ديوان المظالم – لبنة جديدة في دولة الحق والقانون والمؤسسات

0
b ديوان المظالم – لبنة جديدة في دولة الحق والقانون
                        والمؤسسات-
         بالإضافة إلى الرقابة الذاتية التي تمارسها الإدارة على نفسها سواء تلقائيا أو بناء على تظلم من المتضررين من قراراتها والرقابة السياسية التي تتخذ شكل الرقابة عن طريق الرأي العام أو عن طريق البرلمان، والرقابة القضائية التي تتميز بفعاليتها في التدخل للحفاظ على احترام الإدارة للقانون، تعمل الدول المتقدمة إلى إحداث هيئات متخصصة تتولى مراقبة أعمال الإدارة وتعتبر حلا وسطا بين الرقابة الإدارية الداخلية والرقابة الخارجية.
        وتعد الدول الإسكندنافية سباقة إلى إنشاء مثل هذه المؤسسات فأحدثت لأول مرة ما يعرف بالأمبد سمان عهد له بمراقبة الإدارة والمحاكم. وتتبعها في ذلك مجموعة من الدول الأنجلوساكسونية، كما سارت العديد من الديمقراطيات الغربية على هذا المنوال نذكر منها على سبيل المثال إسبانيا التي استحدثت ما يسمى بمؤسسة المدافع عن الشعب وفرنسا التي أنشأت ما يعرف بالوسيط، إلا أن الحضارة الإسلامية التي قامت على أساس العدل والمساواة بين الحاكمين والمحكومين عرفت مؤسسات متشابهة  عملت على تلقي شكايات الأفراد ضد الحاكمين وباقي الموظفين المشرفين على سير أمور المسلمين.
وفي هذا الإطار ومن أجل تدعيم الضمانات الأساسية لحماية حقوق الأفراد ضد الحاكمين وباقي الموظفين المشرفين على سير أمور المسلمين، وتلافي احتمالات تعسف الإدارة[1]. تم الإعلان عن إحداث مؤسسة ديوان المظالم في رسالة لجلالة الملك محمد السادس بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان بتاريخ 09 دجنبر 2001، ألقاها صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد في اجتماع خاص بأكاديمية المملكة المغربية بحضور فعاليات تمثل مختلف المؤسسات التي لها ارتباط من بعيد أو من قريب بالعلاقة بالمواطنين والمواطنات.
       وتعد هذه المؤسسة إضافة جديدة إلى الصرح المؤسساتي للمغرب، كما أنها جاءت لكي تستجيب لفراغ مؤسساتي بشأن رفع المظالم التي تقع على المواطنين من جراء استمرار مظاهر الفساد في النظام الإداري والقضائي واستمرار تفشي مظاهر الشطط في استعمال السلطة[2].
       وعليه سنتناول في هذا المبحث طبيعة وخصائص مؤسسة ديوان المظالم، ثم اختصاصات المؤسسة وآليات اشتغالها.
e   المطلب الأول : طبيعة وخصائص مؤسسة ديوان المظالم
à   أولا طبيعة مؤسسة ديوان المظالم
تعتبر طبيعة مؤسسة ديوان المظالم وفق الظهير الملكي المحدث لها بمثابة هيئة مستقلة ذات طبيعة استشارية شبيهة إلى حد ما ديوان المظالم بالمملكة السعودية الذي قال فيه محمد فؤاد المهنا[3]: « بأنه مجرد هيئة استشارية تقوم بفحص الشكاوي والتحقيق فيها من غير أن يكون لها حق البث فيها بقرارات أو أحكام نافذة ».
وانطلاقا مما سبق تتميز مؤسسة ديوان المظالم بما يلي :
1-    أنها مؤسسة استشارية :
وذلك عن محاولة توجيه الإدارة وحثها على الالتزام بقواعد القانون لرفع الحيف عن     المشتكي.
غير أن مؤسسة المظالم تختلف عن الأجهزة الأخرى من حيث إلزامية توصياتها ومقترحاتها، فإذا كانت الإدارة العمومية غير مجبرة من حيث المبدأ على الأخذ بالمقترحات المقدمة من طرف الهيئات الاستشارية، فإن هذه الإدارة تكون ملزمة بمقترحات وتوصيات مؤسسة المظالم، ولا تستطيع التملص من الرضوخ لها سوى إذا أبدت أسبابا وجيهة وحقيقية تعفيها من ذلك، أما فيما عدا ذلك من الحالات فلا يتسنى إلا أن تنفذ المقترح أو التوصية[4].


2-    أنها مؤسسة مستقلة :
والمقصود بمبدأ الاستقلال هنا، أن المؤسسة ليست تابعة لأية وزارة وأنها لا تتلقى الأوامر من أية سلطة حكومية[5] بمعنى أنها مستقلة عن الأجهزة التنفيذية والتشريعية والقضائية وتحت إشراف الفعلي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس. بحيث يقدم إليه تقرير سنوي، تأكيدا للدور الأساسي الذي تضطلع به المؤسسة الملكية بالمغرب، وحرصها على ضمان حقوق وحريات المواطنات والمواطنين، وفي نفس الوقت تذكير للإدارة بأنها خاضعة لمراقبة جديدة من نوع خاص تشجعها على القيام بالمهام المنوطة بها[6].  
à   ثانيا  خصائص مؤسسة ديوان المظالم
بداية نسجل بأن إحداث ديوان المظالم اختير له زمن ومكان متميزين، الزمان تخليد ذكرى اليوم العالم لحقوق الإنسان والمكان أكاديمية المملكة المغربية بحضور فعاليات مهمة وذلك لإضفاء الصفة الموضوعية والعملية والحيادية على هذه المؤسسة الجديدة.
ويتميز ديوان المظالم بخصائص عديدة تكتسب مكانة خاصة داخل المنظومة السياسية والإدارية والقضائية بالمغرب، ومن أهم هذه الخصائص الاستقلال، التجرد والاستقرار.
1-     خاصية الاستقلال :
فتعيين الملك المشرف الأول والأعلى لهذه المؤسسة أعطاها أول ضمانة ضد أي تأثير من أية جهة كانت ويمنحها استقلالا فعليا عن السلطات الثلاث وذلك على خلاف الأنظمة المعاصرة التي توكل هذه المهمة غالبا للسلطة التشريعية كما هو الشأن في إسبانيا وللسلطة التنفيذية كما هو الحال بالنسبة لفرنسا، وارتباط ديوان المظالم بالملك لا ينقص في شيء من استقلاليته وحياده بل بالعكس يدعم مكانته ويوطد حصانته.

2-     خاصية الاستقرار :
كما أن تحديد مدة ولاية والي المظالم في ست سنوات قابلة للتجديد يعد ضمانة لاستقرار هذا المنصب وتفرغه الكامل للاختصاصات المسندة إليه بما يكسبه التجربة والخبرة عن طريق الممارسة والأقدمية، وهذا لا يمنع بالطبع إمكانية عزله وإعفائه من مهامه من قبل جلالة الملك.
3-     خاصية التجريد :
ففيما يتعلق بالموارد المالية والبشرية اللازمة لتسيير وتجهيز ديوان المظالم نص الظهير المحدث لهذا الأخير[7] على أن الاعتمادات المخصصة له (الديوان) تدخل ضمن ميزانية البلاط الملكي، وهي أكبر ضمانة على استقلاليته بما تكسبه ثقة جميع الأطراف والفعاليات[8].
eالمطلب الثاني : اختصاصات وآليات اشتغال ديوان المظالم
من قراءة مواد الظهير المحدث لديوان المظالم يتبين لنا أن هذه المؤسسة لها اختصاصات محددة هي على التوالي : تلقي الشكايات، والعدل على إصلاح الجهاز الإداري والحث على تنفيذ الأحكام الإدارية.
à   أولا  تلقي الشكاوي
كمبدأ عام خول لديوان المظالم اختصاص تلقي الشكاوي والمظالم والتحقيق فيها من أجل رفع الحيف الذي لحق أصحابها نتيجة تصرفات أعوان الإدارة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية، والحقيقة ليست لمؤسسة ديوان المظالم الحق في النظر في جميع الشكاوي والتظلمات، لذا يتعين معرفة نوعية الشكاوي والتظلمات التي لها حق النظر فيها والاستثناءات الواردة عليها.
إن القضايا التي ستعرض على هذه المؤسسة هي القضايا التي يتضرر فيها أحد الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين نتيجة قيام الإدارة أو من فيها بتصرفات غير قانونية أو تعسفية كرفض تسليم رخصة البناء أو سحب رخصة السياقة أو حبس شخص دون موجب قانون... إلخ[9].
أو أي قرار أو عمل يتنافى مع مبادئ سيادة القانون والإنصاف ويمكن لرئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان أن يحيل على والي المظالم الشكايات الموجهة إليه التي تدخل ضمن اختصاصات والي المظالم[10].
1-    الاستثناءات الواردة على حق النظر في الشكاوي :
بالنظر إلى هذا يخرج إذن عن مجال تدخل مؤسسة المظالم القضايا التي تثور بمناسبة أو تطبيق قانوني أو تنظيمي، كما لا يجوز لها النظر في القضايا التالية :
¯ الشكايات المتعلقة بالقضايا التي وكل البث فيها للقضاء.
¯ التظلمات الرامية إلى مراجعة حكم قضائي نهائي.
¯ الملتمسات المتعلقة بقضايا من اختصاص البرلمان.
¯ القضايا التي تدخل في اختصاص المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ويقوم والي المظالم على الفور بإحالة الشكايات والتظلمات المتعلقة بخروقات حقوق الإنسان إلى المجلس.
¯ القضايا التي لم يقم صاحب التظلم بأي مساغ رسمية أو التماس للعفو، ولم تستنفذ كافة الطعون أو جبر الأضرار المزعومة، أو استرجاع حقوقه المهضومة. بيد أنه يمكن لوالي المظالم أو مندوبه في الحالات المذكورة أعلاه، أن يبحث مع الأطراف المعنية بطلب منها مع الحلول الكفيلة بإيجاد تسوية عاجلة ومنصفة للخلاف.
وإذا اتضح أن تمادي الجهة المعنية في الامتناع عن تنفيذ حكم قضائي نهائي ناجم عن أفعال صادرة عن موظف أو عون تابع للجهة التي صدر الحكم في حقها أو عدم قيامه بالواجب، يرفع والي المظالم تقريرا في الموضوع إلى نظر الوزير الأول.
2-     شروط قبول الشكاوي :
تعد مؤسسة ديوان المظالم وسيلة مرنة ومبسطة للنظر في شكايات وتظلمات المواطنين، فتقديم شكاية أو تظلم لدى ديوان المظالم لا يتقيد إلا ببعض الشروط الشكلية البسيطة التي يستلزمها فصل السلط ودون التقيد بالإجراءات والمواعيد ودون تحمل الأعباء والمصارف فهي مؤسسة عامة في متناول الجميع.
ولقبول التظلمات يجب أن تكون مكتوبة وموقعة من طرف صاحب الملتمس شخصيا وأن توضح ما قام به المتظلم من مساغ لاسترجاع حقوقه لدى السلطة التي يتظلم منها وفي حالة تعذر ذلك يمكن للمتظلم أن يقدم شكاية شفوية مدعومة بالحجج والوثائق المبررة يتم تسجيلها وتدوينها من قبل مندوب والي المظالم. وبالتالي تستبعد جميع الشكايات المجهولة أو الغير المتضمنة لمطالب محددة[11]. كما اشترط الظهير لقبول التظلمات أن يتحقق ظلم المشتكي نتيجة شطط وتعسف الإدارة وأن يبقى التظلم من هذه التصرفات دون جدوى وعليه نتناول هذه الشروط بالتحليل فيما يلي :
أ- تحقق ظلم المشتكي :
يتحقق هذا الشرط إذا لحق المشتكي ضررا حقيقيا سواء كان جسمانيا أو ماديا أو معنويا فمن أمثلة التظلم الجسماني تعرض المشتكي للتعذيب والاعتقال غير القانوني ومن أمثلة الظلم المادي، إتلاف أموال المشتكي أو الاستحواذ عليها بالطرق غير المشروعة، ومن أمثلة التظلم المعنوي، المساس بشرف المشتكي والتشويه بسمعته...



ب- تعسف الإدارة :
لا يكفي لتحقيق الظلم بالصورة المادية والمعنوية في جانب المشتكي أن يلحقه ضرر بل يجب أن يكون هذا الضرر نتيجة قيام بتصرفات قانونية أو أعمال مادية غير قانونية أو تعسفية.
ج- تقديم تظلم استعطافي أو إداري في السابق :
لم تشأ إدارة المشرع المغربي إلا أن تجعل التظلم الإداري مسألة اختيارية في النزاعات المتعلقة بالقرارات الإدارية المعينة أو غير الملائمة ولكل ذي مصلحة أن يتجاوز هذه المسطرة ويقيم دعواه مباشرة أمام القضاء الإداري وعلى عكس ما سبق هناك إلزامية التظلم الإداري قبل رفع الشكوى إلى أنظار والي المظالم، ولعل الحكمة من ذلك هي التخفيف من عدد الشكاوي بدفع الإدارة صاحبة القرار إلى الاقتناع بوجهة نظر مقدم التظلم ثم سحبه أو تعديله[12].
à  ثانيا  تقديم اقتراحات بشأن تسيير الجهاز الإداري
إن قوة الاحتكاك بقضايا الناس الإدارية على امتداد الأيام والسنين لمن شأنه أن يؤهل مؤسسة ديوان المظالم للعب الأول في وضع اليد على أوجه الخلل في دواليب العمل الإداري والعمل بالتالي على تحسينها بشكل يخدم المصلحة العليا للبلاد. والمؤسسة إذ تقوم بهذه الوظيفة تكون مدعومة لتقديم اقتراحات بشأن تعديل النصوص القانونية بنصوص أخرى أكثر عدالة[13]
à   ثالثا  اقتراح الحلول التي من شأنها التعجيل بتنفيذ الأحكام القضائية
علاوة على ما سبق تتمتع مؤسسة ديوان المظالم بصلاحية أخرى لا تقل أهمية عن سابقاتها من حيث ترسيخ قيم الشفافية في التعامل الإداري والإسهام في حسن الجهاز الإداري ويتعلق الأمر بصلاحية التعجيل بتنفيذ الأحكام القضائية، ولبيان ذلك أنه في حالة تعذر تنفيذ حكم قضائي نهائي قابل للتنفيذ، يجوز للمؤسسة أن تلجأ إلى الإدارة المعنية، وأن تبحث مع المسؤول الإداري هناك عن كيفية وسبل تنفيذه[14].
وفي الختام نلخص القول بأن إحداث ديوان المظالم يعد لبنة أخرى في إطار بناء دولة الحق والقانون والمؤسسات، لكن إذا كان ديوان المظالم يتميز باستقلال تام عن باقي السلطات، ومركز قوي ومكانة قوية متميزة داخل النظام المؤسساتي بالمغرب، فإن سلطاته محدودة الفعالية من جهة بفصل السلط الذي يفرض عليه عدم تجاوز اختصاصاته المحصورة ومن جهة أخرى بمحدودية وسائل تدخله سواء بالبحث والتقصي أو لتنفيذ مقرراته ووضعها موضع التطبيق.
وفي انتظار أن تبين التجربة العملية عن نقط القوة ومواطن الخلل والضعف التي تعتري تطبيق الظهير المحدث لديوان المظالم، يبقى الرهان الأول هو العمل على توعية المواطنين بوجود هذه المؤسسة وبأهميتها وتحسيسهم بضرورة الدفاع عن حقوقهم تجاه الإدارة في ترسيخ مفهوم الإدارة في خدمة المواطن قولا وفعلا[15].









?    خاتمة :




[1] - أحمد أجعون "ديوان المظالم في حماية حقوق والحريات بالمغرب" ندوة "الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية أية علاقة" نظمتها كلية الحقوق بطنجة بتاريخ 5و6 مارس 2002.
[2] - جريدة التجديد – العدد 19 – بتاريخ 19 دجنبر 2001.
[3] - محمد فؤاد المهنا : "مسؤولية الإدارة في التشريعات العربية" ص: 29.
[4] - د. محمد البقالي "تأملات في مشروع إحداث ديوان المظالم" منشورات مجلة طنجيس للقانون والاقتصاد العدد 2 سنة 2001 ص : 106.
[5] - نفس المرجع السابق ص: 107.
[6] - د. عبد القادر باينة "إحداث مؤسسة ديوان المظالم" جريدة الإتحاد الاشتراكي العدد 6697 بتاريخ 11 دجنبر 2001.
[7] - المادة 16 من الظهير المحدث لديوان المظالم، رقم 298.01-1.
[8] - د. أحمد أجعون، مرجع سابق.
[9] - د. محمد البقالي، مرجع سابق ص: 108.
[10] - المادة الخامسة من الظهير الملكي المحدث لديوان المظالم – سبق ذكره.
[11] - د. أحمد أجعون مرجع سابق.
[12] - دة. مليكة الصروخ، مرجع سابق ص: 516.
[13] - د. محمد البقالي، مرجع سابق ص: 110.
[14] - د. أحمد أجعون، مرجع سابق
[15] - نفس المرجع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه