خصائص التحقيق الابتدائي في القانون الجزائري

0
خصائص التحقيق الابتدائي


تتميز الأشياء عن بعضها البعض ، كذلك الأمر بالنسبة للتحقيق الابتدائي ، فالخصائص التي يتمتع بها هي التي تميزه عن مرحلة الاستدلالات و التحقيق القضائي إلى غير ذلك ، و لذلك سنتعرض لهاته الخصائص و ذلك كما يلي :
المطلب الأول : مدون و مكتوب .
المطلب الثاني : سري بالنسبة للجمهور .
المطلب الثالث : علني بالنسبة للخصوم .














المطلب الأول : مدون و مكتوب


طالما أن عملية التحقيق يقوم بها أشخاص من بني البشر فإنه لا مجال للشك أن ينتاب المحقق النسيان أو الغلط  إذ بمرور الوقت قد يندثر دليل الثبوت و تضيع الحقيقة ، لا لشيء إلا لأن المحقق أهمل اتخاذ إجراء مهم ألا و هو تدوين التحقيق و لو أعيد فتح ملف القضية من جديد و لم يدون أي شيء فكيف يمكن تصور ذلك ، فلا بد من وثائق مدونة لمتابعة القضية .
و حتى و إن كان المحقق مثاليا و شديد البداهة و الذكاء فإن حياته محدودة و لا علم له إن كان سيستمر في إجراء التحقيق ، فلو أن كل محقق اعتمد على ملكاته العقلية أو استغنى عن الكتابة لماتت الحقائق و قبرت مع كل محقق لم تمتد حياته حتى الفصل في الدعوى .
و من هنا كان لزوما أن تكون كافة الإجراءات التي تتخذ في الدعوى أثناء التحقيق الابتدائي مدونة لأجل في ذلك أساس متين تبنى عليه نتائج الدعوى " فأوجب المشرع تدوينها في محاضر أو أوامر تحرر الأولى بمعرفة كاتب الضبط تحت إشراف قاضي التحقيق و تحمل توقيعهما معا وتحرر الثانية من قبل المحقق و تحمل توقيعه وحده " . ([1])
فتدوين التحقيق الابتدائي فيه حكمة بالغة تتمثل في كونه يكتسب من خلال هذه الخاصية الحجية تجاه الكافة ، و على العكس فإنه إذا لم تدون تعتبر و كأنها لم تحدث إطلاقا حتى و لو شهد بها من قام بإجرائها ، أنظر المادة " 108 " من ( ق.إ.ج ) .
و تسند مهمة كتابة التحقيق أو تحرير محاضر التحقيق إلى كاتب مختص ، فيكون التدوين إما بخط يده أو بالآلة الكاتبة تحت إشراف قاضي التحقيق في الإجراءات المختلفة من الاستجواب و سماع الشهود و المعاينة ... إلخ ، و بالتوقيع على هذه المحاضر من طرف قاضي التحقيق و الكاتب يكون بدوره مسؤولا عن ترتيب الأوراق و بالتالي فهو الضامن في دقة التدوين و صحته " م 94 – 95 " من ( ق.إ.ج ) .
و قد ورد في نص المادة " 68 " من قانون الإجراءات الجزائية أن قاضي التحقيق يقوم باتخاذ جميع الإجراءات التي يراها ضرورية للكشف عن الحقيقة ، و تحرر نسخة منها من طرف الكاتب أو مأمور القاضي المنتدب ، و يؤشر عليها بأنها مطابقة للأصل ثم ترقم و تجرد جميع أوراق الملف بمعرفة كاتب الضبط .
و في تدوين الإجراءات و استخراج نسخ منها مساعدة المحامين لأنه يجوز لهم ذلك أي ( تحرر ) سحب نسخ و الاطلاع على الملفات و التي تكون قد احتوت جميع إجراءات التحقيق و القرارات المتخذة في القضية ، كما أن توقيع المحقق و الكاتب مهم فإن توقيع المدعي و المدعى عليه و الشهود لازم بعد الاستماع إليهم . ([2])
و الحكمة من وجود كاتب التحقيق هي تمكين قاضي التحقيق من التفرغ للإجراءات الفنية في التحقيق و بذلك لا يجوز لقاضي التحقيق أن يدون بنفسه حتى لا يشغله عن تقصي الحقيقة أي عائق ، فيبقى تركيزه منصبا على الإجراءات فقط .
" و يجوز لقاضي التحقيق أن يكلف كاتبا عدى كاتب التحقيق في حالة الضرورة كأن يغيب المذكور أو يصاب بمرض أو يلاحظ قاضي التحقيق وجود حرج في الاستعانة به يؤثر على حسن سير التحقيق " ([3]) معنى ذلك أن حالة الضرورة هذه متروكة في تقديرها لسلطة قاضي التحقيق ، فقد تكون :
- حالة استعجالية و الكاتب المختص غائب و في انتظاره إضرار بمصلحة التحقيق .
- حالة كون الكاتب قريب المتهم أو له تأثير على الشهود ، ففي حضوره حرج .
و بذلك يكون ندب كاتب آخر في خدمة المصلحة العامة و لصالح التحقيق ، و لا يعتبر قاضي التحقيق ملزما بتبيين أسباب حالة الضرورة ، و يتوجب على الكاتب المندوب أن يؤدي اليمين القانونية مسبقا على أنه " إذا تبينت المحكمة أن الضرورة لم تكن متوافرة بطل المحضر كمحضر للتحقيق و إن صح كمحضر للاستدلال " . ([4])
و هو القول ذاته إذا لم يحضر الكاتب ، إذ يعد التحقيق باطلا جزئيا و طالما دون قاضي التحقيق المحضر بنفسه عدّ التحقيق الابتدائي كمرحلة استدلال و اعتبرت الملفات محاضر استدلال لا غير ، و هي النقطة الجوهرية التي تميز محاضر الاستدلال عن محاضر التحقيق الابتدائي ، فمأمور الضبط القضائي يحرر محاضره بنفسه و إن استعان بكاتب فلا بطلان يعتري محضره مادام تحت إشرافه و تم توقيع مأمور الضبط ، لأن توقيع الكاتب لا حاجة له .
و كما سبق و أن أشرنا إلى أن العلة من عدم التدوين من المحقق بنفسه راجع إلى عدم تشويش أفكاره بأي شيء يشغله عن الجانب الفني ، فإذا لم يتواجد هذا العنصر كما هو الشأن في الأوامر التي يصدرها المحقق كأمر الإحضار و أمر القبض و أمر تفتيش الشخص أو المسكن لا تعد محاضر تحقيق ، و بالتالي لا يلزم أن يحررها كاتب التحقيق بخطه ، أي أن للمحقق أن يحرر تلك الأوامر بخط يده و يوقع عليها " ([5]) على أن يدون صدور الأوامر على هذا النحو من قبل الكاتب المختص في محضر التحقيق الابتدائي .
وتشمل بيانات المحضر ما يلي " الإجراء الذي اتخذ و ساعة و تاريخ اتخاذه " . ([6])
و لعل الكتابة هي الضامن الوحيد لنقل الإجراءات و الظروف على الحالة التي وجدت عليها بشكل واضح و محدد و هذا كي تنقل الصورة حية عن عرض الإجراءات على قاضي الحكم للفصل في الدعوى و بالتالي لا يمكن إثبات الإجراءات بأي وسيلة إثبات كانت عدى اللجوء إلى المحاضر التي دونت فيها .
المطلب الثاني : سري بالنسبة للجمهور


تعد السرية في التحقيق أمرا معروفا منذ القدم ، فقد اعتمدته الحضارات القديمة وإن كان بطريقة مختلفة عما هو عليه الحال في عصرنا هذا " و قد عرفت السرية منذ عهد الفراعنة عند محاكمة الملكة كما سجلتها نقوش أونـا و هو اسم يرمز للقاضي الذي يحاكم الملكة ، كما عرفت السرية بالنظام التنقيبي و المختلط " . ([7])
و قد نصت على سرية إجراءات التحقيق الابتدائي المادة " 11 " من قانون الإجراءات الجزائية الجزائري " تكون إجراءات التحري و التحقيق سرية ما لم ينص القانون على خلاف ذلك و دون إضرار بحقوق الدفاع و كل شخص يساهم في هذه الإجراءات ملزم بكتمان السر المهني بالشروط المبينة في قانون العقوبات و تحت طائلة العقوبات المنصوص عليها فيه " .
و قد أخذ المشرع الجزائري سرية التحقيق بالنسبة للجمهور من القانون الفرنسي والإيطالي ، و سرية التحقيق الابتدائي تعني " أن الجمهور لا يحضر هذه التحقيقات و لا يطلع عليها في محاضرها ، كما أن الشهود لا يطلعون على شهادات بعضهم البعض أي لا تحصل مواجهة " . ([8])
و المتمعن في نص المادة " 11 " يجد أن السرية منوطة أكثر بمن حرر التحقيق أو من حضره أو اتصل به بحكم وظيفته .
و انطلاقا من هذه الخاصية تتم جميع العمليات بعيدة عن أعين الجمهور لأن ما يسفر عنه التحقيق يعد من الأسرار التي يجب كتمانها ، و قد نصت المادتان " 64 و 85 " من قانون الإجراءات الجزائية على معاقبة كل من يفشي سر المهنة و هو مؤتمن على كتمانه " ([9]) و يضاف نص المادة " 301 " من قانون العقوبات و العلة في مبدأ سرية التحقيق الابتدائي تكمن في النقاط التالية :
- قطع الطريق على كل من يسعى إلى تظليل سلطات التحقيق بإخفاء الأدلة و تشويشها .
- حماية اعتبار المتهم و ذلك بألا تصل إليه مجموع المؤثرات التي تتولد عن الإعلام الذي يمكن أن ينحاز إلى المتهم أو ضده .
- عدم توافر علة العلانية التي اقتضتها إجراءات المحاكمة و المتمثلة في جعل الرأي العام قريبا و رقيبا على إجراءات تحدد مركز المتهم من حيث الإدانة أو البراءة ، و هو ما لا يعدّ من شأن التحقيق الابتدائي .
و طالما ارتبطت السرية بالتحقيق الابتدائي فإنها تزول بمجرد انتهاء التحقيق والتصرف فيه ، فإذا انتهى التحقيق بلا وجه لإقامة الدعوى تكون السرية قد استمرت معه، أما إذا أحيلت الدعوى للقضاء فتصبح إجراءاته علنية أمام المحاكم الجزائية .
حماية السرية :
جاء في نص المادة 11/2 صريحا إذ بين ضرورة كتمان إجراءات التحقيق و التي يتضمن صيانة للسر المهني الذي يمتهنه كل من قاضي التحقيق أو كاتب التحقيق أو وكيل الجمهورية أو الخبراء أو ضباط الشرطة القضائية المنتدبين من طرف قاضي التحقيق أو المحضرين أو المترجمين ، و بالمقابل حدد هذه العقوبات لكل من يفشي ما سمعه أو شاهده أثناء التحقيق .
و قد تكون هذه العقوبات تأديبية أو جزائية لكل ن أخل بهذا الالتزام حتى و لو لم يبال به المتهم إذا المصلحة هنا تتجاوز المتهم في حدّ ذاته إلى مقتضيات الأمانة الوظيفية.
فقاضي التحقيق و أعضاء غرفة الاتهام و قضاة النيابة العامة معرضون للمتابعة التأديبية من قبل وزير العدل في حالة ما أخلوا بسرية التحقيق ، و قد جاء نص المادة " 8 " من القانون الأساسي للقضاء ملزما للقاضي بأن يحافظ على السرية في المداولات إلا إذا نص القانون على خلاف ذلك ، و بينت المادة " 83 " من نفس القانون خطأ تأديبيا كل تقصير يرتكبه القاضي إخلالا بواجباته " . ([10])
و كما يمكن أن يتعرض مأمور الضبط القضائي لمتابعة تأديبية ، إذ بعد فتح التحقيق يمكن أن تفوض له مهام من جهات التحقيق حسب ما جاء في نص المادة " 13 " من قانون الإجراءات الجزائية ، و على هذا إذا أخل بمهامه يتابع أمام غرفة الاتهام ([11]) وهو ما نصت عليه المادة " 207 " المعدلة بقانون 26 يناير 1983 ، كما أن المشرع أحاط أسرار التحقيق بعقوبات جنائية .
فقد انصرفت الفقرة الثانية من المادة " 11 " إلى تحديد على سبيل الحصر بذكر كل من ساهم في هذه الإجراءات بسبب وظيفته أو مهنته ، في حين أن المادتين " 46 و 85 " جاءتا عامتين حين انصرفتا إلى الأشخاص الذين أفشوا أسرارا تتعلق بوثائق ذات معلومات هامة دون إذن من أصحابها .
و المطلع على القانون رقم 91 – 04 المنظم لمهنة المحاماة في الفقرة الخامسة من المادة " 76 " يجد أن المحامي و إن كان جائزا له الاطلاع على ملفات القضية باعتباره وكيلا عن موكله و مسموح له حضور التحقيق إلا أنه ملزم بكتمان سر مهنته .
و طالما كان لكل قاعدة عامة استثناء فإنه يمكن أن تكون بعض إجراءات التحقيق الابتدائي مختلفة في الحالات التالية بما في ذلك من تحقيق لاعتبارات معينة ، إذ تزول السرية بين أطراف الدعوى العمومة ، و المادة " 101 " من قانون الإجراءات الجزائية تجيز لقاضي التحقيق أن يقوم في الحال بإجراء الاستجواب و المواجهة التي تقتضيها حالة الاستعجال الناجمة عن وجود شاهد في حالة خطر للموت أو من خوف زوال إمارة على وشك الاختفاء شريطة أن يذكر ذلك في المحضر و هي ما تسمى بدواعي الاستعجال .
المادة " 102 " من قانون الإجراءات الجزائية تجيز للمتهم بمجرد حبسه أن يتصل بمحاميه بكل حرية ، أما المادة " 103 " من نفس القانون تجيز للمتضرر من الجريمة أي المدعي المدني أن يستعين بمحام .
في حين أن المادة " 106 " من ( ق.إ.ج ) تجيز لوكيل الجمهورية حضور استجواب المتهمين و مواجهتهم و إن كانت هناك حالات تستدعي سرية التحقيق حتى على الخصوم ، و قد تتجسد هذه الضرورة في احتمال أن يفسد المتهم أو غيره من الخصوم جهود المحقق للتنقيب عن الدليل أي خشية أن يؤدي هذا الحضور إلى إحباط تلك الجهود مثال ذلك أن يخشى المحقق أن يكون حضور المتهم أثناء سماع الشهادة منطويا على إرهاب للشاهد على نحو لا يقول أحدهم كل ما يريد . ([12])
أما المادة " 105 " من ( ق.إ.ج ) لا تجيز سماع أقوال المتهم أو المدعي المدني أو إجراء مواجهة بينهما إلا بحضور محامي كل طرف ، و يمنح محامي الادعاء المدني ملف التحقيق قبل سماع أقواله بـ ( 24 ساعة ) .
زيادة إلى إمكانية وكيل الجمهورية في حضور الاستجواب و المواجهة فإنه بإمكانه مرافقة قاضي التحقيق إلى مكان الجريمة للمعاينة أو التفتيش .
و في هذه الحالة تنتهي السرية بين أطراف الدعوى العمومية المتمثلة في المتهم والنيابة العامة و المدعين بالحق المدني و المسؤول عن الحقوق المدنية .
و تبقى الإشارة إلى نظام السرية في التحقيق الابتدائي تأخذ به العديد من الدول ومنها التشريع المصري الذي ينص على إجراءات التحقيق الابتدائي في حدّ ذاتها ، والنتائج التي تسفر عنها تعتبر من الأسرار ، و قد ورد ذلك في نص المادة " 75 " من قانون الإجراءات الجزائية و تعاقب المادة " 193 " من قانون العقوبات المصري " كل من نشر بأحد طرق العلانية أخبارا بشأن تحقيق جنائي قائم إذا كانت سلطة التحقيق قد قررت إجرائه في غيبة الحضور أو كانت قد حضرت إذاعة تسيء منه مراعاة للنظام العام أو الآداب أو لظهور الحقيقة " . ([13])
غير أن الدول التي تأخذ في الادعاء الجنائي بالنظام الاتهامي مثل إنجلترا و الدول التي أخذت عنها ، و منها الهند و العراق و السودان ... إلخ ، و يكون التحقيق الابتدائي علنيا و ذهب القانون السوداني إلى أبعد من ذلك إذ سمح بالدخول إلى قاعات التحقيق الابتدائي لكل من يريد الحضور شأنه في ذلك شأن إجراءات المحاكمة العلنية .
















المطلب الثالث : علني بالنسبة للخصوم


تجدر بنا الإشارة في مبادئ الأمر إلى تحديد الخصوم في الدعوى العمومية و هو : المجني عليه ، المتهم ، المدعي بالحق المدني ، المسؤول عن الحق المدني ، و النيابة العامة ممثلة الحق العام .
و الأصل أن التحقيق الابتدائي علني بالنسبة للخصوم و يحضره من يشاء منهم وما تستدعيه هذه العلنية هو الإعلان بالأوقات التي تحدد لاتخاذ إجراءات التحقيق التي يتولاها قاضي التحقيق ، و تماشيا مع الطابع التقني للتحقيق الابتدائي فإن أطراف الدعوى لا يعلنون بموعد أو مكن التحقيق و يجوز لمحامي المتهم أو المدعي المدني الحضور حتى بالملاحظات أو طلب استيفاء نقاط معينة ينفذها قاضي التحقيق إذا اقتنع بها ، و بالمقابل لا يسمح له بتوجيه ملاحظات إلى الخصوم أو حتى إشارات ، و يجوز للمحامي أن يوجه أسئلة في حالة قبل المحقق بذلك .
" و إذا رفض وجب عليه إثبات الاعتراض أو الأسئلة في المحضر أو إرفاقها به إذا قدمت مكتوبة ( المادة 107 من ق.إ.ج ) ([14]) و لما كان التحقيق الابتدائي علنيا للخصوم فإن وكيل الجمهورية يمتلك حق الأسئلة عند حضوره للاستجواب أو المواجهة أو سماع أقوال المدعي المدني ، إلا أن بعض التشريعات تجيز إجراء التحقيق الابتدائي في سرية بين أطراف الخصومة للضرورة ، و تتجلى هذه الضرورة في :
* إظهار الحقيقة في الدعوى .
* مراعاة المصلحة العامة .
و في الحالتين يباشر المحقق الإجراءات في سرية قد تشمل بعض أطراف الخصومة أو كلهم دون تحديد لإجراء معين كأن يتم سماع شهادة الشهود أمام قاضي التحقيق في غيبة المتهم و كل فرد يدلي بشهادته على حدى و انفراد ، كما ذهب إليه المشرع الجزائري حينما نص على ذلك في المادة " 90 " من ( ق.إ.ج ) .
و لعل الحكمة من وراء ذلك تتجلى في عدم تمكين أي طرف من التأثير في الآخر و بالخصوم المتهم في أقوال الآخر أو أن يقرر إجراء المعاينة في غيبة المتهم لكي يتمكن المجني عليه من الإرشاد عن كيفية وقوع الجريمة ، أو خشية وقوع الشاهد في حرج من المتهم .
و قد يكون في انتظار حضور أطراف الدعوى في الموعد المحدد ضياع لأدلة مهمة كشهادة شاهد شارف على الموت أو بسبب مغادرة البلاد ، فيقوم المحقق بهذا الإجراء في غيبة الخصوم ، و إذا صادف و التحق أحد أطراف الدعوى على الرغم من عدم دعوته بسبب الاستعجال فإنه لا يجوز للمحقق منعه إذا لم تتوافر حالة الضرورة .
و تزول السرية بين أطراف الدعوى العمومية بمجرد زوال المانع و يزول بالتالي بسبب عدم إطلاع الخصوم مما يعني الإجازة للخصوم الإطلاع على الأوراق المثبتة للإجراءات التي اتخذت في غيبتهم ، و هو ما أخذ به المشرع الجزائري و المصري     ( المادة 77 من ق.إ.ج ) و الليبي ( المادة 61 من ق.إ.ج ) و الكويتي ( المادة 75 من ق.إ.ج ) .
و طالما اعتبر الخصم و محاميه شخصا واحدا فإن القاعدة العامة المستقرة في كافة التشريعات " أنه إذا رأت سلطة التحقيق اتخاذ أي إجراء في سرية عن المتهم فحينئذ ليس هناك وجه لحضور محاميه ، أما إذا سمح للمتهم بدخول غرفة المحقق فإن من حقه أن يكون محاميه معه " ([15]) و بالتالي تنتفي السرية بين المحامي و موكله و لا يفصل بينهما بحجة السرية .
و مع كون السرية في التحقيق الابتدائي كحامية تصون الإجراءات من التحريف أو التغيير فإن عدم مراعاتها لا يعني أن الإجراءات التي لم تنط بها باطلة في حالة الضرورة بل إنه من الممكن أن تكون سببا في الوصول إلى الحقيقة ، نظرا للنتائج التي تسفر عنها العلنية المتبعة في بعض إجراءات التحقيق الابتدائي في حالات محددة . ([16])
و بهذا نكون قد تعرضنا إلى خصائص التحقيق الابتدائي التي يختلف أغلب الفقهاء و التشريعات في تحديدها ، و في الوقت ذاته نكون قد تناولنا بالدراسة أن المبادئ العامة المسطرة في التحقيق الابتدائي كإجراء من إجراءات الدعوى العمومية ، غير أن المجال ما يفئ يتسع إذ يتبادر إلى الأذهان الاستفسار عن السلطات المختصة بالتحقيق الابتدائي حتى تكتسي الدراسة الدقة و الوضوح لكل قانوني أو مطلع أو حتى الفرد العادي ، ليسهل عليه اللجوء إلى القضاء و يسهل على أعضاء القضاء القيام بمهامهم من دون خلط أو تضييع للوقت .












(1) جيلاني بغدادي ، مرجع سابق ، ص 63 .
(1) محمد صبحي محمد نجم ، شرح قانون الإجراءات الجزائرية ، الطبعة الثانية ، الجزائر : ديوان المطبوعات الجامعية ، بدون سنة نشر ، ص 52 .
(2) أحمد شوقي الشلقاني ، مرجع سابق ، ص 219 .
(1) إدوارد غالي الذهبي ، الإجراءات الجنائية في التشريع المصري ، الطبعة الثانية ، القاهرة : مكتبة غريب للطباعة، بدون سنة نشر ، ص 412 .
(2) إسحاق إبراهيم منصور، المبادئ الأساسية في قانون الإجراءات الجزائية الجزائري ، الجزائر : ديوان المطبوعات الجامعية ، 1995 ، ص 103 .
(3) إدوارد غالي الذهبي ، مرجع سابق ، ص 421 .
(1) نظير فرج مينا ، الموجز في الإجراءات الجزائية الجزائري ، الطبعة الثانية ، الجزائر : ديوان المطبوعات الجامعية ، بدون سنة نشر ، ص 51 .
(2) سليمان بارش ، شرح قانون الإجراءات الجزائية الجزائري ، باتنة : دار الشهاب للطباعة والنشر، 1986 ، ص 167 .
(1) محمد صبحي محمد نجم ، مرجع سابق ، ص 52 .
(1) جيلاني بغدادي ، مرجع سابق ، ص 67 .
(2) قرار صادر عن الغرفة الجنائية الأولى يوم 17 جويلية 1980 في الطعن رقم 26675 .
(1) محمود نجيب حسني ، مرجع سابق ، ص 633 .
(1) إدوارد غالي الذهبي ، مرجع سابق ، ص 223 .
(1) أحمد شوقي الشلقاني ، مرجع سابق ، ص 223 .
(1) نظير فرج مينا ، مرجع سابق ، ص 71 .
(1) إسحاق إبراهيم منصور ، مرجع سابق ، ص 104 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه