تفعيل الحماية القضائية لحقوق الزوجة المطلقة و الأطفال

0
: تفعيل الحماية القضائية لحقوق الزوجة المطلقة و الأطفال
إن المشرع المغربي في المواد المنظمة لحقوق الزوجة المطلقة و الأطفال المحضونين ، لم يكتفي فقط بالحرص على تنظيمها نظريا ، بل تجاوز ذلك إلى النص على مجموعة من الضمانات القانونية الكفيلة بتفعيلها عمليا ، من خلال تخويله للمحكمة المختصة إمكانية اتخاذ ما تراه ضروريا من وسائل و إجراءات لتنفيذ الحكم البات فيها ( المطلب الأول ) ، و التي تواجهها من الناحية الواقعية بعض الصعوبات تقتضي ضرورة تجاوزها انسجاما مع طبيعة و خصوصية الحقوق الرامية إلى حمايتها ، ( المطلب الثاني ) .

المطلب الأول : وسائل و إجراءات تنفيذ الحكم القضائي المتضمن لمستحقات الزوجــــة و الأطفــــــال
من المؤكد أن الحماية القضائية للحقوق المضمنة في الأحكام و القرارات القضائية الصادرة عن المحاكم – باعتبارها أهم السندات التنفيذية الحائزة لقوة الشيء المقضي به – تظل قاصرة و عاجزة عن تحقيـق العدالة الواقعيـة إذا لم يتم تنفيذهـا ، فهذا الأخير يشكل التجسيد الفعلي لمنطوق تلك الأحكام و القرارات بنقلها من مجالها النظري إلى واقعها العملي ، بحيث إن الفعالية الكامنة فيها يتوقف تفعيلها على هذه المرحلة بالذات ، لذلك أولت الأنظمة القانونية المعاصرة أهميـة بالغة للتنفيذ ، بجعله مؤسسة قانونيـة و قضائية تشـرف على مباشرة إجراءاته طبقا للقانون (1) .
ـــــــــــــــــ
(1) نظم المشرع المغربي الإجراءات العامة للتنفيذ في الفصول 411 إلى 510 من قانون المسطرة المدنيـة ، إضافة إلى بعض الإجراءات الخاصة الواردة في مدونة التجارة ، و ظهير 12 نونبر 1956 بشأن رهن أدوات و معدات التجهيز ، و المرسوم الملكي المحدد للتشريع المطبق على العقارات المحفظة المـؤرخ في يونيــو 1915 ، و المرســوم المـؤرخ في 17 دجنبــر 1968 المتعلـق بالقـرض العقـاري و السياحـي ، و قانون إحداث المحاكم التجارية ، و قانون إحداث المحاكم الإدارية ، ثم القانون المتعلق بصدور مدونة الأسرة ... الخ .
91



و مهمة التنفيذ التي أناطها المشرع المغربي بجهاز كتابة الضبط تكتسي أهميـة و خطورة في نفس الوقت (2) ، نظرا للصعوبات القانونية و الواقعية التي تفرزها إجراءاته ، و التي تشكل عبئا إضافيا و عقبة في طريق توصل المحكوم لهم بحقوقهـم ، حيث يقول في هذا الإطار محمد سلام بأن التنفيذ : » يتسم بالصبغة القانونية و القضائية و نعيشهـا يوميا في الحياة العمليـة بالمحاكـم بكل تشعباتهـا و تعقيداتها معا ، لدرجة أصبح العقبة العظمى التي يحسب لها المتقاضون ألـف حساب ، سواء كانوا طالبين أو مطلوبين فيه ، و كثيرا ما شكل المادة الخام لإلصاق التهم بالمؤسسات القضائية عموما ، أو بكتابـة الضبط خاصة تلك التي تهم التأخيـر و التماطل و التسويف ، بل أحيانا التلاعب و التآمر على الحقوق « (3) .
من هذا المنطلق ، و نظرا لكون المقتضيات القانونية التي كانت في ظل مدونة الأحوال الشخصية الملغاة ، لم تكن كافية لضمان تنفيذ الأحكام الصادرة بخصوص مستحقـات الزوجـة المطلقـة و الأطفـال بالشكـل الذي يتناسـب مع طبيعتهـا و خصوصياتها ، فقد كان من الضـروري أن يبـادر المشرع المغربـي في إطـار
ـــــــــــــــــ
(1) نظم المشـرع المغربي الإجراءات العامة للتنفيذ في الفصول 411 إلى 510 من قانون المسطرة المدنيـة ، إضافة إلى بعض الإجراءات الخاصة الواردة في مدونة التجارة ، و ظهير 12 نونبر 1956 بشأن رهن أدوات و معدات التجهيز ، و المرسوم الملكي المحدد للتشريع المطبق على العقارات المحفظة المـؤرخ في يونيــو 1915 ، و المرســوم المـؤرخ في 17 دجنبــر 1968 المتعلـق بالقـرض العقـاري و السياحـي ، و قانون إحداث المحاكم التجارية ، و قانون إحداث المحاكم الإدارية ، ثم القانون المتعلق بصدور مدونة الأسرة ... الخ .
(2) جاء في خطاب للمرحوم الملك الحسن الثاني بمناسبة استقباله لأعضاء الحكومة و كبار رجـال القضاء و المحامين و بعض العدول بتاريخ 21 مارس 1982 ما يلي : " على المغرب أن يجعل من العدل الأساس لحياته اليومية و الأساس لفضيلته التربويـة ... مسؤولية القاضي ليست أجسم من مسؤوليـة كاتب الضبـط ، و مسؤولية المحامي ليس أقل من مسؤولية القاضي ، و مسؤولية التنفيذ هي أعتقد شخصيا أكبر المسؤوليات ... فعدم التنفيذ أو التماطل في التنفيذ يجر المرء إلى تفكير آخر هو انحلال الدولة ... حذار من العدل الظالم ... " .
(3) محمد سلام : مسطرة التنفيذ الجبري و إجراءاته ، مجلة الملحق القضائي ، العدد 20 ، ص : 97 . 

92


المستجدات التي جاء بها في مدونة الأسرة ، إلى سن قواعد خاصة بتنفيذ تلك الأحكام تحقق حماية أفضل لأصحابها ، من بينها ما تنص عليه المادة 168 كمــا يلــي :
» لا يفرغ المحضون من بيت الزوجية إلا بعد تنفيذ الأب للحكم الخاص بسكنى المحضون ، على المحكمة أن تحدد في حكمها  الإجراءات الكفيلة بضمان استمرار تنفيذ الحكم من قبل الأب المحكوم عليه « ، كذلك تنص المـادة 191 علـى أنـه : » تحدد المحكمة وسائل تنفيذ الحكم بالنفقة و تكاليف السكنى على أموال المحكوم عليـه ، أو اقتطاع النفقة من منبع الريع أو الأجر الذي يتقاضاه ، و تقرر عند الاقتضاء الضمانات الكفيلة باستمرار أداء النفقة ... « .
فالمحكمة طبقا لهذه المقتضيات و هي بصدد البت في المستحقات خاصة المتعلقة بالأطفال ، تكون ملزمة حسب صياغة المادتين أعلاه ( تحدد المحكمة و سائل تنفيذ الحكم ... ، على المحكمة أن تحدد في حكمها الإجراءات ...) بتضمين الأحكام القضائية الصادرة بشأن التطليق للشقاق و المتضمنة لها ، الوسائل و الإجراءات الكفيلة بضمان تنفيذها و الاستمرار فيه ، مثل الأمر بالتنفيذ المباشر على أموال الأب المحكوم عليه الموجود في البنك ، أو الاقتطاع من منبع الريع أو الأجـر الذي يتقاضاه (1) أو من مدينه كالمكتري ، أو بحجز بعض أمواله إذا لم ينفذ الحكم داخل فترة من صدوره مادام الحكم حضوريا ، حيث يمكن للمحكمة كما كان منصوص عليه في الفصل 435 ق.م.م المعدل أن تطلب من المحكوم عليه تنفيذ الحكم طوعيـا
ــــــــــــــــــ
(1)من التطبيقات القضائيـة لهذه الإجراءات المرتبطة بتنفيذ الحكم القضائي البـات في مستحقـات الأطفال ، الحكم القضائي الصادر عن قضاء الأسرة بالحسيمة رقم 193 بتاريخ 29/03/2005 ، حيث قضى باقتطاع نفقة الأبناء و أجرة السكن مباشرة من أجر المحكوم عليه ، إلا أن طريقة اقتطاع واجب النفقة من المنبع ، يصادف في بعض الحالات وجود بعض الصناديق:مثل الصندوق المغربي للتقاعد أو الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ، بها نظام الأداءات عند نهاية كل ثلاثة أشهر و ليس في نهاية كل شهر ، و هو ما ينتج عنه عدة مشاكل خاصة عند الدخول المدرسي أو في بعض المناسبات الدينية أو في حالة مرض أحد الأبناء ، فضلا عن كون نظام الأداءات على رأس كل ثلاثة أشهر لا يساعد على برمجة المصاريف اليومية للأطفال .

93


أو تقديم عروض ، مع مراعاة أحكام المادتين 458 و 488 من ق.م.م بخصوص الأشياء التي يصرح القانون بعدم قابليتها للحجز .
و تفاديا لأي تماطل أو تحايل في التنفيذ من طرف الأب المحكوم عليه ، يمكن للمحكمة عند الاقتضاء أن تقرر بعض الضمانات في الحكم الذي تصدره ، مثل تضمين قرار إسناد الحضانة منع السفر بالمحضون إلى خارج المغرب إذا كان هو الحاضن ، أو حجز جواز سفره إذا كان مقيما في الخارج ، أو استصدار قرارا تمهيدا قبل الحكم بالتطليق للشقاق يأمر الزوج إذا كان مدعيا بإيداع المستحقات بصندوق المحكمة ( داخل أجل أو بدونه ) ، و إلا اعتبر متراجعا عن طلبه ، إلى غير ذلك من الضمانات التي يمكن للمحكمة أن تقررها لضمان تفعيل الحماية القضائية لحقوق الزوجة المطلقة و الأطفال المقررة ضمن الأحكام التي تصدها و التي غالبا ما تكون مشمولة بالنفاذ المعجل في شقها المتعلق بالنفقة و السكنى .
فهذه المقتضيات الاستثنائية التي يمكن للمحكمة أن تضمنها في الأحكام الصادرة بخصوص مستحقات الزوجة المطلقة و الأطفال في دعاوي الشقاق ، رغم أهميتها باعتبار أن تفعيلها من شأنه أن يخفف على الأقل من حدة المشاكل القانونية و الواقعية التي تفروها القواعد العامة للتنفيذ المدني ، فان واقع العمل القضائي يؤكد وجود صعوبات لازالت تعترض تنفيذ تلك الأحكام .
الفقرة الثانية : صعوبـات تنفيـذ الحكم القضائي المتضمن لمستحقـات الزوجة المطلقة و الأطفـــال و آليــــات تجاوزهـــــا
تواجه أحكام التطليـق للشقـاق الباتة كذلك في مستحقـات الزوجة المطلقـة و الأطفال – على غرار باقي الأحكام الأخـرى – العديـد من الصعوبات أثناء تنفيذها ، تختلف من حيث أشكالهـا و يتدخـل فيها ما هو قانونـي بما هو اقتصادي
و اجتماعي نظرا لخصوصيتها و طبيعتها ، ذلك أن الصعوبة في التنفيذ كما يقول أحمد النويضي : » من أكثر الاشكالات المعروضة على القضاء باستمرار ، بحيث لا يكاد يخلو ملف تنفيذي من إثارة هذا الإشكال ، إلى درجة أصبح معها هذا الموضوع

94



 ملفتا للنظر من قبل الفقه و القضاء على حد سواء « (1) ، كما يعرفه عبد الله الشرقاوي بأنه : » المنازعة القانونية و الواقعية التي يثيرها المهدد بالتنفيذ أو المنفذ ضده ، أو أي طرف يمس التنفيذ بمصالحه بناء على ادعاءات يتمسك بها بحيث لو صحت لأثرت في التنفيذ ، فيصبح التنفيذ جائزا أو غير صحيح أو باطلا يمكن الاستمرار فيه أو يوقف السير فيه « (2) .
فقد تثار تلك الصعوبات قبل الشروع في عملية التنفيذ ، خاصة عندما يصدر الحكم غيابيا أي دون حضور الزوج المحكوم عليه ، حيث يتعين و الحالة هذه اللجوء إلى القواعد العامة للتنفيذ الذي يعتبر الأصل فيها طبقا للمادة 44 ق.م.م الاعذار مع التبليغ بنصها : » يبلغ عون التنفيذ إلى الطرف المحكوم عليه  الحكـم المكلف بتنفيـذه ، و يعذره بأن يفي بما قضى به الحكم حالا أو بتعريفه بنواياه « ، لأن الأصل في التنفيذ إعطاء المنفذ عليه فرصة القيام بالوفاء اختياريا تفاديا للجوء إلى التنفيذ الجبري ، فتبليغ الحكم و الاغدار بالوفاء ضروريان حتى يتأتى لمأمور الإجراءات التنفيذية أن يعرف نية المدين و اتخاذ ما يراه موافقا للقانون ، حيث إن تماديه في الامتناع عن التنفيذ رغم كل ذلك ، يبرر للمحكمة القيام بالتنفيذ الجبري القضائي الذي لا يخلو هو الآخر من صعوبات .
و قد تثار بعد الشروع في التنفيذ حيث تكون الرقابة القضائية لاحقة لذلك ، كما إذا طرأت ظروف استثنائية جعلت تنفيذ الإجراءات المنصوص عليها في الحكم القضائي متعذرة مما يتعين تعديله و مراجعته .
و من تطبيقات ذلك أن المشرع في المادة 183 من مدونة الأسرة ، خول للمحكمة إمكانيـة مراجعة و تعديـل تنظيـم حق الزيـارة المقرر باتفاق الأبوين أو
بالمقـرر القضائي ، إذا استجدت ظروف أصبح معها ضارا بأحد الأطراف أو ـــــــــــــــــ
(1) أحمـد النويضي : القضاء المغربي و اشكالات التنفيذ الجبري للأحكام ، مطبعـة وراقـة الكتاب بفـاس ، الطبعة الأولى مارس 1995 ، ص : 31 .
(2) عبد الله الشرقاوي : صعوبات التنفيذ ، مجلة القضاء و القانون ، عدد 28 ص : 20 .

95


المحضون ، و نفس هذا المقتضى يمكن تطبيقه إذا لمراجعة مبلغ نفقة و أجرة سكن المحضون ... الخ .
و بذلك ففي حالة وجود مثل هذه الصعوبات يمكن للمنفذ له أو نائبه إذا كان قاصرا ، أو المحكوم عليه أو العون المكلف بتبليغ و تنفيذ الحكم القضائي ، إثارتها أمام رئيس المحكمة الابتدائية أو بالنيابة أمام رئيس قسم قضاء الأسرة التي يجري بدائرتها التنفيذ (1) ، من خلال تقديم مقال استعجالي طبقا للفصل 149 ق.م.م ، حيث يقوم رئيس المحكمة أو نائبه باستدعاء الطرفين و الاستماع إليهما شريطة توفر عنصر الاستعجال الذي يتوقف عليه اختصاصه كقاض للمستعجلات ، حيث يمكنه رفض الطلب إذا ثبت له انتفاءه .
و نظرا لحجم المسؤوليات المنوطة برئيس المحكمة الابتدائية سواء الولائية منها أو القضائية ، فان إسناد النظر له في الصعوبات التي تواجه تنفيذ الأحكام الصادرة بخصوص مستحقات الزوجة المطلقة و الأطفال إضافة إلى الأحكام الأخرى قد يشكل عبئا عليه ، مما يتعين معه إحداث منصب قاضي التنفيذ في كل قسم من أقسام قضاء الأسرة مستقل عن المحكمة الابتدائية بما يتلاءم مع النظام القضائي المغربي ، تكون له مهمة الإشراف الفعال و المتواصل على سائر إجراءات التنفيذ ، بدءا من فتح ملف التنفيذ إلى إيصال الحق لصاحبه ، بتنسيق مع القائمين به من أعوان التنفيذ و النيابة العامة ، خاصة و أن المشرع في إطار وعيه بالمشاكل القانونية و الواقعية التي تفرزها عملية التنفيذ في المجالين المدني و الجنائي ، عمل على إحداث منصب قاضي التنفيذ في القضايـا التجاريـة ( المادة 2 من قانـون إحداث المحاكم التجاريـة ) ، وقاضي تطبيق العقوبة طبقا لقانون المسطرة الجنائية الجديد ، فذلك سيعزز لا محالة الضمانات القانونية و القضائية لحسن تنفيذ مستحقات الزوجة المطلقة و الأطفال ، المحددة في الأحكام الصادرة بخصوص التطليق للشقاق .
ـــــــــــــــــ
(1) محمد النجاري : اختصاص المكان في دعاوي إشكالية التنفيذ المؤقتة ، مجلة الملحق القضائي ، عدد 22 ، ص : 155-166 .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه