جريمة الوشاية الكاذبة (البلاغ الكاذب) في القانون الجزائري

0
ماهية جريمة الوشاية الكاذبة (البلاغ الكاذب)

المطلب الأول: تعريف جريمة البلاغ الكاذب وأركانها

1- تعريف البلاغ الكاذب

تنص المادة 300 من قانون العقوبات الجزائري 06/23 المؤرخ في 20 ديسمبر على أنه "كل من أبلغ بأية طرية كانت رجال الضبط القضائي أو الشرطة الإدارية أو القضائية بوشاية كاذبة ضد فرد أو أكثر أو أبلغها إلى السلطات مخول لها إن تتابعها أو أن تقدمها إلى السلطة المختصة أو إلى رؤساء الموشي به أو إلى مخدوميه طبقا للتدرج الوظيفي أو إلى مستخدميها، إذا كانت الواقعة المبلغ عنها معاقبا بعقوبة جزائية أو تأديبية فيجوز إتخاد إجراءات المتابعة الجزائية بمقتضى هذه المادة عن جريمة الوشاية الكاذبة سواء بعد صدور الحكم أو بالإفراج أو بعد الأمر أو القرار بأن لاوجه للمتابعة أو بعد حفظ البلاغ من القاضي أو الموظف أو السلطة الأعلى أو المخدوم المختص بالتصرف الإجراءات التي كان يحتمل أن تتخذ من شأن هذا البلاغ.

ويستفاد من نص المادة السالفة الذكر أن الوشاية الكاذبة (البلاغ الكاذب) هو إخبار بواقعة غير صحيحة تستوجب عقاب من سند إليه موجه إلى أحد السلطات المختصة والمخول لها كرجال الضبط القضائي، شرطة إدارية أو قضائية، سلطة مختصة، رؤساء الموشي به أو مخدوميه طبقا للتدرج الوظيفي.

إذا كانت الواقعة المبلغ عنها معاقبا عليها جزائية أو تأديبية فيجوز اتخاذ إجراءات المتابعة الجزائية بمقتضى هذه المادة من جريمة الوشاية لكاذبة سواء بعد صدور الحكم بالبراءة أو بالإفراج أو بعد الأمر أو القرار بأن لا وجه للمتابعة أو بعد حفظ البلاغ من القاضي أو الموظف أو السلطة الأعلى أو المخدوم المختص بالتصرف في الإجراءات التي كان يحتمل أن تتخذ شأن هذا البلاغ.

والأصل في التبليغ أنه من حقوق الأفراد، لأنه يساعد على كشف الجرائم ويعاون ويساعد السلطات   على تعقيب المجرمين. بل قد يكون التبليغ واجب في بعض الأحيان، كما يستفاد من نصوص قانون الإجراءات الجزائية، فلا عقاب على من أخبر بالصدق وعدم سوء القصد الحكام القضائيين أو الإداريين بأمر مستوجب لعقوبة فاعلة ولم تم الإخبار بصورة علنية، ولكن إذا تم الأخبار بأمر كاذب وبسوء قصد كان الفاعل مرتكبا الجريمة البلاغ الكاذب.

والأخبار Dénonciation هو إخطار السلطات العامة بنسبة واقع إلى شخص فهو من حيث جوهر نشاط من شأنه إتاحة علم السلطات العامة بواقعة، وبتحليل عناصر الإخبار يتضح أنه تعبير عن فكرة تستهدف جعل الغير بعلم بها ويعني ذلك أن الجاني تدور في ذهنه فكرة ويريدان بعلم بها غيره فيخرجها من طيات نفسه بالإفصاح عنها على نحو يتيح الغير هذا العلم[1]، فالسلوك الإجرامي الذي جرف لغة الفقهاء على التعبير عنه بالفعل أو ماديات الجريمة لا يشكل وحده الواقعة الإجرامية إلا إذا انضم إليه باقي العناصر التي يلزم اجتماعها لاكتمال النموذج القانوني للجريمة[2].

إن جريمة الوشاية الكاذبة أو البلاغ الكاذب"Faux dénonciation" أو "Allégation fausse"، تفترض في مرتكبها الكذب والافتراء و Calomniesوالإيقاع بالمجني عليه وإيذائه في شرفه وسمعته وهذه الخصال بطبيعة الحال تتنافى مع الخلق القويم والسلوك المألوف عن نفس متدينة سلكت وسائل خسيسة لشفاء أحقاد شخصية، ومن ثم فلا ينبغي أن تختلف آراء في كونها من الجرائم المخلة بالشرف والأمانة وتعد هذا الفعل (البلاغ الكاذب) في جميع صوره جريمة عمدية Intentionnel إذ لا يعرف القانون جريمة إبلاغ كاذب غير عمدية، ومعنى ذلك أن إرادة الجاني فيها تتصرف إلى تحقيق جميع أركان الواقعة مع العلم بتوافرها وبأن القانون يعاقب عليها، والإبلاغ بأمر يتوجب عقوبة فاعلة لأحد الحكام القضائيين أو الإداريين مع العلم بعدم صحة الوقائع المبلغ عنها، والقاعدة أن كل فعل عمدي يشكل تصرف إرادي وليس العكس، ويترتب عن ذلك أن الفعل الإداري يتطلب انصراف الإرادة إلى إحداث الضرر بالمجني عليه.

من هذا المنطلق ارتأينا أن نتطرق لذكر الفرق بين هذه الجريمة وبين الجرائم المشابهة لها بشكل مختصر قبل التطرق لأركانها وذلك لتوسيع فكرة ومفهوم البلاغ الكاذب (الوشاية الكاذبة).


- أركان جريمة البلاغ الكاذب (الوشاية الكاذبة)

يستفاد من نص المادة 300 من قانون العقوبات السالفة الذكر أن جريمة البلاغ الكاذب لا توجد إلا إذا توافرت أركان ثلاثة:-

1.    بلاغ كاذب أو وشاية كاذبة عن أمر مستوجب لعقوبة فاعله.

2.    أن تكون هذه الوشاية قد رفعت إلى رجال الضبط القضائي أو الشرطة الإدارية أو القضائية.

3.    أن تكون هذه الوشاية قد رفعت بسوء قصد (القصد الجاني).

وسوف نتناول شرح هذه الأركان على التفصيل الآتي:-        


1. الوشاية الكاذبة عن أمر مستوجب لعقوبة فاعله:

لقد استعمل المشرع الجزائري لفظ "أبلغ" ولم يشترط تقديم البلاغ أو الوشاية من شخص معي، كما لا يستلزم شكلا معينا في الوشاية فيصبح تقديم الوشاية في صورة شكوى من المجني عليه أو من موظف عام بمناسبة تأدية وظيفته، ولا يشترط القانون في جريمة التبليغ شفاهة كتابة أو بأية وسيلة من وسائل الاتصال، السلكية واللاسلكية كالتليفون مثلا، ولكن يشترط في جريمة البلاغ، الكاذب أن يقدم البلاغ بمحض إرادة المبلغ، أي أن يكون المبلغ قد أقدم على التبليغ وهو غير مطالب به وإلا فلا تقوم الجريمة فمثلا الشخص الذي يتهم بجريمة فيسندها أثناء التحقيق إلى شخص آخر غيره ليدافع عن نفسه وينفي عنه التهمة لا يعد مرتكبا لجريمة البلاغ الكاذب.

وكذلك من يدعى للشهادة أمام المحكمة أو أمام سلطة التحقيق المختصة أو أثناء التحقيق معه يتطرق في كلامه إلى اتهام شخص يعلم انه لم يتقدم إلى التبليغ من تلقاء نفسه فلا عقاب على هذا الشاهد.

ولكن يجب أن يكون البلاغ الكاذب مقدما ضد شخص أو أفراد معينين وإن كان لم يذكر في البلاغ اسم المبلغ ضده، بل يكفي أن يكون معينا تعينا يستدل منه على الشخص المقصود من البلاغ، فمثلا إذا كانت الواقعة أن المبلغ قد ابلغ مركز الشرطة عن وقوع جريمة قتل أدعى حصولها واتهم فيها شخصا وصفه وصفا لا يصح إلا هذا الشخص ولكنه لم يذكر اسمه بالكامل لغاية في نفسه وكان ذلك يقصد الإيقاع به، فإن جميع العناصر القانونية لجريمة البلاغ الكاذب تكون متوافرة في حقه، ويكفي لتكوين الجريمة أن يرشد المبلغ عن اسم المبلغ ضده أثناء الجنس.








2- الأمر المبلغ عنه:

يجب أن يكون الإخبار يأمر مستوجب لعقوبة فاعله، وهذا مستنتج من نص المادة 300 من (ق.ع) إذا قدم البلاغ إلى، الحكام الإداريين أو القضائيين أو الشرطة كأن يسند المبلغ عنه انه قد ارتكب جناية اغتصاب أو هتك عرض ثم يتضح إلا جريمة في الأمر ويكفي أن تكون الجريمة المبلغ عنها كذبا مستوحية العقاب ولو كان رفع الدعوى معلقا على شكوى أو إذن أو طلب كالتبليغ كذبا عن جريمة زنا أو سرقة بين الأصول والفروع والزواج ولكن لا تقوم جريمة البلاغ الكاذب لفقدان هذا العنصر إذا كان الظاهر من صيغة البلاغ إلا جريمة في الأمر المبلغ عنه أو أن هناك جريمة ولكنها لا تستحق العقاب ومثال ذلك أن يبلغ شخص عن آخر كذبا أنه يعاشر خادمته البالغ، أو أنه ارتكب سرقة انقضت الدعوى الجنائية عنها بالتقادم ولكن الإسناد يصح أن يكون جريمة قذف إذا حصل في علانية.

3- كذب الوشاية:

يجب أن تكون الوقائع التي تضمنتها الوشاية الكاذبة لا أساس لها من الصدق وذلك لأن التبليغ عن الجرائم حق للناس وواجب مفروض عليهم، فلا يعقل عقابهم على هذا التبليغ الذين يخدمون به السلطات الإدارية ورجال الأمن إلا إذا كانوا كاذبين أو تعمدوا الكذب فيه. ولا يشترط للعقاب أن تكون الوقائع المبلغ عنها مكدوبة كلها، بل إن جريمة البلاغ الكاذب تتم ولو كانت بعض الوقائع كاذبة متى توافرت الأركان الأخرى للجريمة.

ويعتبر هذا العنصر من أهم العناصر القانونية المكونة للركن المادي بجريمة الوشاية الكاذبة ذلك أن الواقعة المبلغ عنها إذا كانت صحيحة فلا عقاب ويكون الإبلاغ مباحا بل قد يكون واجبا كما رأينا أن الإبلاغ عن الجرائم واجب على الأفراد، أما إذا كانت الواقعة كاذبة ومختلفة فيخرج الفعل من دائرة المباح إلى دائرة التجريم وقد ذهب الفقه الفرنسي على أنه إذا كان الأمر المبلغ عنه صحيحا فلا عقاب حتى ولو كان المبلغ لم يقصد تبلاغه سوى النكاية والانتقام.
وإذا كانت الواقعة صحيحة فلا يقوم بالإبلاغ عنها جريمة ولو قدم المبلغ لتدعيمها دليلا غير صحيح ولا يغير من هذا الحكم أن يكون فحوى هذا الدليل واقعة فعدم الصحة يتطلبه القانون في الواقعة المستوجبة للعقاب التي أسندت إلى المجني عليه لا في الدليل عليها.

4- رفع البلاغ إلى السلطة الإدارية والقضائية أو الشرطة :

يشترط أن يرفع البلاغ إلى أحد موظفي السلطتين القضائية والإدارية فهاتان السلطتان هما اللتان لهما حق التأديب والعقاب ويدخل في هاتين السلطتين أعضاء الضبطية القضائية دوي الاختصاص العام والخاص في الأعمال المكلفين بها وأعضاء النيابة العامة والنائب العام ووكيل الجمهورية وأعضاء النيابة الإدارية والقضاة والولاة وعلى العموم جميع الموظفين الإداريين أو القضائيين المختصين بإجراء التحريات والتحقيقات الجنائية والإدارية عن الوقائع المبلغ عنها أو تقرير العقوبات عند ثبوت صحة البلاغ ويضاف على ذلك رجال  الشرطة والدرك الوطني بكامل أفراده.

ولكن لا عقاب على من يقدم البلاغ أو الوشاية الكاذبة إلى أحد الأفراد العاديين أو إلى أحدى الجهات الخاصة فمثلا الرجل الذي يبلغ سيدا عن جريمة ارتكبتها خادمة، أو والد عن جريمة ارتكبها ولده أو مدير شركة عن جريمة ارتكبها موظف بالشركة لا يكون مرتكبا لجريمة البلاغ الكاذب أو الوشاية الكاذبة.

الحكام القضائيون:

 يدخل في الحكام القضائيين قضاة الحكم وقضاة التحقيق وأعضاء النيابة العامة وسائر رجال الضبطية القضائية المنصوص عليهم في المادة 15 من قانون الإجراءات الجزائية لأنهم يختصون بحكم وظائفهم بتلقي البلاغات الخاصة بالوقائع الجنائية.



الحكام الإداريون:

يدخل في الحكم الإداريين كافة الرؤساء والحكام الذين لهم حق الرقابة على مرؤوسيهم ويمكنهم أن يوقعوا عليهم مباشرة جزاءات إدارية أو يتخذوا نحوهم إجراءات تأديبية كالوزارة ورؤساء المصالح والمحافظين والمديرين وغيرهم ممن لهم سلطة الإدارة.

القاصد الجنائي:

يقوم القاصد الجنائي العام في جريمة البلاغ الكاذب على علم الجاني بأن الواقعة التي يسندها المجني عليه غير صحيحة وأنها تستوجب عقابه جنائيا أو تأديبيا وأن تتجه إرادة الجاني إلى البلاغ لجهة من الجهات التي نص عليها القانون في المادة (300 قانون عقوبات).

والعلم بعدم صحة الواقعة يجب أن يكون علما يقينا ثابتا لا مفترضا أو ظنيا بحيث يكون الجاني مدركا انه يقلب الحقيقة أو يختلف أو يعمد إلى الافتراء ويتحقق قلب الحقيقة بأي قدر إذ لا يشترط أن تكون الواقعة المنسوبة خيالية بل يكفي كما قالت محكمة النقض في العديد من أحكامها أن تسمح الوقائع مسخا يؤدي إلى الإيقاع بالمجني عليه والعلم بعدم صحة الواقعة يفترض  أو الواقعة ذاتها غير صحيحة ولكن مجرد عدم صحتها غير كاف لتوافر القاصد الجنائي  وإنما ينبغي أن يعلم المتهم بذلك ومن ثم يكون مصيبا حكم الإدانة الذي يكتفي في إثبات القاصد بتقرير عدم صحة الواقعة وإذا ا** المتهم عدم صحة الواقعة في حين كانت في ذاتها صحيحة لا تقوم الجريمة فقد انتهى أحد عناصر ركنها المادي واستحالت إلى جريمة ظنية ويتعين أن يتعلم الجاني أيضا بأن الواقعة التي أسندها على المجني عليه تستوجب العقوبة ولا يعني ذلك اشتراط عمله بتكيفها القانوني أو مقدار العقوبة المحددة لها بل يكفي أن يعلم بأنها مخالفة للنظام القانوني على نحو مستوجب به جزاء ما على أي قدر من الأهمية سواء كان جزاء جنائيا أو جزاء إداريا.


ويتعين أن يعلم المتهم باتجاه بلاغة إلى أحد الحكام القضائيين أو الإداريين ولا يعني ذلك اشتراط علمه على نحو دقيق باختصاص هذا الحاكم وإنما يكفي أن يعلم أن من شأن اتجاه بلاغة إليه يعطيه سيره القانوني فغن جهل ذلك فقد انتفى القاصد لديه.

طبقا للقواعد العامة للقصد الجنائي يستلزم لتمام هذا القصد أن يكون الجاني قد قام بالتبليغ عن إرادة حرة وعلم وإدراك بأنه يكذب وينسب الوقائع الكاذبة للمجني عليه وهو برئ مما نسب إليه، على أن القانون لم يكتف بهذا القصد العام بل اشترط بجانبه سوء النية أو القصد الخاص (la mauvaise foi et avec malveillance) وهذا معناه أن المبلغ يجب أن يكون قد تعمد الأضرار بالمبلغ ضده من سوء النية وهذا ما يستوجب من القاضي بالإدانة هنا أن يبين القصد العام والخاص معا، فيكون حكمة معيبا إذا اقتصر فقط على ذكر القصد العام دون الخاص، أو القصد الخاص دون العام. ورغم أن العلم بكذب البلاغ يشتمل على الضرر للغير، فالقصد الخاص إذن ليس إلا تحصيل وذكر لمفهوم.

ومتى تم القصد الجنائي فلا اعتبار بعد ذلك للدوافع والبواعث والأغراض التي يقصدها الجاني من وراء الجريمة.












المطلب الثاني:
العقوبة المقررة لجريمة الوثابة الكاذبة (البلاغ الكاذب)

إن جريمة الوثابة الكاذبة كباقي الجرائم حدد لها المشرع الجزائري عقوبات وهذا لكل تحول له نفسه لارتكابها وهذا ما تجلى في المادة 30 من قانون العقوبات الجزائري 06/23 المؤرخ في 20 ديسمبر 2006وأوضحتها الفقرة الأخيرة وهي الحبس من ستة أشهر على خمس سنوات والغرامة من 500 دج إلى 15.000دج، ويجوز للقضاء علاوة على ذلك أن يأمر بنشر الحكم أو ملخص منه في جريدة أو أكثر على نفقة المحكوم عليه.



















[1] - د/ محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات الخاص سنة 1987.
[2] - د/ عب العظيم مرسي وزير – الشروط المفترضة في الجريمة، دار النهضة العربية 1973.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه