريف الخطأ : هو أساس المسؤولية،فقد يكون عمديا،أو بإهمال وقد يكون مملا إيجابيا أو سلبيا كما هو الحال بالنسبة للامتناع عن تقديم المساعدة للغير،كما أن الخطأ هو انحراف  من سلوك الشخص المعتاد مع إدراكه لهذا الانحراف، وللخطأ ركنان مادي وهو الانحراف-(التعدي)-ومعنوي-(الإدراك).
 
أ)-أركان الخطأ :
01-الركن المادي : (التعدي) :  هو الانحراف في السلوك عن سلوك شخص عادي،فكل شخص ملتزم بأن يصطنع في سلوكه اليقضة والتبصر الذي يسلكه الشخص العادي حتى لا يضر الغير، فالتعدي يقضة من شخص تجاوز في تصرفه الحدود التي يرسمها العقد في المسؤولية العقدية والحدود التي يرسمها القانون في المسؤولية التقصيرية،ويقع هذا الانحراف إذا تعمد الشخص الضرر بالغير وتسمى هذه الحالة بالجريمة المدنية أولم يتعمد ولكن أهمل أو قصر في قيامه في عمل ما وتسمى شبه الجريمة المدنية.
 
معيار الخطأ : -يجب التفرقة بين التعدي بالعمد والتعدي بالإهمال أو التقصير،ففي الحالة الأولى يكون كعيار الخطأ شخصي لان القصد السيئ يبحث عنه في ذات الشخص،أما في الحالة الثانية فيكون المعيار موضوعيا،وفيه يقاس الانحراف بسلوك شخص تجرده من ظروفه الشخصية،هذا الشخص المجرد هو الشخص العادي.
 
ولكن هناك ظروف تبدو لأول وهلة داخلية وتدخل في حساب سلوك الشخص وقياسه ولكن في حقيقتها ظروف خارجية مثل قياس سلوك الذي يأتيه رجل قروي في عمل يقوم به القرويون،فللقول إذا كان هذا القروي قد انحرف عن سلوك الشخص العادي،فيجب أن ننظر إلى سلوك قروي عادي مثله.
 
أما إذا كان القروي يقوم بعمل غير حكرا على القرويين، فان سلوكه يحب أن يقاس بالرجل العادي،حينما يقوم بهذا العمل.
 
مسؤولية الأطباء والجراحين وسائر رجال الفن:  الاتجاه الحديث هو أنها مسؤولية عقدية،وسواء كانت عقدية أو تقصيرية فان الطبيب يسأل عن خطأ دون تفرقة بين الخطأ العادي والفني،أو الخطأ الجسيم واليسير أي يخضع للمعيار العام وهو كل فعل يأتيه الطبيب من نفس المرتبة وجد في ذات الظروف الخارجية التي أحاطت به ولدت عنه مسؤولية،وما يقال عن الطبيب يقال عن المحامي والمهندس وسائر رجال الفن.
 
 
 
مسؤولية الناقل بالمجان : هي مسؤولية تقصيرية إذ لايوجد عقد بين الطرفين،ولذلك فكل خطأ يصدر فيه يطبق عليه المعيار الموضوعي وهي مسؤولية الرجل المعتاد وقد قالت بعض المحاكم من فرنسا أن مسؤولية الناقل بالمجان لايكون الإصدار منه خطأ جسيم،  غير أن ذلك مردود لان الاتفاق على الإعفاء من المسؤولية التقصيرية باطل بحسب قواعد القانون المدني.
 
حالات لا يكون فيها التعدي خطأ :
- الدفاع الشرعي.
- حالة الضرورة.
- حالة تنفيذ أمر صادر من الرئيس.
ومجال هذه الحالات أسباب الإباحة و الأفعال المبررة.
 
02- الركن المعنوي : (الإدراك) : التمييز ضروري لمسألة الشخص الطبيعي دون حاجة إلى درجة الرشد،وإذا انعدم التمييز تماما لا يسأل الشخص عن أفعاله،إلا إذا كان تخلله عارض وهذا يعني أن كان اختياريا أو اضطراريا،فالتمييز الاختياري يسأل الشخص عنه كالمسكر والمخدر.
 
وطبقا للمادة125/1ق.م يكون فاقد الأهلية مسؤول عن أعماله الضارة متى صدرت منه وهو مميز وسن التمييز هو بلوغ الصبي16 سنة في القانون المدني الجزائري.
 

مسؤولية عدم التمييز المادة125/2 ق.م :  يجوز مسألة الشخص غير المميز في حالة تعذر المسؤول عنه وتعذر كذلك تعويض المضرور من طرف المتسبب فجاز للقاضي أن يحكم على من وقع منه الضرر لتعويض عادل مراعيا في ذلك مركز الخصومة.

 
II)-الضرر:  وهو الركن الثاني في المسؤولية ويقع عبئ إثباته على المضرور نفسه بجميع طرق الإثبات بما في ذلك البينة وشهادة الشهود، وهو نوعان :
 
1-الضرر المادي : وهو الذي يصيب الشخص في جسمه أوماله ويشترط فيه شرطان :
 
أ)-أن يكون إخلال بمصلحة مالية للمضرور: أن التعدي على الحق سواء كان في السلامة كالتعدي على الجسم والحياة أو في الملك كحرق منزل أو إتلاف المال،فللمضرور إثبات ضرره وعلى المتسبب تعويض ما ألحق بالمضرور من خسائر.
 
ب)- يجب أن يكون هذا الإخلال محققا لا محتملا : يجب أن يكون الضرر محققا فعلا أو سيقع حتما،مثل الضرر الحال:أن يموت المضرور أو يصاب بتلف في جسمه أو في ماله ومثل الضرر الذي سيقع وهو الضرر المستقبلي : كأن يصاب العامل أثناء عمله في ساقه أن تبثر(تقطع) أو تبقى،فللقاضي في هذه الحالة تقدير التعويض،ويتلقى هذا المتضرر التعويض الذي يستحقه وفقا لأي من الفرضين يتحقق في المستقبل،وإذا كان عجز العامل كليا أي مدى الحياة فللقاضي تقرير التعويض إيرادا مرتبا مدى الحياة.
 
أما الضرر المحتمل : يجب تمييزه عن الضرر المستقبلي لأنه غير محقق،قد يقع أو لا يقع فلا يكون التعويض عنه واجبا إلا إذا تحقق فعلا. 
 
التعويض عن تفويت الفرصة :  إذا كانت الفرصة أمر محتملا فان تفويتها أمكر محققا،وعلى هذا الأساس يجب التعويض،كتفويت فرصة النجاح في الامتحان،والتعويض عن تفويت الفرصة للموظف في الترقية إلى درجة أعلى.
الضرر الأدبي :  الضرر الأدبي لا يمس المال لكن يصيب مصلحة غير مالية يمكن إرجاعه إلى أحوال معينة،فقد يكون ضرر ماديا وأدبيا في نفس الوقت كتشويه في وجه امرأة أو تشويه في الأعضاء، وقد يكون ضرر أدبي فقط الذي يصيب الشرف والاعتبار والعرض،كالقذف والسب والشتم وهتك العرض وإيذاء السمعة والكرامة،وضرر أدبيا يصيب العاطفة والشعور والحنون كانتزاع الطفل من حضن أمه،وضرر أدبي يصيب الشخص بمجرد الاعتداء على حق ثابت له كمن يدخل أرض مملوكة لآخر بالرغم من معارضة مالكها.
فالضرر الأدبي كالمادي يلزم التعويض عنه.
3-العلاقة السببية بين الخطأ والضرر:  هي الركن الثالث في المسؤولية معناها أن توجد علاقة مباشرة ما بين الخطأ الذي ارتكبه المسؤول والضرر الذي أصاب المضرور،وهناك صعوبة في تحديد العلاقة السببية بين الخطأ والضرر وترجع هذه الأخيرة إلى سببين،الأول من الضرر قد لا ينشأ من سبب واحد بل ينشأ عن أسباب متعددة تسمى هذه الحالة بتعدد الأسباب وقد ينشأ خطأ واحد من عدة أضرار متعاقبة.
1-حالة تعدد الأسباب:هناك نظريتان :
أ)- نظرية كل الأسباب الذي أدت إلى حدوث نتيجة أي وقوع الضرر تعتبر سبب لها،وإذا تحلف واحد منها لما وقع الضرر.
ب)- نظرية السبب الفعال أو المنتج : معناه إذا تداخلت عدة أسباب في إحداث الضرر فيجب الاعتداد بالسبب المنتج والفعال أي السبب الملائم لحدوث الضرر مثل ذاك،ترك صاحب السيارة سيارته مفتوحة،فقام شخص بسرقتها واصطدم بأحد المشاة،فطبقا للنظرية الأولى كلاهما متسببان وطبقا للثانية،فالشخص السارق وحده المسؤول في إحداث الضرر.
2- السبب الأجنبي : م 127 ق.م.ج : إما أن يكون القوة القاهرة أو خطأ المضرور أو خطأ الغير.
أ)- القوة القاهرة والحادث الفجائي : وهما تعبيران لشئ واحد لا يمكن نسبتهما إلى المدين أو المسؤول أي لا يدا له في كالحرب وما يترتب عليها من ترحيل السكان الزلازل الخ.
غير أنه عدم نسبة الحادث الفجائي والقوة القاهرة إلى المدعي عليه لا تكفي لاعتباره قوة قاهرة بل يجب أن تجتمع خاصيتين وهما :
-حالة عدم إمكان توقع معناه عدم توقعه وقت حدوثه من أكثر الأشخاص حيطا(معيار الرجل العادي،معيار موضوعي)والمقصود بالاستحالة في الدفع هو الاستحالة المطلقة فإذا كانت الاستحالة قاصرة على المدين دون غيره فلا يعتبر الحادث قوة قاهرة(معيار موضوعي)،والدين على توافر القوة القاهرة إعفاء المدين من الالتزام وبالتالي تنعدم العلاقة السببية التي هي ركن من أركان المسؤولية ولا تقوم بدونها ، وإذا اشترط خطأ المدعي عليه مع القوة القاهرة في إحداث الضرر فانه لا مجال لتقسيم المسؤولية لأنه لا يوجد من يدفع التعويض عن القوة القاهرة،فيتحمل المدعي عليه المسؤولية كاملة،غير أنه يلاحظ أن المدين في المسؤولية العقدية قد يتحمل نتائج القوة القاهرة ويكون مسؤولا حتى ولو كان سبب عدم التنفيذ يرجع إلى القوة القاهرة يكون إذا وجد اتفاق بين المتعاقدين(المادة127 ق.م.ج).
ب)-خطأ المضرور: الحالة الثانية التي تقطع بها العلاقة السببية هي خطأ المضرور وهي في ثلاثة حالات :
1- قد يشترك شرط الخطأ المضرور مع خطأ المدعي عليه ويكون كل خطأ مستقلا عن الخطأ الآخر ومنتجا للضرر،فتقسيم المسؤولية بينهما بالتساوي.
 
2- وقد يستغرق خطأ المضرور خطأ المدعي عليه فيسأل من خطأه خطأ الآخر،ويتم ذلك حيثما يفوق أحد الخطأين الخطأ الآخر من حيث الجسامة،مثل اصطدام صاحب سيارة أحد المشاة في مكان غير مخصص للمشاة.
 
ج)- خطأ الغير : طبقا للمواد من 134 من قانون المدني الجزائري ، تقوم المسؤولية على خطأ الغير في الحالات المنصوص عليها في هذه المواد ، كحالة الرقابة على شخص قاصر أو بسبب حالته العقلية والجسمية وحالة الأضرار الناجمة عن الأبناء القصر فتقوم المسؤولية على الوالدين ، أو حالة تأدية الوظيفة أي مسؤولية التابع والمتبوع (موظف مع الإدارة) ، فالمسؤول عن عمل الغير حق الرجوع عليه في الحدود التي يكون فيها هذا الغير مسؤولا عن تعويض الضر (المادة 137 ق.م.ج).
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
المسؤولية المدنية (العقدية والتقصيرية).
 
مقدمة :  لقد سبق وأن عرفنا أن المسؤلية ا لقانونية هي تجاوز الحدود التي رسمها القانون وتترتب عليها مسؤولية جنائية والحدود التي نص عليها الإتفاق أو الإخلال بإلتزام مقتضاه أن لا يضر الإنسان غيره بأعمال نص عليها القانون وتترتب عليها مسؤولية مدنية هذه الأخيرة  تنقسم إلى قسمين مسؤلية عقدية وأخرى تقصيرية.
 
أ)- معايير التفريق بين المسؤوليتين :
 
1)-من حيث الأهلية : - للمسؤولية العقدية شرطين هما العقد الصحيح ومخالفة الإلتزام الناشئ عنه معا ، وصحة العقد تستلزم أهلية التعاقد أو الأهلية الكاملة ، وكذلك نجد أن شرط المسؤلية التقصيرية هو توافر الخطأ من جانب المسؤل وركنا الخطأ هما التعدي والإدراك أي التمييز ، إذا ف لمسؤلية العقدية تستلزم توافر الأهلية الكاملة لدى المسؤل بينما المسؤلية التقصيرية تتطلب فقط توافر التمييز لديه ، فثمة فارق من جانب الأهلية.
 
2)-من حيث التعويض :  يسأل المدين في المسؤلية التقصيرية عن الضرر المتوقع وغير المتوقع أما في المسؤلية العقدية فلا يسأل عن الضرر المتوقع أي الضرر الذي يدخل في قصد المتعاقدين وقت التعاقد إلا إذا وقع من المتعاقد المدين غش أو خطأ جسيم لان حسن النية مفروض في تنفيذ العقد.
 
وفي ذلك تنص المادة 182/ 2 م ج على أنه إذا كان الالتزام مصدره العقد فلا يلتزم المدين الذي لم يرتكب غشا أو خطأ جسيما إلا بتعويض الضرر الذي كان يمكن توقعه عادة وقت التعاقد فضياع حقيبة من أمين النقل يجعله مسؤلا عن الثياب التي بداخلها لأن هذا ضرر متوقع ولكن لا يجعله مسؤلا عما بها من مجوهرات لان هذا ضرر غير متوقع ، إذ ليس متوقع وضع مجوهرات في حقيبة عادية.
 
3)- من حيث التضامن بين المدنيين المتعددين :  ففي المسؤولية التقصيرية التضامن  مقرر بنص عام في القانون في حالة تعدد المدنيين ( 126م ج) أما في المسؤلية العقدية فلا تضامن إلا بالاتفاق أو بنص خاص في القانون ، والسبب في قيام التضامن بنص عام في المسؤلية التقصيرية هو أنه إذا ارتكب الخطأ اثنان كان خطأ كل منهما هو السبب في الضرر ومن ثم وجب عليه التعويض كاملا.
 
4)- من حيث الإعفاء الاتفاقي من المسؤلية : يجوز الاتفاق على الإعفاء من المسؤلية العقدية ولا يجوز ذلك في المسؤلية التقصيرية178/ 2.3 م .ج  يجوز الاتفاق على إعفاء المدين من أية مسؤلية تترتب على عدم تنفيذ التزامه التعاقدي إلا ما ينشأ عن غشه أو عن خطئه الجسيم ، غير أنه يجوز للمدين أن يشترط إعفائه من المسؤلية الناجمة عن الغش أو الخطأ الجسيم الذي يتم من أشخاص يستخدمهم في تنفيذ التزامه ويبطل كل شرط يقضي بالإعفاء من المسؤلية الناجمة عن العمل الإجرامي أي عن المسؤلية التقصيرية.
 
5)- من حيث التقادم : تتقادم دعوى المسؤلية العقدية كقاعدة عامة بخمسة عشرة سنة 307 م ج كذلك دعوى المسؤلية التقصيرية فتتقادم بخمسة عشرة سنة من يوم وقوع العمل الضار 133م ج ،كما أن قانون الإجراءات الجزائية قد أخضع الدعوى المدنية فيما يتعلق بالتقادم لأحكام القانون المدني ( المادة  قانون الإجراءات الجزائية).
 
 
وذلك بعدما نص في المواد 7،8  ، 9 على تقادم الدعوى العمومية فجعله عشر سنوات كاملة في الجنايات وثلاث سنوات في الجنح وسنتين في المخالفات ، وهكذا نجد فارقا ظاهرا في القانون الجزائري بين تقادم الدعوى المدنية وتقادم الدعوى الجنائية فقد جعل كلا منهما تخضع لقانون مستقل.
نستخلص مما سبق أن ثمة فوارق بين المسؤليتين مردها إلى أن المسؤلية العقدية هي نتيجة الإخلال بالتزام إرادي وأن المسؤلية التقصيرية هي نتيجة الإخلال بواجب عام فرضه القانون.
 
ب)- تحديد نطاق كل من المسؤليتين العقدية والتقصيرية :  لا مسؤلية عقدية إلا حيث يكون هناك عقد ، إنما وجود العقد لا يتحتم معه أن تكون المسؤلية عقدية دائما وتتطلب المسؤلية العقدية توافر شرطين :
 
1-  أن يكون ثمة عقد صحيح بين المسؤل والمضرور فيجب أن تتجه الإدارة إلى الالتزام فخرجت بذلك المجاملات كما خرجت الخطبة والنقل بالمجان.
 
ولقيام المسؤلية العقدية يجب أن يكون العقد صحيحا، فإذا كان العقد باطلا فالمسؤلية تقصيرية ويجب أن يكون الإخلال حاصلا من أحد طرفي العقد أو ممن حل محله ويدخل في ذلك الخلف العام والخاص والمنتفع في الاشتراط لمصلحة الغير ، أما الإخلال الحاصل من أجنبي فتترتب عليه المسؤلية التقصيرية.
 
2-  أن يكون الضرر قد نتج عن خرق التزام فرضه العقد ويتولى القاضي تحديد مضمون العقد  فتحديد المسؤلية رهن بتحديد الالتزامات التي يرتبها العقد.
 
وتكون المسؤلية عقدية متى وجد عقد صحيح ونتج الضرر من عدم تنفيذ التزام متولد عن هذا العقد ويستوى أن يكون الالتزام قد فرضته الإرادة المشتركة أو فرضه نص مفسر أو أمر، ومتى كان المضرور طرفا في العقد أو ممثلا فيه ( كالخلف) أو منتفعا في اشتراط لمصلحة الغير والمسؤل هو المدين أو من حل محله ، وكل ما خرج عن هذه الحدود يدخل حتما في نطاق المسؤلية التقصيرية.
 
ج)- الجمع أو الخيرة بين المسؤليتين : إذا توافرت في العمل الواحد شروط المسؤلية العقدية والمسؤلية التقصيرية معا فهل للمضرور أن يختار المسؤلية التقصيرية ؟  ومن ثم فعبارة الخيرة أدق من عبارة الجمع ذلك أن الجمع قد يفهم على أنه تعويض المضرور مرتين وهذا ما لا يقول به أحد كذلك ليس معنى الخيرة أن يجمع المضرور بين مزايا كل من المسؤليتين.
 
* أساس المسؤلية التقصيرية في القانون الجزائري :  لقد أخد المشرع الجزائري بالخطأ كأساس لقيام المسؤلية المدنية وان كان النص العربي للمادة 124ق م ج لم يرد فيه ذكر لعبارة الخطأ إذ قال أن كل عمل أيا كان يرتكبه المرء ويسبب ضررا للغير يلزم من كان سببا في  حدوثه بالتعويض غير أن النص الفرنسي لهذه المادة ألزم من حصل الضرر بخطئه على تعويض هذا الضرر مما يؤكد أن المشرع الجزائري قد اعتنق نظرية المسؤلية المبنية على الخطأ.
 
 
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه