مبــررات تطبيـــق مسطـــــرة الشقــــاق

0
: مبــررات تطبيـــق مسطـــــرة الشقــــاق

باستقرائنـا لمقتضيات المواد 94 و 52 و 100 و 120 و 124 من مدونة الأسرة ، يتضح جليا أن مبررات تطبيق مسطرة الشقاق تنقسم إلى  سبب رئيسي يتعلق بوجود نزاع بين الزوجين يخاف منه الشقاق  ( المطلب الأول ) و باقي الأسباب نجملها في الحالات الأخرى لتطبيق مسطرة الشقاق ( المطلب الثاني ) .

المطلـب الأول : وجــود نــزاع بين الزوجيــن يخـاف منــه الشقـــــــــــــاق

إن المبـدأ الأسمى الذي ينبغي أن تتأسس عليه الحيـاة الزوجيـة قوامـه التشاور ، و التفاهم ، و المودة ، و أداء كل منهما دوره على حسن وجـه ، و احترام ــــــــــــــــ
(1) ابن العربي : أحكام القرآن ، دار إحياء الكتب العربية ، المجلد الأول ، الطبعة الأولى ، ص : 176 .
(2) الحطاب :  مواهب الجليل على مختصر خليل ، الجزء الرابع ، ص : 16 .

17


حقوق الآخر ، و الحرص على خير الأسرة و استمرارها ، تحقيقا للغاية التي شرع الله تعالى من أجلها الزواج بقوله : ) و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها و جعل بينهم مودة و رحمة ( (1) ، فالعلاقة الزوجية من المنظور الإسلامي علاقة سكن و تساكن تنشرح فيها النفوس و تتصل بها المودة و الرحمة .
بيد أنه قد يطرأ على الحياة الزوجية ما يكدر صفوفها و يعكر صفائها بفعل اختلاف الطباع و الأدوار بين الزوجين ، مما يجعل الأسرة تواجه صعوبات من شأنها أن تعصف باستقرارها ، فمن الناذر أن تخلو حياة الأسرة من أحداث و أزمات تؤدي إلى حدوث نزعات بين الزوجين تختلف طبعا من حيث نوعيتها و تأثيرهـا ، فقد تكـون هذه النزاعات بسيطة ثم تتطور لتصبح شقاقا يستعصي معه دوام العلاقة الزوجية ، و يحتمل أن يتلوها التوافق و التفاهم بينهما ، مما يتيح لهما الاستمرار في جو أسري يطبعه الاستقرار كحالة طبيعية يفترض أن تكون عليها كل أسرة ، لأن في استقرارها استقرار المجتمع و في تفككها إصابته بالتصدع و الشقاق .
و نظرا لكون القانون يهدف إلى ضبط و تنظيم العلاقات الأسرية  من خلال حرصه على ضمان تحقيق التعايش الفعلي بين الزوجين ، فقد عمد المشرع من خلال مدونة الأسرة إلى صياغة قواعد قانونية مبسطة  تيسر للزوجين إمكانية التظلم أمام القضاء ، تجسدها المقتضيات المنظمة لمسطرة الشقاق .
فكثيرة هي الحالات التي تكون فيها النزاعات الزوجية بسيطة يمكن حلها ، غير أن السكوت عنها و تكررها و استمراريتها يؤدي إلى تطورها و احتدامها إلى أن تصبح شقاقا ، يتعذر معه التوفيق بين الزوجين و يقتضي حله الحكم بالتطليق بينهما ، لذلك فان العديد من الأحكام القضائية التي صدرت  بالطلاق أو التطليق غالبا ما كانت تتأسس على أسباب واهية ، كان بالإمكان تفاديها لو تريثا الزوجين و قدرا جيدا العواقب الوخيمة لتفكك الأسرة .
ــــــــــــــــ
(1) سورة الروم ، الآية : 20 .

18


و إذا كان الخوف من الشقـاق الذي قد ينجم عن النـزاع الواقـع بين الزوجيـن  ، يعتبر المبرر الرئيسي لتطبيق مسطرة الشقاق ، فان المشـرع المغربي لم يعرف هذا الأخير كما فعل بالنسبة للضرر (1)  كما لم يحدد نماذج للنزاع المفضي إليه ، ولعل هذا ما يفسر الغموض الحاصل حول المضاميـن الحقيقية لمسطرة الشقـاق ، حيث ذهب البعض إلى القول أنها تعبر مسطرة جديدة الغاية منها توسيع حالات حق طلب التطليق الممنوح للزوجة ، فالتطليق للشقاق بالنسبة لها يقابل حق الزوج في الطلاق ، و بذلك فمسطرة الشقاق وفق هذا الرأي تشكل ثورة نسائية داخل مؤسسة الأسرة جاءت لتحرير المرأة من جبروت و تسلط الزوج ، بطلبها التطليق للشقاق الذي يعتبر الحكم به مسألة حتمية متى تمسكت به (2) ، و لعل هذا  ما يفسر ارتفاع نسبة طلبات التطليق للشقاق بعد صدور مدونة الأسرة ، و الحقيقة أن هذه المسطرة كما يستشف ذلك من المقتضيات القانونية المنظمة لها ، تمثل مظهرا من مظاهر اتخاذ الزوجين أو أحدهما مبادرة اللجوء إلى القضاء ، لطلب حل كل نزاع بينهما يخشى أن يؤثر سلبا على مصير علاقتهما الزوجية ، حيث  يمكن أن ندرج على سبيل المثال كنماذج لبعض الأسباب التي من شأنها أن تفضي إلى الشقاق بين الزوجين ما يلي (3) : النشوز بمختلف مظاهره ، السكر العلني و كثرة التدخين داخل بيت الزوجية ، الإهمال ، ضعف الشخصية ، تسلط الزوج أو الزوجة ... الخ .
             ـــــــــــــــــ
(1) يعرف الضرر طبقا للمادة 99 من مدونة الأسرة كما يلي : " يعتبر ضررا مبرر لطلب التطليـق ، كل تصرف من الزوج أو سوك مشين أو مخل بالأخلاق الحميدة يلحق بالزوجة إساءة مادية أو معنوية تجعلها غير قادرة على الاستمرار في العلاقة الزوجية " ، كما أن كل إخلال بشرط من شروط عقد الزواج يعتبر طبقا لهذه المادة ضررا يبرر طلب التطليق .
(2) فوزيـة برج : "مسطرة الشقاق ثورة نسائية داخل مؤسسة الأسرة " ، جريدة الاتحاد الاشتراكي عدد 7927 ، 5 ماي 2005 ، و قد أكدت زهور الحر على حق المرأة في الحصول على التطليق للشقاق متى تمسكت به ، " مدونة الأسرة : تحديات التطبيق " ، ندوة : " نساء المتوسط و حقوقهن " فاس ، 28 –29-30 أبريل 2005 .                    
(3) عبد الصمد خشيع : "مسطرة الشقاق على ضوء مدونة الأسرة" ، مجلد الملف ، عدد 7 ، أكتوبر 2005  ص: 190 و ما بعدها .
19


أما الشقاق فيعرف لغة من شق يشق شاقه أي خالفه و عاداه ، و في القرآن الكريـم : ) ذلك بأنهم شاقـوا الله و  رسوله و من يشاقـق الله و رسوله فان الله شديد العقاب ( (1) ، و عرفه ابن منظور بأنه :» غلبـة العـداوة والخلاف ، شاقـة مشاقة
و شقاقا خالفه ، و الشقاق العداوة بين فريقيـن و الخلاف بين اثنين  «(2) ، أما في الاصطلاح الفقهي و القانوني فيعرف بأنه الخلاف العميق و المستمر بين الزوجين لدرجة يتعذر معها استمرار العلاقة الزوجية في الحال و المآل (3) .
بعد هذا التحديد لكل من الشقاق و النزاع المفضي إليه ، تجب الإشارة إلى أن من مظاهر سوء فهم روح مسطرة الشقاق ، كما يؤكد ذلك الواقع العلمي الذي تعكسه الأحكام القضائية الصادرة في الموضوع ، أن العديد من الطلبات التي تقدم بشأن التطليق للشقاق ، تجعل هذا الأخير مستوعبا لكافة الأسباب الأخرى المبررة لطلب التطليق المنصوص عليها في المادة 98 من مدونة الأسرة ، و نورد على سبيل المثال نماذج لبعض تلك الأحكام الصادرة عن بعض الأقسام قضاء الأسرة بالمملكة :
-  حكم صادر عن ابتدائيـة الرماني بتاريخ 29 أكتوبر 2004 قـضى بالتطليق للشقاق بسبب العجز الجنسي للـزوج ، جاء فيه : » ... و حيث أسست الزوجة الأسباب الداعية لطلبها على كون الزوج يعاني عجزا جنسيا نتج عنه أنها لازالت بكرا رغم معاشرته لها معاشرة الزواج مما أثر على نفسية الرجل و تعذر عليها الاستمرار معه على هاته الحالة رغم مرور حوالي ثلاث سنوات على زواجهما ، و أنه أمام تخلف الزوج ونفيه أو إثباته لهاته الوقائع تعذر على المحكمة محاولة الصلح بينهما ، و حيث أن الشقـاق هو الخلاف العميـق و المستمر بين الزوجين لدرجة يتعذر معها استمرار
ــــــــــــــــ
(1) سورة الأنفال ، الآية : 13
(2) ابن منظور : لسان العرب ، الجلد العاشر ، ص : 183 .
(3) الدليل العملي لمدونة الأسرة ، وزارة العدل ، سلسلة الشـروح و الدلائل 2004 ، ص : 81 ، كما أشار هذا التعريف محمد الشتوي في : الإجراءات الإدارية و القضائية لتوثيق عقد الزواج ، المطبقة و الوراقة الوطنية مراكش ، طبعة 2004 ، ص : 215 .

20


العلاقة الزوجية دون تحديد المشرع للحالات محددة داخلة في نطاقه ، بل هو مفهوم واسع وعام لا يشمل حالات بعينها ، و حيث أنه بمقتضى المادة 97 من مدونة الأسرة فانه في حالة تعذر الإصلاح و استمرار الشقاق تحكم المحكمة بالتطليق و المستحقات طبقا للمواد 83 و 84 و 85 من المدونة ، و حيث تكون بهذه الإجراءات المتعلقة بمسطرة الشقاق قد استوفت شكلها المنصوص عليها في الفصول 94 إلى 97 « (1) .
-  حكم صادر عن ابتدائية طنجة – قسم قضاء الأسرة – بتاريـخ 15/5/2005 قضى بتطليق الزوجة من زوجها للشقاق لكونه يعتدي عليها بالضرب و لا ينفق عليها  و أنه يهددها بالقتل و يشتمها ، جاء فيه : » بناء على مقال الدعـوى المسجل بكتابة الضبـط عند المحكمة بتاريخ 03 يناير 2005 و المعفي من الرسوم القضائية بقوة القانـون ، و الذي تعرض فيه المدعية أنها زوجة المدعى عليه على سنة الله و رسوله و أنها لها منه أبناء ... و أنه يعتدي عليها بالضرب و لا ينفق عليها و أنه يهددها بالقتل و يشتمها و لأجله ، فإنها تلتمس الحكم بتطليقها للشقاق ... « (2) ، و كذلك قضت نفس المحكمة في حكم آخر بالتطليق للشقاق لكون الزوج يعرض زوجته لمجموعة من الإهانات و الضرب و أنه يغيب عليها لمدة طويلـة ، مما جعل استمرار العلاقة الزوجية بينهما أصبحت مستحيلة (3) .
-  حكم صادر عن ابتدائية تاونات – قسم قضاء الأسرة – بتاريخ 26/01/2004 قضى بالتطليق للشقاق لكون الزوج لم يعاشر زوجته بالمعروف و يعرضها للضرب و الشتـم باستمرار ، فضلا عن إهماله لها و طردها من بيت الزوجيـة ، و مما جـاء فيـه : » بناء على المقال الافتتاحي الذي تقدمت به المدعية بواسطة محاميها ... و الذي تعرض فيه أنها متزوجة بالمدعى عليه بمقتضى عقد النكاح ... و أنه منذ تاريخ الزواج
لم يعاشرها بالمعروف و يعرضها للضرب و الشتـم باستمـرار فضلا عن إهماله لها ــــــــــــــــ
 (1) منشور في جريدة العلم عدد 200046 ، الخميس ربيع الأول 1426 الموافق 14 أبريـل 2005  تحت عنوان : " مفهوم الشقاق في مدونة الأسرة : تطليق الزوجة بسبب العجز الجنسي للزوج " .
(2) حكم رقم 903 ، ملف شخصي عدد 06/2005 ( غير منشور ) .
 (3) حكم صادر بتاريخ 14/09/2005 ، رقم 1802 ، في ملف شخصي ، عدد 1145/05 ( غير منشور ) .
21


و طردها من بيت الزوجيـة مما لم تعد معه مطيقـة نفسيـا و عصبيا الاستمرار معه و أضحت غير مرتاحة لمعاشرته و قررت عدم الالتحاق به ، لذلك تلتمس الحكم بتطليقها منه و الحكم بالمستحقات المنصوص عليها في المـواد 83 و 84 و 85 لمدونة الأسـرة ... « (1) .
و بذلك فلئن كان المشرع قد توخى من إخضاعه للطلاق الذي هو من حق الزوج لرقابة و إشراف القضاء ، الحيلولة دون المبالغة و التعسف في اللجوء إليه تفاديا لكل المشاكل الناجمة عن ذلك ، فانه في ظل ما يجري به العمل بخصوص التطبيق القضائي لمسطرة الشقاق ، يكون قد فتح بابا واسعا تستطيع الزوجة من خلاله ولوج القضاء لطلب التطليق للشقاق ، و الحصول عليه متى تمسكت به بناء على أسباب تتضرع بها و لو كانت تتعلق بحالات  أخرى لطلب التطليق ، على اعتبار أن الشقاق يستوعبها جميعها في ظل غياب التعريف التشريعي له يحدد نطاقه و يحصر حالاته ، في حين أنه مادام أن المشرع حدد في مدونة الأسرة لكل سبب من أسباب التطليق المنصوص عليها في المادة 98 أحكامها و مسطرتها الخاصة بها ، فان المنطق القانوني يقتضي أن تبادر المحكمة إلى عدم الاستجابة لطلبات التطليق للشقاق ، إلا إذا كانت مؤسسة حسب قناعتها على مبرر موضوعي و مقبول ، يكشـف في عمقـه عن وجود نزاع عميـق و مستمر يتعذر معه استمرارية العلاقة الزوجية ، و ذلك بعد قيامها بكل الإجراءات القانونية الضرورية التي توصلها إلى هذه القناعة .
عموما فالسماح للزوجين أو أحدهما باللجوء إلى القضاء لطلب حل كل نزاع بينهما يخاف منه الشقاق ، من شأنه بناء على ما سبق أن يساهم في معالجة بعض الأسباب الكامنة وراء ارتفاع نسبة الطلاق و التطليق ببلادنا ، إذا ما تم تفعيل الإجراءات المسطرية لدعـوى الشقاق في اتجاه يراعي هاجس الحفاظ على استقـرار و تماسك الأسرة ، تفنيذا للرأي السائد بكون مسطرة الشقاق وسيلة سهلة للحصول على التطليق في أقرب وقت و بأبسط الإجراءات .
ــــــــــــــــ
 (1) حكم رقم 67 في ملف شخصي عدد 579/04 (غير منشور) .

22



نطاق الرقابة البرلمانية

0
نطاق الرقابة البرلمانية:
       إذا كانت الرقابة البرلمانية أوسع مجالاً في أعمالها من الرقابة القضائية، فإنها أضيق منها في الأثر، هذا ما أظهره التباين بين الرقابتين.
       فبالرغم من أن مبدأ فصل السلطات يحرص على ألا تتدخل سلطة في عمل سلطة أخرى، إلا أنه لم يحدد نطاق رقابة البرلمان أو القضاء تحديداً دقيقاً، حيث جاء الاتساع في المجال لصالح البرلمان، وأتت السعة في الأثر لصالح القضاء.
       ومن مظاهر اتساع مجالات الرقابة البرلمانية هي أنها ليست مقصورة على أعمال السلطة التنفيذية، كما هو شأن الرقابة القضائية، وإنما تمتد أيضاً إلى مراقبة أعضائها، ومن هنا لا يمثل اتصال تصرفاتهم بحياتهم الخاصة حائلاً دون امتدادها إليها، طالما كان لها تأثيرها على المصلحة العامة.
       كما أن الرقابة البرلمانية لا تقتصر على أعمال السلطة التنفيذية على ما تتخذه الأخيرة بصفتها الحكومية، وإنما تمتد لما تصدرها السلطة التنفيذية من أعمال إدارية داخلية ، كما أن أعمال الحكومة أو أعمال السيادة تخضع لها كخضوع الأعمال الإدارية، إذ تتحقق فيها مناط هذه الرقابة ، وهو انعقاد الاختصاص بها للسلطة التنفيذية، حتى من ذهب إلى أنه لا يجوز لأعضاء البرلمان مد رقابتهم إلى السياسة الخارجية للدولة على أساس أنها تعكس العلاقة بالدول الأخرى، حيث أنها لا تعد من أعمال السيادة، كما أن طابعها السري قد يتعارض من  أن تكون مجالاً للرقابة، لاسيما إن كانت وسيلة الرقابة هي الأسئلة المكتوبة التي يعد نشر الإجابة عنها بالجريدة الرسمية من مقتضيات ممارستها، يرى البعض([1]) أن هذا الرأي لا يمكن قبوله، لأنه من جهة يخالف ما استقرت عليه التقاليد البرلمانية، فالتذرع بأن في التعرض لتلك الأعمال ما يفضي إلى الكشف عن سريتها هو أمر مردود عليه بأن السرية لا يمكن أن تمثل عائقاً يحول دون أن يبسط النواب رقابتهم على تلك الأعمال لاسيما إن كان من المقدور الحفاظ على سريتها دون إخلال بحقهم الدستوري في الرقابة، ولعل من سبل ذلك عدم نشر الإجابة الحكومية عن الأسئلة المتعلقة بالمسائل السرية بالجريدة الرسمية، مما يكون مفاده اقتصار العلم بها على أعضاء البرلمان وحدهم، بل أنه ليس هناك ما يمنع البرلمان من عقد جلسة سرية لمناقشة هذه الأعمال، وهذا أمر تقره الدساتير ولا تحظره. وعلى خلاف ذلك كانت الرقابة القضائية التي تقتصر على أعمال الإدارة فحسب دون أن تمتد إلى أعمال السيادة.
       ومن مظاهر اتساع الرقابة البرلمانية أيضاً، هو أن هذه الرقابة لا يشترط لممارستها أن تكون أعمال السلطة التنفيذية التي تمارس عليها تامة أو منجزة، فلا يلزم أن تكون قد خرجت من طور الإعداد والتحضير إلى نطاق التنفيذ، فهي تمارس أيضاً على الأعمال التحضيرية أو ، بل حتى على ما تنوي الحكومة اتخاذه، أو حتى مجرد التصريحات التي يدلي بها أعضاء الحكومة، وإن لم تأخذ شكلاً نهائياً([2])، وهذا أيضاً على خلاف الرقابة القضائية التي لا تمارس إلا إذا كان العمل تاماً نهائياً وقد أحدث أثره.
       إضافة إلى ذلك، فإن الرقابة البرلمانية تشمل مشروعية الأعمال الإدارية وملائمتها معاً، فلا تقتصر على الاستيثاق من مطابقة العمل الحكومي أو الإداري للقواعد القانونية المنظمة له، وإنما تتجاوزه إلى البحث في مدى ملائمته مع الواقع والظروف المعاصرة له، لكن الرقابة القضائية تقتصر على مشروعية الأعمال الإدارية ولا تمتد إلى ملائمتها.
       وفيما يختص بضيق أثر الرقابة البرلمانية، فكل ما يترتب على رقابة البرلمان من أثر لا يعدو أن يكون إثارة المسؤولية السياسية للوزير أو الحكومة، فلا يملك البرلمان أكثر من ذلك، حيث يقف مبدأ الفصل بين السلطات حائلاً دون الاعتراف له بأكثر من ذلك، فلا يجوز له مثلاً أن يصدر أوامر إلى الحكومة أياً كان مضمونها أو هدفها، كما لا يمكنه أن يلغي قراراً أصدرته الإدارة أو يعدله أو يوقف تنفيذه مهما كانت درجة جسامة مخالفته للمشروعية، لكن يكون له أن يخفف من تلك الآثار من خلال سن تشريع بهذا الشأن أو ما يسمى بالنفوذ الأدبي للبرلمان على الإدارة حتى لا يتعرض الوزير للمساءلة



([1]) د. محمد باهي أبو يونس. الرقابة البرلمانية على أعمال الحكومة في النظامين المصري والكويتي، الإسكندرية، دار الجامعة الجديدة للنشر، 2002م، ص 19 وما بعدها.
([2]) د. إيهاب زكي سلام. الرقابة السياسية على أعمال السلطة التنفيذية في النظام البرلماني، القاهرة، عالم الكتب، 1983م، ص10.

مصطلح "النظام الأساسي للحكم" ومصطلح "الدستور".

0
مصطلح "النظام الأساسي للحكم" ومصطلح "الدستور".
الدستور هو مجموعة من القواعد القانونية التي تعبر عن طبيعة النظام الأساس في الدولة، وتحدد سياساتها العامة وهويتها الوطنية، وتنظم العلاقة بين سلطاتها الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، وتحدد الاختصاصات والصلاحيات بين مختلف السلطات والأجهزة.
ويرى البعض([1]) أن هناك معنيين لمصطلح (الدستور)، أحدهما مادي أو موضوعي ويعني جميع الموضوعات ذات الطابع الدستوري، كشكل الدولة والحكومة وحقوق الأفراد وواجباتهم واختصاص السلطات والعلاقة بينها. والآخر رسمي أو شكلي ويعني تلك القواعد الأساسية للدولة التي تصدر في شكل وثيقة دستورية من السلطة المختصة بذلك.
مما سبق، يتضح أن الدستور يقوم بالوظائف الأساسية لمبادئ نظام الحكم في الدولة. وأنه المصطلح السياسي الوضعي الذي قد يعبر عنه مصطلح (النظام الأساس للحكم) في الفكر السياسي الإسلامي.
ومع أن البعض يرى أن النظام الأساس للحكم هو مرحلة تسبق الدستور، وأن الفرق بينهما كالفرق بين مبادئ الحكم ونظام الحكم، إلا أن هناك من يرى([2]) بأن الدستور في أي دولة يقصد به نظام الحكم فيها، طالما أن هذا النظام قد تناول العوامل والظروف الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية في هذه الدولة، بل أن البعض([3]) يصفه بأنه التصوير الصحيح لنظام الحكم ومقوماته السائدة في الدولة، أي أنه عبارة عن القواعد النظامية الخاصة بنظام الحكم في الدولة في جميع النواحي وفي مختلف الظروف.
وفيما يختص بالمملكة العربية السعودية، فقد وردت كلمة (دستور) في النظام الأساسي للحكم الصادر بالأمر الملكي ذي الرقم أ / 90 والتاريخ 27/8/1412هـ حيث نصت المادة الأولى منه على أن "المملكة العربية السعودية، دولة عربية إسلامية، ذات سيادة تامة، دينها الإسلام، ودستورها كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولغتها هي اللغة العربية، وعاصمتها مدينة الرياض"، وقضت المادة السابعة بأن "يستمد الحكم في المملكة العربية السعودية سلطته من كتاب الله تعالى، وسنه رسوله، وهما الحاكمان على هذا النظام وجميع أنظمة الدولة".















([1])  د. أحمد بن عبدالله بن باز. النظام السياسي والدستوري للمملكة العربية السعودية، الرياض، ط2، 1998م، ص 41.
([2])  د. عبدالحميد متولي. القانون الدستوري والأنظمة السياسية، بدون ناشر، 1963م، ص 21.
([3])  د. محسن خليل. القانون الدستوري والدساتير المصرية، مرجع سابق، ص 21.

ماهية طلب الإحاطة

0
ماهية طلب الإحاطة.
الفرع الأول: مفهوم طلب الإحاطة:
طلب الإحاطة يوجه إلى الحكومة لإحاطتها علماً بأمرٍ له أهمية عامة أو عاجلة يعتقد مقدمه أن الوزير المختص لم يصل إلى علمه هذا الأمر([1]).
كما ذكر في معناه، أن العضو يطلب إحاطة الحكومة علماً بأمر قد تجهله، أو بمعنى آخر أن يحيط عضو البرلمان الحكومة بأمرٍ المفروض أنها لا تعلمه([2])، أو يريد أن يستحثها عليه.
ولذلك، فإن طلب الإحاطة يختلف عن السؤال اختلافاً جذرياً، كما سنرى فيما بعد ؛ إذ بينما يقصد في السؤال أن العضو يستعلم عن أمر يجهله وتعلمه الحكومة، فإن طلب الإحاطة على العكس، فالعضو هو الذي يعلم بالأمر، وأما الحكومة لا تعلم أو من المفروض أنها لا تعلمه.
فهدف طلب الإحاطة إذن، هو مؤازرة الحكومة على أداء مهامها، وتبصرتها بأمور قد يصعب عليها معرفتها؛ لتعدد أجهزتها، وتشعب مهامها مما قد يصعب معه معرفتها بمختلف جوانب الخلل في مرافقها، فالنائب أو العضو هنا يقوم بإحاطتها بما لم تحط به، وإخبارها بما لم تعلمه، حتى إذا أثيرت مسؤوليتها فيما بعد لا تعتذر بجهلها.
والطلب لا يفقد صفته كطلب إحاطة حتى لو ثبت علم الحكومة بالمشكلة التي يثيرها، لأن جهل الحكومة بالمشكلة محل الطلب ليس شرطاً لقبوله، كما أن علمها بها سلفاً ليس سبباً لرفضه، فالطلب إن فقد دوره في إخبار الحكومة بأمرٍ عاجل، فإنه لا يفقد أهميته في إحاطتها بواجبٍ عليها فعله، وحثها على لزوم التدخل لتأديته.
وفيما إذا كان الطلب قد تضمن أسئلة توجه إلى الوزير المختص، فهنا قد تنتفي في الطلب صفته كطلب إحاطة، إذ لابد من التفرقة بين حالتين، فإذا كانت هذه الأسئلة هي قوام الطلب فقد طلب الإحاطة صفته، وتحول إلى سؤال برلماني له ذات حكم هذه الأسئلة من حيث مناقشته مع الأسئلة، ولا يتمتع عندئذٍ بالميزة الإجرائية لطلبات الإحاطة، وهي مناقشتها قبل الأسئلة، نظراً لخطورة الأمور التي تثيرها، وهذا الامتياز الإجرائي غالباً ما يغري أعضاء المجلس على تقديم أسئلتهم في شكل طلب إحاطة؛ ليضمنوا مناقشتها في ذات مواقيت طلبات الإحاطة؛ لأن هذه الأخيرة تناقش في ذات جلسة التقدم بها طالما كانت تتعلق بأمور خطيرة ذات أهمية عاجلة، أو في الجلسة التالية لانقضاء إسبوع على إبلاغها إلى الوزير المختص إذا كانت تتعلق بمسائل ذات أهمية عاجلة فحسب([3]).
ولعل هذا ما دفع البعض إلى المطالبة بوضع معايير ثابتة للتمييز بين طلب الإحاطة والسؤال؛ حتى لا يساء استخدام الميزة الإجرائية لطلبات الإحاطة.
أما إذا كانت هذه الأسئلة أمراً عارضاً استوجبه حسن العرض أو اقتضته طبيعة طرح الموضوع؛ فلا تأثير لهذه الأسئلة التي يثيرها طلب الإحاطة على طبيعته أو صفته كطلب إحاطة، إذ أنها تثار عرضاً، وتستوجبها مقتضيات طرحه ومناقشة موضوعه([4]).
الفرع الثاني: مدى دستورية طلب الإحاطة:
الدستور المصري نص على الأسئلة والاستجوابات وطرح موضوع عام للمناقشة وإبداء الرغبات في موضوعات عامة وتشكيل لجان لتقصي الحقائق، وطلبات الإحاطة أشارت إليها اللائحة الداخلية لمجلس الشعب وأوردتها ضمن الباب المخصص لوسائل وإجراءات الرقابة البرلمانية.
لهذا السبب، اتجه البعض([5]) إلى عدم دستورية طلبات الإحاطة، لأن الدستور قد حدد وسائل الرقابة البرلمانية، ولو كان المشرع يقصد أي طريقة أخرى لنص عليها. كما أن في ذلك تعديلاً للدستور دون اتباع الإجراءات النظامية.
وفي المقابل، فإن البعض الآخر([6]) – وهو ما نؤيده – يرى أن في قبول ذلك الرأي تجاهل لسياسة المشرع الدستوري في ذكر وسائل الرقابة البرلمانية، وهي التي قد جمعت بين الإجمال والتفصيل، فما ورد مفصلاً لم يكن إلا على سبيل التمثيل لا الحصر، وبالتالي فإنه قد قصد الإجمال ليشمل كل الوسائل التي تكفل الرقابة البرلمانية على أعمال الحكومة، ما كان معروفاً اليوم، وما يكشف عنه الغد، والمادة (86) من ذات الدستور المصري جاءت لتشمل كل ما عدا المنصوص عليها، حيث نصت على أن "يتولى مجلس الشعب سلطة التشريع .. كما يمارس الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية"، فدلت بعموم لفظها على دستورية كل الوسائل التي تمكن المجلس من ممارسة اختصاصه الرقابي، ولعل الدور الرقابي لطلبات الإحاطة يجعلها على رأس هذه الوسائل، كما لا يفوت القول بأن وسائل الرقابة البرلمانية في الأصل لا تستمد وجودها من الدستور، وإنما من طبيعة النظام البرلماني ذاته، حيث يعترف ضمناً للبرلمان بأن يقرر من الوسائل ما يراه مناسباً لتأدية دوره الرقابي.





([1]) سامي عبدالصادق. أصول الممارسة البرلمانية، جـ 153، القاهرة، مطابع الهيئة المصرية للكتاب، 1982م، ص 379.
([2]) د. رمضان محمد بطيخ. المرجع السابق، ص 117.
([3]) المادة (195) من اللائحة الداخلية لمجلس الشعب المصري.
([4]) د. محمد باهي أبو يونس. مرجع سابق، ص 43 وما بعدها.
([5]) أنظر مثلاً: د. فتحي فكري. وجيز القانون البرلماني في مصر، القاهرة، دار النهضة العربية، 2003م، ص 480.
                  د. زين بدر فراج. السؤال كوسيلة من وسائل الرقابة البرلمانية، القاهرة، دار النهضة العربية، 1991م، ص 24.
([6]) أنظر مثلاً: د. سليمان الطماوي. مبادئ القانون الدستوري، القاهرة، دار الفكر العربي، ط1، ص 311.
                 د. محمد باهي أبو يونس. مرجع سابق، ص 45.
يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه