أحكام الحراسة

0
أحكام الحراسة :
       إنّ للحراسة بالمفهوم السابق, أحكام فيما يخص تجزئتها وإنتقالها والسؤال الذي يطرح هنا هو: هل يشترط التمييز في الحارس حتي تصح مساءلته عن فعل الشيء الواقع تحت حراسته ؟
        لقد إنقسم الفقه في الرد على هذا السؤال الى أتجاهين.
          - الإتجاه الأول: يري أنّه يشترط التمييز في الحارس, قياسا على أنّ التمييز عنصر مهم في تقرير مسؤولية الأشخاص, طبقا للقواعد العامة للمسؤولية عن العمل الشخصي, وذلك لأنّ التمييز عنصر في الخطأ الذي يعدّ أساسا للمسؤولية, ومن ثمّة إن أحدث غير المميز ضررا للغير بواسطة الشيء, ةفإنّه لايسأل لأنّه لاينسب لغير المميز خطأ(1).
          - أمّا الإتجاه الثاني, فيري أنّ التمييز لا يشترط في الحارس لكي تقوم مسؤوليته عن فعل الشيء غير الحي, لأنّ هذا النوع من المسؤولية لايقوم على أساس الخطأ(2), بل يقوم على أساس موضوعي سنتطرق له لاحقا. وهذا الإتجاه هو الأقرب للصواب في نظرنا, لأنّه إضافة لما سبق فإنّ مناط مسؤولية حارس الشيء هي صفته كحارس للشيء, والتمييز لا يمنع الغير مميز من التمتع بها طالما لا يمنعه من ممارسة سلطات الإستعمال, التوجيه والرقابة على الشيء محل الحراسة.
         وقد كان القضاء الفرنسي في بداية الأمر يرفض الخذ بمسؤولية عديم التمييز عن الضرر الحاصل عن فعل الشيء غير الحي الواقع تحت حراسته, وذلك عندما كان يأخذ بفكرة الحراسة القانونية لكن فيما بعد أقرّ بمسؤولية عديم التمييز تحقيقا لمبدا العدالة وحق المضرور في التعويض(3).
s1- إنتقال الحراسة:    
        لقد قلنا فيما سبق أنّ مناط الحراسة, هو تمتع الحارس بسلطات الإستعمال, التوجيه والرقابة على الشيء الغير حي, لذلك فإنّ الحارس يفقد صفته هذه, بفقدان كل أو إحدي هذه السلطات, بإنتقالها الى الغير  إراديا أو لاإراديا. وهو الأمرالذي يمكن أن نستنتج من خلاله أنّه بإمكـان الحـارس أن ينفي مسؤوليته بإثبـات إنتقـال الحراسة منه الى الغير.
       وتنتقل الحراسة الى الغير, إراديا عن طريق الإتفاق أو العقد كعقد البيع أو عقد  الإيجار أو ـــــــــــــــــــ
1- أنظر الدكتور السنهوري في مؤلفه بعنوان الوسيط في شرح القانون المدني, الجزء الأول, صفحة 1242, بند 735.
2- من أنصار هذا الإتجاه نجد الدكتور سليمان مرقس في رسالته حول طرق دفع المسؤولية المدنية , فقرة 523. وكذلك الدكتور عبد المنعم فرج الصده في مؤلفه بعنوان مصادر الإلتزام فقرتي: 530 و531 وكذلك الدكتور علي علي سليمان في مؤلفه السابق , صفحة 196, ويري هذا الأخير أنّه يمكن مساءلة عديم التمييز عن فعل الشيء غير الحي طبقا للمادة 125 من القانون المدني الجزائري.
3-أنظر المرجع السابق للدكتور علي علي سليمان,, صفحتي 131و 132, فقرة 19.
 عقد العارية ...إلخ. ولا يكون إنتقال الحراسة في هذه العقود الى الغير إلاّ بعد حصول عمليّة التسليم(1). وهذا ما جاء في قرار المحكمة العليا بتاريخ 01/07/ 1981 الذي نص في صلبه على ما يلي: (( لكن حيث أنّه ممّا لاجدل فيه أنّ شركة بربارمختار والاخوة, عندما رست عليها المناقصة لبناء 42 مسكن بالمكان المسمي المصلي بالمدية, وكان هذا المكان يحتاج قبل مباشرة البناء عليه إلي تسويّة أرضية، لذلك استأجرت الشركة من مالك الألة المدعو: مقدم خالد, الألة من أجل تسوية الأرض والتي كان يقودها المدعو: صافيه أحمد بسعر معيّن عن كل ساعة عمل.
          وحيث أنّ عقد الإيجار المذكور في هذه الحالة يجعل الألة وسائقها تحت حراسة الشركة الطاعنة طالما أنّها استأجرت الألة من صاحبها بسعر زمني ولم تكلفه بمقاولة عمل إجماليّة لإستعمالها في ورشتها وتسييرها حسب رغبتها في ساعات العمل وبالتالي فإنّ رقابتها مبسوطة عليها. الأمر الذي يجعل الوجه المثار غير مؤسس...))(2), غير أنّه تجدر الإشارة الى أنّ التابع ومتعلم السياقة(3) وكذا المكانيكي لاتنتقل إليهم الحراسة لأنّهم لايتمتعون بالسلطة الفعليّة في توجيه والتصرف في الشيء, بل تبقي للمالك أو الحارس السابق. وهذا ما جاء في قرار المحكمة العليا بتاريخ 19/02/1981الذي سبق لنا وأن أشرنا إليه, لكن إذا ترتب الضرر عن عيب في الشيءلم يخبر المعير المستعير به, فيكون المعير هو المسؤول عن هذا الضرر(4).
          كما تنتقل الحراسة الى الغير بغير إرادة الحارس , كما لو تعرض الشيء المحروس للسرقة. فالسرقة تنقل الحراسة بمقوماتها الثلاثة من الحارس الى السارق فيصبح هذا الأخير حارسا فعليا للشيء(5),  ويأخذ نفس هذا الحكم التابع الذي يخالف تعليمات المتبوع فيما خالفــه(6).



ـــــــــــــــــــ 
1- أنظر مؤلف الدكتور العربي بلحاج بعنوان النظرية العامة للإلتزام في القانون الجزائري, الجزء الثاني, صفحة 362.
2 - أنظر قرار الغرفة المدنية للمحكمة العليا بتاريخ 01/07/1981, منشور بنشرة القضاة, سنة 1982 عدد خاص , صفحة 121.
3- أنظر الدكتور السنهوري, في مؤلفه السابق, فقرة 726.
4- أنظر الدكتور العربي بلحاج في مؤلفه السابق, صفحة 363.
5- من التطبيقات القضائية الشهيرة في هذا الصدد, نجد قضيّة فرانك التي سبق لنا وأن أشرنا إليها.

6- أنظر الدكتور العربي بلحاج, في مؤلفه السابق, صفحة 360.







2- تجزئة الحراسة:

         الأصل أن تجتمع سلطات الاستعمال, التوجيه والرقابة في يد حارس واحد. غير أنّه وفي بعض الحالات قد يتمتع أكثر من شخص واحد بالسلطات السابقة بشكل متساوي, كما هو الحال بالنسبة للشركاء في الشيوع, وبالتالي فهم يسألون عن فعل الشيء المشاع بينهم باعتبارهم حرّاس له, طبقا للمادة 138 من القانون المدني.
        وعلى صعيد أخر قد تتجزأ الحراسة بين نوعين لها, حراسة الإستعمال وحراسة البنيّة أو الهيكل. فحراسة الإستعمال تكون للحائز في حدود ما يقتضيه إستعمال الشيء في غرضه. أمّا حراسة البنيّة فتكون للمنتج في نطاق العيب أو الإختلال الموجود في هيكل الشيء وبنيّته, يتعذر معـــرفتـه مــن قبـبــل مســتـعمل الشــيء قبـل إستعماله.                                                                                                                          وقد تجسدت فكرة تجزئة الحراسة عمليا, عندما قضت محكمة إستئناف –بواتيه –في قضية تتعلق بإنفجار زجاجة عصير ليمون بين يدي طفل, تسببت في إصابة إحدي عينيه بأضرار خطيرة. فقالت بأنّ منتج العصير يفترض أنّه لايزال يحتفظ بحراسة هذا الأخير بالرغم من إنتقال ملكية الزجاجة, فهو وحده من بين المالكين المتعاقبين عليها من كان بإمكانه ممارسة سلطة الرقابة عليها فيما كانت
تحتويه من عناصر لها فعاليّة خاصة(1).
            ومن تطبيقات هذه الفكرة في القضاء الجزائري نذكر القرار الصادر عن المحكمة العليا بتاريخ 20/12/1989الذي جاء فيه ما يلي:
(( حيث أنّ الأصل في الحراسة, هو أن يكون الحارس له على الشيء سلطات الإستعمال, التسيير والرقابة. وقد أخطأ قضاة الموضوع في تطبيق القانون وخاصة المادة 138 من القانون المدني,  بحيث أنّ المضرور لمّا رفع دعواه عمّا أصابه من ضرر, كان هو حارس قارورة الغاز ولم يثبت أنّه يوجد عيب في هذه القارورة. وبما أنّه نقل الحراسة للمطعون ضدّه, فإنّ شركة سوناطراك ليست هي المسؤولة))(2). يتبيّن لنا من قراءة هذا القرار أنّه تضمن فكرة تجزئة الحراسة, إذ أنّه بالنسبة لقضاة المحكمة العليا, كان يمكن مساءلة شركة سوناطراك باعتبارها حارسة لقارورة الغاز, لو أثبتت الضحية وجود عيب في بنية القارورة, تسبب في تسرب الغاز منها. وتسأل شركة سوناطراك هنا ـــــــــــــــــــ
1- أنظر مؤلف الدكتور محمد شكري سرور, حول مسؤولية المنتج عن الأضرار التي تسببها متوجاته الخطيرة,صفحة 16.
2- أنظر قرار الغرفة المدنية للمحكمة العليا بتاريخ20/12/1989,ملف رقم 61342 غير منشور.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه