بحث جنوح الاحداث

0

خطــة البحـث

 

مقدمة

 

 

·       المبحث الأول: مفاهيم حول الأحداث و الجنوح.

 

- المطلب الأول: مفهوم الحدث.

- المطلب الثاني: مفهوم الجنوح.

 

·       المبحث الثاني: عوامل جنوح الأحداث.

 

- المطلب الأول: العوامل الشخصية.

- المطلب الثاني: العوامل الاجتماعية.

- المطلب الثالث: حجم ظاهرة الجنوح في الجزائر و أسبابها.

 

·       المبحث الثالث: الوقاية من الجنوح و علاجه.

 

- المطلب الأول: الوقاية من الجنوح .

- المطلب الثاني: معالجة الجنوح.

 

 

 

الخاتمة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

- مقدمــة-

 

الطفل أو الصبي أو الحدث و هو باختصار الإنسان الصغير السن و في طور النمو أي في المرحلة الأولى من حياته، يمثل بالنسبة لأسرته و مجتمعه أمل المستقبل ويشكل اللبنة الأساسية الأولى لبناء المجتمع ، و من هذا المنطلق فإن المجتمع المستقبلي سيكون حتما عبارة عن صورة طبق الأصل لشباب و أطفال اليوم و يتخذ نفس المميزات التي يتميزون بها ، فإذا تم الاعتماد في بنائه على عناصر سليمة أي أطفال أسوياء ومتخلقين فإن النتيجة ستكون رجال و نساء ذوي شخصيات قوية و متينة لا تهدمها أشد الصعاب فهم يشكلون مجتمع تحترم فيه كل القواعد و التنظيمات و تسود فيه القيم والضوابط الأخلاقية ، أما إذا تم الاعتماد منذ البداية على أطفال منحرفين بمعنى مجرمين صغار فإن النتيجة عبارة عن رجال و نساء ذوي شخصيات مشوشة و ضعيفة و بالتالي مجتمع مشكل من محترفي الإجرام و لا مكانة فيه لاحترام أدنى الضوابط التي تحكم المعاملات بين أفراده.

 

لذلك يجدر إيلاء الأهمية القصوى و العناية البالغة لهذه اللبنة خاصة من طرف المشرع قصد وضعها على الطريق السوي و حمايتها من عواقب الانحراف للوصول بها إلى الغاية التي ينشدها المواطن بصفة خاصة و المجتمع بصفة عامة.

 

و الحماية التي يضفيها المشرع على الحدث تقوم على عدة جوانب ، يتعلق البعض منها بالاعتناء بحداثة الطفل نظرا لجهله بالحياة و ضعف إدراكه بالمسؤوليــة  و يتعلق البعض الآخر منها بالعقاب الجزائي نظرا لأثره الضار على نفسية الحدث وإمكانية مساهمته في تعميق جذور الانحراف و الإجرام لديه بدل تقويم سلوكه ، بينما يتعلق جانب آخر منها بتحديد المسؤول الحقيقي عن انحراف الحدث هل هو أبوه أم أسرته أم المجتمع بأكمله وذلك على أساس افتراض أن كل انحراف للطفل لا ينتج بالضرورة عن عوامل نفسية أو عضوية خاصة به أو إلى تكوينه الخلقي أو العاطفي و إنما يرجع في الغالب إلى عوامل خارجية تحيط به و تؤثر فيه بسهولة مقارنة مع تأثيرها على الكبار كما تقوم حماية المشرع للحدث على جوانب أخرى تتعلق بضرورة تحقيق حد أدنى من التساهل أو بعبارة أخرى من التسامح الذي يجب أن يعامل به الحدث في حالة جنوحه وهذا مقارنة طبعا مع معاملة الشخص البالغ ، لكي يحقق الإجراء المتخذ معه الأثر المتوخى منه من حيث تقويم سلوكه و تصحيح اتجاهه الخاطئ ، و هنا تطرح مسألة التمييز بين المعاملة الخاصة التي يحضى بها الحدث الجانح و ما هي جملة الإجراءات التي خصه بها المشرع و ما المغزى منها و ما مدى جدواها .

 

وللإجابة على كل ذلك من خلال هذا البحث تناولنا هذا الموضوع ضمن ثلاثة مباحث ، تم من خلال المبحث الأول إعطاء مفاهيم عن الأحداث وعن ظاهرة الجنوح علما أنه في هذا البحث و أخذا بما هو معمول به في جل المراجع التي اعتمدنا عليها يطلق على إجرام الأحداث لفظ الجنوح ، في المبحث الثاني تناولنا عوامل جنوح الأحداث بصفة عامة مع تقييم حجم هذه الظاهرة بالجزائر ، في حين تم التطرق في المبحث الثالث إلى أسليب الوقاية من الجنوح و طرق معالجته أي ما هي التدابير الوقائية لظاهرة الجنوح و ما هي الإجراءات المعمول بها في مجال معاملة الحدث الجانح .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الأول :         مفاهيم حول الحدث و الجنوح

 

المطلب الأول : مفهوم الحدث

 

1- الحدث  لفظا و مدلولا

 

الحدث في اللغة العربية هو صغير السن أو حديث السن ، يقال "غلام" أي حدث و "غلمان" أي أحداث و قد يقال رجل حدث أي شاب ، و منه الحداثة وهي صغر السن أي حداثة العهد بالحياة.

 

والحدث لفظا يعني كذلك الطفل ، أو الولد ذكرا كان أو أنثى ، ويقال "أطفلت المرأة" أي ولدت، و في نفس المعنى اللفظي نجد كذلك كلمة صبي وصبية وهما تعنيان صغير السن و صغيرة السن.

 

إذن من حيث اللفظ فإن الإنسان "الحدث" هو إنسان صغير السن.

 

أما من حيث المدلول ، فإنه يختلف باختلاف ميدان البحث أو الدراسة ، ففي ميدان الفقه الإسلامي له مدلوله الخاص وله مدلوله أيضا في كل من العلوم الإنسانية كعلم النفس و علم الاجتماع ، وله مدلوله كذلك في علم الطب العقلي و الطب النفسي ثم له مدلول آخر في القانون.

 

و واقع الأمر انه يمكن التفرقة بين مدلول الحدث في القانون من جهة   ومدلوله في العلوم الأخرى التي ذكرناها من جهة أخرى، و ذلك على أساس المعيار الذي يؤخذ به في القانون وذلك الذي يؤخذ به في تلك العلوم.

 

2- الحدث في علم الاجتماع و علم النفس.

 

الحدث في نظر علماء الاجتماع و علماء النفس هو الصغير منذ ولادته و حتى يتم له النضج الاجتماعي و النفسي و تكتمل له عناصر الرشد.

 

ومعنى ذلك أن الحدث هو شخص غير ناضج اجتماعيا أو نفسيا يختلف بالضرورة في إدراكه للأمور عن الشخص تام النضج اجتماعيا و نفسيا ، و يلاحظ أن هذا التعريف لا يحدد سنا معينة لمرحلة الحداثة و إنما يأخذ بواقعة الميلاد كبداية لهذه المرحلة و بواقعة اكتمال النضج الاجتماعي و النفسي كنهاية لها .

 

 يورد علماء الاجتماع و النفس تقسيما لمراحل حياة الحدث كما يلي:

 

أ- مرحلة التركيز على الذات : و سميت أيضا بمرحلة التصاق الطفل بأمه من خلال التصاقه بنفسه ، و هذه المرحلة تبدأ بواقعة الميلاد حيث لا يعرف الحدث فيها إلا نفسه و لا تمتد مداركه إلى غير ذلك من العالم الخارجي المحيط به ، بيد أن ذلك لا ينطبق على الأم التي يشعر الطفل في مرحلة عمره الأولى أنها هي و نفسه سواء.

 

و بعبارة أخرى فإن في التصاق الطفل بنفسه في هذه المرحلة التصاقا بأمه في نفس الوقت ، لما يربطه بأمه من رابطة عضوية و نفسية غريزية ، فهو يعتمد عليها اعتمادا تاما و كليا في البقاء و الغذاء و النمو بصورة طبيعية ، و هي أول من يتعرف عليه الطفل لأنها هي التي تشبع حاجاته المختلفة.

 

ب- مرحلة التركيز على الغير: و تسمى كذلك مرحلة التكوين الذاتي للحدث، وفيها يبدأ الحدث في امتصاص نوع المعاملة التي يلقاها من المحيطين به و يسلك مع الآخرين السلوك الذي يتوقعونه منه أي أن ينفعل لتصرفاتهم معه بالصورة المألوفة لذلك  فتبدو عليه علامات السعادة و السرور مثلا إذا داعبه أو لاطفه احد ، و بالعكس تظهر عليه علامات  الاستياء أو الخوف إذا عومل بصورة لا ترضيه، و يؤدي ذلك الى نشوء علاقة نفسية بين الطفل وأمه ترتكز على هذه العلاقة العضوية إذ تبدأ عواطف الطفل تتحرك نحو أمه باعتبارها مصدر اشباع حاجاته الأساسية ، فيفرح عندما يراها و يحزن عندما تغيب عنه و يبكي عندما لا تستجيب له كما تعود.

 

و تتعاصر هذه المرحلة مع بدء إحساس الطفل بالأب أيضا باعتباره القائم على توفير مقومات الحياة للصغير و باعتباره مصدرا للشعور بالأمان و بالسلطة الضابطة معا  و هي أمور يحتاجها الصغير بالضرورة .

 

وهكذا تكون علاقة الصغير بالأسرة في هذه المرحلة علاقة عضوية و علاقة نفسية كذلك، و هذه الأخيرة هي أساس كل علاقة اجتماعية يقيمها الحدث بعد ذلك مع الآخرين.

 

ج- مرحلة المراهقة : وسميت كذلك بمرحلة النضج الاجتماعي و هي المرحلة التي بنهايتها يكتمل النضج الاجتماعي و النفسي للحدث و يصبح قادرا على البت فيما يصادفه من الأمور ، و تكون هذه المرحلة مسبوقة بمرحلة ما بين انعدام التمييز وبين المراهقة و هي التي تتميز ببدء "الذات العليا" أو "الأنا العليا" لدى الحدث في الارتقاء وفي التشبع بالمثل العليا و القيم الدينية و التأثر بالقدوة الحسنة ، و يعتمد ذلك على ما يتلقاه الحدث في البيئة المحيطة به سواء الأسرة أو المدرسة أو غيرهما.

 

و بدخول الحدث إلى مرحلة المراهقة ، يضاف إلى ما تقدم التغيرات الطبيعية الداخلية و الخارجية التي تؤثر و تنعكس على جسم الحدث و وظائفه و ما يصاحب ذلك من نظرات الآخرين إليه مما يجعل الشكل الخارجي لجسم الحدث ذا أهمية بالغة بالنسبة له ، بل و ربما يحاول تتبع التغيرات المماثلة لدى زملائه و أقرانه المحيطين به و يعقد المقارنات بينه و بينهم.

 

3- الحدث في القانون.

 

أ - المفهوم القانوني للحدث.

 

الحدث في القانون هو الشخص الذي لم يبلغ سن الرشد الجزائي ، و يقصد به الفئة العمرية التي حددها القانون و اعتبر أفرادها من الأحداث، و نجد أن تحديد فترة الحداثة تختلف باختلاف التشريعات خاصة فيما يتعلق بالسن الأدنى لهذه الفئة ، فبعض التشريعات تحددها بسبع سنوات و أخرى بثماني سنوات ، في حين تذهب تشريعات أخرى إلى عدم تحديد السن الأدنى للحداثة كالتشريع الفرنسي و الذي يتبعه التشريع الجزائري و الغاية من ذلك تكمن في إمكانية اتخاذ الإجراءات الإصلاحية و الوقائية بالنسبة لجميع الأحداث الجانحين.

 

ب- الحدث في القانون الجزائري.

 

يعتبر التشريع الجزائري أن الحدث هو الشخص الذي لم يبلغ سن الرشد الجزائي المحدد بثمانية عشر سنة كاملة و ذلك يوم ارتكابه للجريمة و ليس يوم المحاكمة (المادة 442 – 443 ق.إ.ج.ج) وقد قسم القانون الجزائري الأحداث إلى فئتين:

 

·     الحدث دون 13 سنة: إن الحدث الذي يقل عمره عن 13 سنة لا يجوز الحكم عليه بعقوبة و يكون فقط محل تدابير الحماية (المادة 446 ق.إ.ج).

·     الحدث مابين 13 سنة و 18 سنة : يخضع القاصر في هذا السن لتدابير الحماية و التهذيب أو لعقوبات مخففة و هذا ما أجازه المشرع لجهة الحكم إذا ما رأت لذلك ضرورة ، إلا أنه في هذه الحالة يستفيد من العذر المخفف لسن الحداثة وهو نصف العقوبة المقررة للراشد ، فإذا كانت العقوبة المقررة للجرم المرتكب في حالة إتيانه من طرف شخص بالغ (راشد) هي الإعدام أو السجن المؤبد ، فإن العقوبة المقررة للحدث المرتكب لنفس الجرم هي الحبس من 10 إلى 20 سنة . أما إذا كانت العقوبة بالنسبة للبالغ هي السجن المؤقت فإن القاصر أو الحدث يحكم عليه بنصف المدة.

 

 

 

 

 

المطلب الثاني:     مفهوم الجنوح.

 

 

1- الجنوح في علم الاجتماع و علم النفس.

 

يرى علم النفس الاجتماعي أن السلوك المنحرف أو الجانح هو السلوك المتناقض مع قيم المجتمع و المخالف لها ، أي أنه السلوك الغير متوافق مع المفاهيم السائدة في المجتمع ، لذا فإن التقييم الاجتماعي للسلوك بأنه سوي أو غير سوي يستند إلى السلوك المعياري المرتضى أو المتفق عليه من طرف أغلبية الأفراد في المجتمع، فأي اضطراب أو خلل في عملية النشأة أو التطبع الاجتماعي يساهم في دفع الفرد نحو السلوك المنحرف الذي يفسره علماء النفس الاجتماعي بأنه التمرد العلني على قيم المجتمع .

 

وفي هذا الإطار يرجع كبار علماء النفس السلوك المنحرف إلى جملة من الدوافع و العوامل الأساسية ، حيث يرى فرويد أن هناك دافعين أساسيين وراء السلوك المنحرف وهما دافع الجنس و دافع العدوان. كما حدد "كارن هورني" ثلاثة مظاهر تحليلية للسلوك المنحرف و هي :

 

-      إحساس الحدث بعجزه أمام ضغوط محيطه.

-   انسحابه بعيدا عن الغير و الاندفاع بشكل عدواني ضد الغير أو السير دون تفكير  وتبصر مع الغير.

-      التعبير بالعدوان على شعور الشخص بالعداء و الاحتقار و التجاهل لكيانه.

 

أما Guril burt فيرى أن الجنوح هو حالة تتوافر في الحدث كلما أظهر ميولات مضادة للمجتمع لدرجة خطيرة تجعله أو يمكن أن تجعله موضوعا لإجراء رسمي.

 

 

 

2- الجنوح في القانون.

 

ينظر رجال القانون إلى الجنوح بأنه سلوك متمرد و عدواني يعود بالضرر على صاحبه و على المجتمع و هو متعارض مع القانون المنظم للعلاقات بين أفراد هذا المجتمع ، و يولي القانونيون اهتماما كبيرا بالدوافع لارتكاب الانحرافات (الجنوح) ويعتقدون أن العقاب لا بد منه شرط أن يكون بهدف التقويم و الإصلاح و إعادة التربية كما يعتقدون أن الخروج على القانون إذا كان أثره كبيرا و ضرره بالغا وجب أن يتم وضع حد له حرصا على الحفاظ على المصلحة العامة حيث يكون ردع الشخص المتسبب عبرة لسواه ، و يطاله العقاب سواء في أمواله عن طريق دفع الغرامات التي تفرض عليه و يجبر على أدائها ، أو يطال حريته بسجنه و قد يطال حياته من خلال إعدامه و التخلص منه ز من شره نهائيا ، أو يطال جسمه من خلال عقوبات البتر (القطع) لأحد أطرافه أو جلده وهذا بالنسبة لبعض المجتمعات.

 

أما التعريف المتداول للحدث الجانح حسب القانون فهو "الحدث في فترة بين سن التمييز و سن الرشد الجنائي الذي يثبت أمام السلطة القضائية أو سلطة أخرى مختصة ، أنه قد ارتكب إحدى الجرائم أو تواجد في إحدى حالات الخطر التي حددها القانون" و المشرع الجزائري عرف الجنوح على أنه ارتكاب حدث يقل سنه عن 18 سنة لجريمة يعاقب عليها قانون العقوبات .

 

3- الفرق بين الجنوح و الانحراف.

 

بتناولنا لمفهوم كل لفظ (الجنوح و الانحراف) نجد أن الانحراف أوسع و اشمل من مفهوم الجنوح ، فالجنوح هو السلوك الذي يقع تحت طائلة القانون لأن فيه اعتداء عليه و هو السلوك الذي إذا ارتكبه الكبار البالغون يعاقبون عليه أي أنه سلوك مجرم. أما الانحراف فإنه يشمل بالإضافة إلى الجنوح أنماطا سلوكية أخرى ربما غير مجرمة لكنها تؤثر على الطفل و تهيئه لأن يصبح جانحا فيما بعد ، كما نرى أن الانحراف ينقلب على صاحبه باللوم و الازدراء من الغير دون أن يتطور اللوم إلى العقاب الجزائي.

المبحث الثاني: عوامل جنوح الأحداث.

 

من الطبيعي أن تفرض علينا دراسة جنوح الأحداث معرفة عوامل و أسباب هذا الجنوح و هذا قصد الوصول إلى سبل و أساليب الوقاية منه أو علاجه لأنه لا يمكن الوصول إلى الدواء ما لم يتم تشخيص الداء ، و عوامل الجنوح هنا ليست تلك العلاقة السببية اللزومية بين المقدمة و النتيجة أي أن العوامل التي سوف نتطرق إليها لا تؤدي بالضرورة إلى الجنوح وإنما هي علاقة ارتباط احتمالي بين المقدمة و النتيجة.

 

وقد تتمثل هذه العوامل في الظروف النفسية أو الحسية التي يمر بها الحدث أو تكون حالة أو واقعة صادفته ، كما قد تكون تلك الظروف المحيطة به في حياته اليومية منذ الصغر ، و العنصر المشترك بين هذه العوامل باختلافها هو تدخلها في تهيئة الحدث لارتكاب السلوك الإجرامي ، و بهذا المفهوم تعددت تقسيمات الفقهاء القانونيين لهذه العوامل حسب طبيعتها إلا أننا نأخذ في هذا البحث بتقسيمها إلى مجموعتين : العوامل الشخصية و العوامل التربوية و الاجتماعية.

 

المطلب الأول : العوامل الشخصية.

 

1-        العوامل النفسية.

 

تعرضت مدارس علم النفس المعاصرة لتحليل و دراسة مراحل تطور الإنسان منذ طفولته قصد تفسير سلوكه بشقيه الطبيعي و الجانح، وفي هذا المجال نجد أن الطبيب النفساني النمساوي فرويد قسم شخصية الفرد إلى ثلاثة عناصر هي الذات الدنيا، الذات الوسطى و الذات العليا، بحيث يفسر الذات الدنيا في اصطلاحه بالجزء الغريزي من الشخصية و الذي يمثل الروح الشهوانية التي هدفها تلبية و إشباع الغرائز الفطرية التي أوجدها الخالق في الإنسان منذ بداية حياته، وذلك بشكل لا شعوري و ليس له اتصال بالحقيقة أو العقل و حتى بالمنطق ، و بالتالي فإن هذا الجزء (الذات الدنيا) في الشخصية ليست له القدرة على التفكير المتعقل و هدفه الرئيسي هو إيجاد منفذ لدوافعه الغريزية قصد إشباعها دون أية اعتبارات أخرى.

 

أما العنصر الثاني في الشخصية الإنسانية فهو الذات الوسطى وهو الجزء الواقعي أو الشعوري و الذي ينشأ و ينمو من الذات الدنيا من خلال احتكاك الطفل بمحيطه الخارجي حيث يبدأ بتمييز نفسه عن غيره فتزداد رغباته و تتشعب و لكنه يجد نفسه عاجزا عن تحقيقها كلها ، فينشب صراع بين غرائزه وبيئته و بذلك يقوى شعوره بذاته و تتكون شخصيته، فنلاحظ أن الذات الوسطى تجاهد دائما في سبيل العدل و الحق و الخير و تقع تحت ضغط الشهوة النفسية (الذات الدنيا) من جهة وقسوة الضمير (الذات العليا) من جهة ثانية.

 

والعنصر الثالث في تشكيل الشخصية هو الذات العليا (الضمير) والذي يمثل معايير الفرد و قيمه و مبادئه و مثله العليا ، فهو السلطة العليا في الإنسان فإذا لم يستجب الفرد لندائه يعاقب عن طريق قوة داخلية من خلال الشعور بالذنب و كراهية الذات و نبذها ، و يعطي "فرويد" أهمية كبرى لنمو الضمير في نضج الفرد.

 

ومن هذا المنطلق فإن الطفل أو الحدث الجانح يرتكب أفعاله المخالفة لسلوك الجماعة مدفوعا بمشاعر ذنب شديدة ناتجة عن الضمير ، فسوء تكوين الذات العليا لدى شخصية الطفل حسب فرويد دائما يجعله يبقى متعلقا بأمه و مشحونا بنوايا عدوانية عن غير وعي تجاه أبيه مما يولد لديه مشاعر ذنب وخوف من انتقام الأب وهكذا يتكون لديه ضمير عنف وانعدام العلاقات العاطفية.

 

من جهة أخرى قد يصاب الطفل بأمراض نفسية فتلجأ شخصيته إلى محاولة حماية نفسها و عندما يتعذر عليها التوفيق في ذلك تبدو عليه الهستيريا و القلق و الوسواس...الخ، و المصاب بهذه الأمراض لا يبدو عليه أي خلل عضوي كما هو الحال في الأمراض الجسدية ، كما أنها تختلف عن الأمراض العصبية التي تنتج عن إصابات في المخ.

 

2-         العوامل البيولوجية

 

اهتم علماء الإجرام وعلى رأسهم "سيزار لمبروزو" بالعوامل البيولوجية وتدخلها في تشكيل شخصية المجرم و سلوكه المنحرف ، حيث اعتبر أن توفر بعض الصفات أو السمات في الطفل منذ صغره هو مؤشر على أن يصبح فيما بعد من الجانحين أو المجرمين ، و قد خلص هذا العالم في دراسته إلى أن الصفات الجسمية للطفل و المتمثلة في الطول ، الوزن ، طول الذراعين و الساقين، القدمين شكل الجمجمة، حجم الوجه، الأنف، الشفتين ، الحاجبين ...الخ، إذا كانت وفق أشكال معينة و تتوفر فيها بعض الصفات فإنها تكون بمثابة علامات مسبقة تدل على أن حاملها يرجح أن يميل إلى الإجرام.

 

ومن جهة أخرى فإن نقص أو عدم اكتمال النمو العقلي للشخص سواء لعوامل وراثية أو نتيجة أمراض عضوية تؤثر على جهازه العصبي يؤدي إلى نقص الذكاء وضعف مستوى أدائه وقد يكون كذلك عاملا من العوامل المساعدة على إتيان السلوكات المنحرفة و بالتالي الميل للإجرام.

 

 

المطلب الثاني: العوامل الاجتماعية

 

يعتبر العالم "فيري" صاحب الفضل في لفت انتباه الباحثين إلى أهمية العوامل الاجتماعية و آثارها في الإجرام ، حيث يرى هذا العالم أن الجريمة تنتج عن أسباب و هي بدورها تسبب نتائج وأن قوانين العقوبات تهتم فقط و بصورة جزئية بنتائج الجريمة و هي ليست كفيلة بمعالجة أسباب الجريمة وأن علاج الأسباب التي تدفع الناس إلى اقتراف الجرائم هي في الأصل خارجة عن إطار قانون العقوبات بل يختص بها في الواقع القانون المدني و التشريع الاقتصادي و كذا التنظيم المدرسي والمنهج التربوي لأن كل هذه الجوانب وفي جميع مراحل حياة الفرد هي التي تشكل وتكون أحد أو بعض أسباب و تهيئ الظروف للجرائم سواء بتأثير مباشر أو غير مباشر ، لذلك اهتمت العديد من النظريات بموضوع الانحراف أو الإجرام والعوامل المسببة له من النواحي الاجتماعية ، البيئية و الثقافية و طبيعة العلاقات السائدة في المجتمع و رصيده العقائدي و عاداته و تقاليده ، و من أكثر هذه العوامل تأثيرا على السلوك الفردي نذكر ما يلي:

 

 

1-   الأســـرة

 

تعتبر البيئة الأولى التي يجد الإنسان نفسه فيها منذ ولادته ، و بالتالي لا يختلف اثنان في خطورة الدور الذي تلعبه البيئة الأسرية في تربية الحدث و تنشئته فهي المكان الأول الذي يحتضنه و البيئة الأولى الناقلة للثقافة الاجتماعية إليه.

 

و هذا التأثير القوي للأسرة يمكن أن يكون في الاتجاه السليم المؤدي إلى السلوك القويم و طريق النجاح، كما يمكن أن يكون عكس ذلك ، و بالرغم من عدم وجود علم حقيقي يهتم بتنشئة الأطفال و يحدد الواجبات الملقاة على عاتق الأسرة لجعل هذه التنشئة تقوم على أساس سليم و يهيئ الطفل لتحمل مسؤولية المستقبل فقد أورد الباحث الاجتماعي "Meriem van waters" وصفا دقيقا للأسرة المثالية التي تستطيع أن تلعب دور التنشئة الاجتماعية بدون خطر على سلوك الطفل حيث قــال "على الأسرة واجبات تقوم بها إزاء الصغار فهي تأويهم و تطعمهم بشكل مريح دون أن تسبب لهم أنواع القلق المبكر و تساعد الطفل على أن يكون في صحة حسنة وحيوية و أن يحضى بالاحترام الاجتماعي و تعلمه كيف يحترم نماذج السلوك الاجتماعي و كيف يستجيب بشكل ملائم لمواقف الإنسانية التي تحدث انفعالات كبيرة مثل الخوف والغضب و أن تعد الطفل للعيش مع الآخرين من جنسه و في دائرته الصغيرة التي تقوم على علاقات بسيطة من الشفقة و العطف مع تعويده في الوقت المناسب على أن يستقل بنفسه ولا يضل عالة على الأسرة".

 

 

أ- سوء الأخلاق داخل الأسرة

 

كثير من الجانحين هم نتاج للأسرة التي يسودها الخلق الساقط و تنعدم فيها القيم الروحية و المثل العليا ، و مثل هذه الأسر تكون الحياة فيها مجردة من معاني الشرف و الفضيلة و السلوك الطيب ، و تصبح فيها الجريمة و سوء الخلق أمورا عادية لا يحس معها أفرادها بمعنى الخطيئة ، فإذا أدرك الحدث أن أباه سارق أو قاتل أو تاجر مخدرات أو سكير مثلا أو أن أمه خليعة أو بائعة هوى فإنه تتحطم فيه المقومات الأساسية و تضعف فيه القوى الرادعة فيتجه بدوره بأفكاره نحو الرذيلة وعدم احترام القانون و يعمد إلى محاكاة أفعال والديه بصورة شعورية أو غير شعورية ، فالأسرة هنا مجسدة في الأبوين أو الإخوة الكبار هي القدوة و الطفل قبل أن يتعلم يقلد سلوكهم.

 

فالسلوك الأبوي السيئ ينتج عنه نقص في التماسك العائلي و نقص في الرقابة الأبوية و هذا له علاقة وطيدة بانحراف الأحداث في كثير من دول العالم و في الجزائر.

 

ب- التفكك الأسري

 

و تنتج هذه الحالة عن انفصال الزوجين عن بعضهما بالطلاق أو ما في حكمه أو هجر العائلة من أحد الزوجين ، و تتفاقم مشكلة التفكك الأسري أكثر في حالة الطلاق بزواج أحد الوالدين أو كلاهما من زوج آخر ، حيث تحل زوجة الأب محل الأم و يحل زوج الأم بديلا عن الأب فيجد الطفل نفسه في وضعية لا يشعر فيها بعاطفة حقيقية تجاه أي طرف منهما ، و قد يتمثل التصدع الأسري في سوء علاقة الوالدين مع بعضهما البعض وما يصاحب ذلك من خلافات و صدامات و ما لها من أثر سيء على نفسية الحدث فضلا عن انشغال الوالدين عنه إن طوعا أو كرها، و هذا ما يؤدي بالطفل إلى كره الوجود في الأسرة لإحساسه بالنقص و بكونه غير مرغوب فيه أو ربما لشعوره أنه هو السبب في هذه الحالة التي تعيشها أسرته فتتولد لديه ميولات لإتباع السلوك المنحرف قصد الخروج عن هذه الأجواء و نسيانها.

 

ج- ارتفاع عدد أفراد الأسرة

 

بالرغم من عدم إمكانية الجزم بأن الأسرة ذات العدد الكبير من الأولاد هي عامل من عوامل الانحراف أو الجنوح ، إلا أن ذلك يتوقف بشكل كبير على ظروف هذه الأسرة ، فاختلاف القدرة الاقتصادية للأسرة و الوسط الذي تعيش فيه مثلا إن كانت في بيئة زراعية أو ساحلية أو حضرية أو غيرها ، ففي بعض هذه الحالات قد تكون زيادة عدد الأبناء بمثابة عامل اقتصادي ايجابي حيث يفيد ارتفاع عدد الأطفال في القيام بمختلف الأعمال الفلاحية أو الصيدية بما يسمح برفع مداخيل الأسرة وتحسين ظروفها المعيشية ، و العكس يقال بالنسبة لأسرة تعيش في بيئة حضرية وعائلها دخله محدود بما ينعكس على ضعف القدرة على الرعاية الجيدة لأبنائه و ربما انشغاله عنهم.

 

د- الأساليب التأديبية و معاملة الآباء لأبنائهم

 

لقد بينت الدراسات أن للطرق التأديبية أو أساليب معاملة الآباء لأبنائهم تلعب دورا كبيرا في صناعة و تشكيل سلوك هؤلاء ، حيث تبين أن استعمال طريقة العقوبة الجسدية كأسلوب تأديبي كان له علاقة وطيدة بجنوح الأحداث في الجزائر  حيث أفادت نفس الدراسات أن أغلب الجانحين كان آباؤهم يستعملون معهم وسلية الضرب بينما أغلب الأسوياء كان آباؤهم يستعملون معهم أسلوب المنطق و التفهيم وأن هؤلاء كانوا أكثر اهتماما بتأديب أبنائهم مقارنة مع آباء الجانحين.

نتائج الدراسات المذكورة بينت و أثبتت أن طريقة الضرب غير سليمة للتأديب حيث تقضي على الحب و الثقة في النفس و روح الإبداع ، و هذه شروط ضرورية لبناء شخصية سوية للطفل ، و استعمال الضرب يرجع إلى واقع الأسرة العربية بصفة عامة و الجزائرية بصفة خاصة حيث يرى الدكتور هشام شرابي في دراسته للعائلة و التطور الحضري في المجتمع العربي أن التعليم كما يجري في إطار العائلة أو خارجها يتميز بصفتين رئيسيتين فهو من جهة يقلل من أهمية الإقناع والمكافأة و من جهة أخرى يزيد من أهمية العقاب الجسدي و التلقين ، و الواقع أن الطاعة في العائلة العربية هي نتيجة الخوف أكثر مما هي نتيجة الحب و الاحترام.

 

ومن بين أهم الأسباب لعدم معرفة الآباء للأساليب المناسبة لمعاملة أبنائهم و حسن تربيتهم و بالتالي حمايتهم من الانحراف انتشار الأمية في أوساطهم ، و في هذا السياق بينت الدراسات أن الأغلبية الساحقة من آباء و أمهات المنحرفين كانت من الأميين ، فكثير من الآباء الأميين جاهلون لاستعمال الطرق التربوية السليمة و غير واعون بالآثار السيئة للضرب و عدم المراقبة و الصراعات العائلية على أولادهم.

 

2-   المدرســـة

 

تلعب المدرسة دورا مميزا في حياة الحدث ليس فقط لوصفها قوة وقائية يمكن أن تحول بين الحدث و الجنوح أو كقوة علاجية يمكن أن تلعب دورا ناجحا في تقويمه إذا جنح، لكن لكونها أيضا سبب في خلق بعض حالات الجنوح ، و لا غرابة في ذلك فهي البيئة الخارجية الأولى التي يصادفها الحدث بعيدا عن بيئة أسرته، حيث يجرد فيها من الاطمئنان العاطفي الذي نشأ عليه داخل أحضان أسرته و يلتقي فيها بأصناف غير محددة من الأطفال الذين نشأوا في بيئات متباينة و يحملون نزعات وأهواء مختلفة لا يستبعد أن يكون منهم الجانح أو من هو في طريق الجنوح كما يلتقي فيها بمن سيلعبون دورا كبيرا في توجيه و بناء شخصيته بعد والديه و هم معلموه، وهنا تلعب المخالطة و المحاكاة دورها البارز في تحديد معالم شخصيته فالمدرسة إذن هي المحك الأول الذي تقاس به قدرة الحدث و عدم قدرته على التكيف مع مجتمع يسوده النظام و القواعد الملزمة التي يتعرض للعقاب من يخالفها و ذلك بواسطة سلطة أخرى غير سلطة والديه ، و فيها (أي في المدرسة) يتذوق لأول مرة طعم القوة التي تسود العالم الخارجي مقارنة بمجتمعه العائلي الصغير حيث يتعرض فيها لأنواع من العقوبات و الجزاءات لم يألفها من قبل إذ يجد أنه حتى والديه عاجزين عن حمايته منها ، فنظرا لهذه التجربة الجديدة لا بد أن تكون المدرسة ذات أثر فعال في سلوكه وفي بناء شخصيته.

 

 

3-   مخالطة أوساط المنحرفين

 

من المتفق عليه أن الاختلاط مع المنحرفين هو عامل مهم في التأثير على الصغار و جرهم إلى الانحراف ، و قد أثبتت العديد من الدراسات ذلك ، فمثلما يتم تقليد السلوك الحسن فإن السلوك السيئ يعلم و يقلد من خلال الأطراف الذين يحتك بهم الحدث انطلاقا من الإخوة و الأخوات ، الأقارب و الأصدقاء وصولا إلى أبناء الحي الذي يقيم فيه ، و يكون هذا العامل أكثر خطورة خاصة بالنسبة للطفل الذي غادر المدرسة مبكرا ووجد نفسه في جو من الفراغ وسط أبناء حيه فهو في هذه الحالة في جاهزية ليتلقى منهم كل أنواع العادات الانحرافية.

 

4-    البيئة السكنية (الأحياء الهامشية)

 

إن للأحياء الهامشية و هي تلك الأحياء الفوضوية المشكلة غالبا من البيوت القصديرية و التي نجدها عادة محيطة بالمدن الكبرى ، و ما فيها من تكدس سكاني الازدحام و غياب شروط الصحة و كثرة الطبقة الاجتماعية الدنيا من فقراء و حرفيين بسطاء علاقة وطيدة بمشكلة الجنوح ، فقد وجد علماء الاجتماع في دراساتهم لتأثير التوزيع السكاني في المدن الكبرى على ظاهرة الجنوح أن هذه الأحياء هي المناطق الأكثر توليدا للجنوح ، حيث أن أغلبية الأحداث الجانحين في المدن يأتون من مثل هذه الأحياء المتميزة بكثرة الانهيار المعنوي و التفكك الخلقي حيث أصبح يطلق عليها اسم مناطق الانحراف.

 

 

 

المطلب الثالث : حجم ظاهرة الجنوح في الجزائر و أسبابها.

 

1- تقييم الظاهرة

 

 

 

إن تقييم ظاهرة جنوح الأحداث في الجزائر يتم بالدرجة الأولى من خلال الإحصائيات الجنائية أي إحصائيات القضايا التي يتورط فيها الأحداث و التي تسجل على مستوى مصالح الشرطة أو الدرك الوطني ، و هذه الإحصائيات لا يمكن أن تعكس الحجم الفعلي للظاهرة و هذا راجع إلى كتمان المجتمع لعدد كبير من حالات السلوكات الانحرافية المعاقب عليها و عدم التبليغ عما يرتكبه الأحداث و هذا ما يؤدي إلى عدم إعطاء صورة واضحة عن ظاهرة الجنوح.

 

و بالرغم من ذلك فإن المعطيات المتوفرة عن هذه الإحصائيات تنذر بأن المجتمع الجزائري أمام كارثة حقيقية تهدد مستقبل أجياله و على سبيل المثال لا الحصر فقد بلغ عدد الأطفال القصر المتورطين في مختلف الجرائم سنة 2006 11062 طفلا ، و هو رقم يأخذ منحى تصاعدي من سنة لأخرى ، و كمثال آخر فإنه حسب تصريح للسيد/ وزير التشغيل و التضامن الوطني نهاية شهر مارس 2007 فإن عدد الأطفال المتشردين في الجزائر و الذين تم التكفل بهم على مستوى 132 مركزا بلغ 2748 طفلا مضيفا أن الظاهرة في تزايد مستمر بالنظر إلى المشاكل التي تشهدها الجزائر خصوصا تنامي ظاهرة الفقر، و فيما يلي توزيع قضايا جرائم الأحداث التي عالجتها مصالح الشرطة القضائية على مستوى القطر الوطني سنة 2006 حسب الجنس و فئات الأعمار و طبيعة الجرائم المتورطين فيها:

 

 

 

 
عدد القصر المتورطين حسب الجنس
 
فئات الأعمار
الذكور
الإناث
المجموع
16-18 سنة
6490
178
6668
13-16 سنة
3426
142
3568
10-13 سنة
649
30
679
أقل من 10 سنوات
140
07
147
المجموع
10705
357
11062

 

- توزيع الأحداث الجانحين سنة 2006 حسب الجنس و فئات الأعمار-

 

 

 
عدد القصر المتورطين حسب الجنس
 
نتائج الإجراءات
الذكور
الإناث
المجموع
أمر إيداع
1441
12
1453
إفراج مؤقت
7591
279
7870
إخلاء سبيل
984
40
1024
قرار وضع
689
26
715
المجموع
10705
357
11062

 

- توزيع الأحداث الجانحين سنة 2006 حسب نتائج الإجراءات-

 

 

 

 

 

 
 
عدد المتورطين
 
نوع الجريمة
عدد القضايا
ذكور
إناث
المجموع
القتل العمدي
16
22
02
24
محاولة القتل العمدي
14
18
00
18
التعدي على الأصول
106
106
10
116
الضرب والجرح العمدي
1790
2685
149
2834
ض.ج.ع مفضي إلى الوفاة
01
01
00
01
إنشاء جمعية أشرار
185
328
00
328
السرقات
3396
4719
85
4804
تحطيم الممتلكات
340
542
16
558
المساس بالآداب
381
465
15
480
استهلاك المخدرات والمعلوسات
251
276
04
280
جرائم أخرى
1435
1543
76
1619
المجموع
7915
10705
357
11062

 

- توزيع الأحداث الجانحين سنة 2006 حسب طبيعة الجرائم المرتكبة-

 

أما بالنسبة للرباعي الأول من السنة الجارية 2007 ، فقد كشفت إحصائيات مصالح مديرية الشرطة القضائية أن عدد الأطفال الجانحين بلغ خلال الفترة الممتدة من 01 جانفي إلى نهاية أفريل 3467 طفل من بينهم 91 فتاة.

 

و يتضح كذلك من خلال دراسة المعطيات المتوفرة حول الظاهرة أن جنوح الأحداث في الجزائر لم يعد مرتبطا بالمدن الكبرى فقط كالجزائر العاصمة  وهران و عنابة بل اتسعت رقعته و أضحى شاملا لمختلف أنحاء الوطن بما فيها الجنوب.

2- أهم أسباب ظاهرة جنوح الأحداث في الجزائر.

 

من خلال الدراسات التي أجريت على حالات الجنوح التي شملتها الإحصائيات ، يتبن تداخل مختلف العوامل المسببة لها ، و بالرغم من اختلاف هذه الأسباب من حالة لأخرى إلا أن نفس الدراسات الإحصائية ترجع أغلب هذه الحالات إلى مختلف العوامل المتعلقة بالتطورات التي شهدها المجتمع الجزائري منذ الاستقلال في جميع الميادين الاقتصادية ، الاجتماعية ، السياسية و الأمنية و من أبرز هذه الأسباب نذكر:

-      نسبة النمو الديمغرافي العالية التي ميزت المجتمع الجزائري غداة الاستقلال و ما نتج عنها من ارتفاع لعدد الأفراد داخل الأسرة الواحدة أمام عجز هذه الأخيرة عن التكفل الجيد بأطفالها في ميدان التربية و من الناحية المادية .

-      الاكتظاظ داخل أقسام الدراسة مما أدى إلى ضعف التحصيل العلمي و تفاقم ظاهرة التسرب المدرسي التي تؤدي بالطفل إلى احتراف أعمال هامشية تجره في أغلب الأحيان إلى الإجرام.

-      النزوح الريفي نحو المدن الكبرى و ما نتج عنه من تشكيل أحياء قصديرية تفشت فيها مختلف الأمراض الاجتماعية و على رأسها البطالة و ما يشكله ذلك من بيئة ملائمة لتغذية الانحراف.

-      انصراف الأسرة عن القيام بدورها داخل المجتمع نتيجة تراجع الوازع الديني والأخلاقي و غياب الرقابة الاجتماعية التي كانت تشكل رادع لكل سلوك منحرف.

-      تأثير الغزو الثقافي و الفكري الذي صاحب التطور التكنولوجي من خلال القنوات الفضائية الأجنبية و شبكة الانترنيت خاصة بالنسبة للأطفال في سن مابين 10 و16 سنة الذين أثبتت الدراسات النفسية أنهم يتأثرون بسهولة بالعدوانية و العنف والجنس.

-      الوضع الأمني الذي عرفته الجزائر منذ بداية التسعينات من القرن الماضي و ما خلفه من آثار سلبية على نفسية الأحداث الذين كانوا ضحايا أعمال إرهابية سواء مستهم مباشرة أو مست ذويهم.

-      غياب هيئات مؤهلة للتكفل الفعلي بالأطفال المنتمين لأسر تعاني من حالات التفكك الأسري سواء ناتج عن انفصال الأبوين أو غيابهما أو وفاتهما.

-      هذه الأسباب تم سردها ليس على سبيل الحصر ، فهي أسباب تقف وراء أغلب الحالات المسجلة في ميدان جنوح الأحداث ، في حين لا يمكن إهمال دور مختلف العوامل الأخرى التي تم ذكرها آنفا سواء بدخولها كعوامل مساعدة تضاف إلى هذه الأسباب أو بمساهمتها لوحدها في حالات جنوح مستقلة.  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثالث : الوقاية من الجنوح و علاجه.

 

المطلب الأول :  الوقايــة

 

1- مفهوم التدابير الوقائية :

 

هناك مفهومين مختلفين للتدبير الوقائي ، الأول يعني أنه إجراء يواجه خطورة كامنة في شخص ليدرأها عن المجتمع أي منع الشخص من إخراج الخطورة الكامنة بداخله و بالتالي حماية المجتمع من الضرر الذي قد يلحقه به، أما الثاني فيرى أن التدبير هو وسيلة للحماية أو الوقاية لمنع المجرم من العودة إلى الإجرام مرة أخرى بعد أن يكون قد سبق له القيام به، و واضح مما سبق أن هذين التعريفين يكملان بعضهما البعض و هو ما يبرزه جانب كبير من الفقه الفرنسي في تعريفه للتدبير بأنه إجراء للاحتياط و الوقاية الاجتماعية يهدف إلى منع عودة المجرم للجريمة أو الإبقاء على الحالة الخطرة في حالة سكون و لا يختلف عن ذلك كثيرا تعريف آخر في الفقه الفرنسي بأنه (أي التدبير) إجراءات فردية إجبارية على الأفراد الذين يمثلون خطورة على النظام الاجتماعي بهدف تفادي إجرامهم المحتمل.

 

و يذهب في نفس الاتجاه تقريبا التعريف الذي جاء به القانونيون البريطانيون للتدابير الوقائية بأنها العمل المنظم الذي يهدف إلى التكييف المتبادل بين الأفراد و بيئتهم الاجتماعية ، و يشمل جهود الحكومات و المنظمات لتوفير كافة الخدمات الاجتماعية و التعليمية و الصحية و الترفيهية و التشريعية التي تجنب الإنسان المحن والنكبات و تحمي الفئات المحرومة من الاستغلال و الانحراف.

 

2- دور المحيط في الوقاية من الانحراف.

 

أ- رعاية الأسرة و حماية أبنائها : كما سبق و أن أشرنا في المطلب الثاني من المبحث الثاني فإن للعائلة دور مهم في نمو و تفتح الطفل على محيطه الخارجي و لا يمكن لهذا الدور أن يتم على أكمل وجه و يعطي النتيجة الإيجابية المرجوة منه ما لم تبذل جهود حيال الأسرة كخلية أساسية في المجتمع بما يضمن تماسكها بقيام الأم و الأب بدوريهما المتكاملين في جو من الاحترام المتبادل بين الكبير و الصغير ، فقد بينت الدراسات عدم تعرض أي فرد من الأسرة المتماسكة للجنوح حتى في بعض الحالات التي بلغ فيها عدد أفرادها أكثر من ثلاثين فرد نظرا للعلاقات العائلية المتينة بينهم و حرص الآباء على حسن الرعاية و الإعداد للمستقبل.

 

و نتيجة لذلك نجد أن المشرع الجزائري يؤكد أن معاقبة الأبوين ليس فيها أي إخلال بالعدالة أو بمبادئ المسؤولية الجنائية، ذلك أن ولي الأمر في حالة تقصيره يكون مرتكبا لجريمة سلبية هي جريمة الإهمال في رعاية الحدث المشمول بولايته لأن إقبال الأحداث على الجنوح يعود في الغالب إلى تقصير الوالدين في أمور التربية والتوجيه و سوء المعاملة و هو ما تطرقت له المادة 330 من قانون العقوبات الجزائري.

 

ولعل قانون الأسرة الجديد من شأنه كذلك أن يعطي فرصة لتدارك النقائص المسجلة في القانون السابق لا سيما في مجال الحقوق المشروعة للمرأة كزوجة و كأم جديرة بضمان أمنها المادي و المعنوي من بعض الأزواج الذين لا خلق لهم و لا يولون أي اهتمام للتكفل المادي بزوجاتهم و رعاية أبنائهم.

 

ب- دور المدرسة.

 

إن توفر المؤسسات التعليمية و التكوينية على القدرات اللازمة والظروف الملائمة لاستيعاب كل الذين هم في سن الدراسة أو التكوين من شأنه المساعدة على انخفاض معدلات الجنوح (و قد أثبتت الدراسات ذلك مثلا في انجلترا بانخفاض معدل الجنوح إلى الثلث في بعض المناطق بسبب الاندماج الحقيقي للتلاميذ أصحاب المشكلات السلوكية في مختلف البرامج التي أعدت خصيصا لهذا الغرض ) وقد ساعد على ذلك اكتشاف الاضطرابات السلوكية في وقت مبكر.

 

و في هذا السياق أكدت لجنة الأمم المتحدة في دورتها المنعقدة في فيينا عام 1978 على دور التربية المدنية في الوقاية من الجريمة بضرورة وضع برنامج عالمي تساهم فيه منظمة اليونسكو و سائر الوكالات المتخصصة بالتعاون مع الحكومات يرمي الى التركيز على التربية المدنية كمادة أساسية في البرامج المدرسية كونها ثقافة مستمرة تزود الطفل بما يؤهله لمواجهة مشاكل الحياة و لا سيما السلوكية منها.

 

ج- دور الإعلام.

 

للإعلام اليوم دور توجيهي و تربوي في كافة المجتمعات المتحضرة، حيث أصبح شريكا ثالثا لكل من الأسرة و المدرسة في تنشئة الأطفال و إعدادهم تربويا  وفي هذا المجال كذلك أوصت اللجنة الاجتماعية للأحداث التابعة لمنظمة الأمم المتحدة في مؤتمر مكافحة الجريمة سنة 1953 بأن تتضمن البرامج الوثائقية للأحداث في ميدان السينما ما يلائم الطفولة و يفيدها و أن يراعى في نشر المواد الفكاهية إبراز عناصر التسلية البريئة و المغزى المفيد و لا يجب أن تتضمن هذه الفكاهات بأي حال المواد التي من شأنها أن تهبط بالمستوى الأخلاقي للحدث المشاهد ، و كذا البعد عن القصص المثيرة للغريزة و تجنب عرض الجرائم بطريقة فيها سخرية من القانون أو من رجال الشرطة أو العدالة أو بطريقة فيها تحريض على التقليد، زيادة على عدم تناول حوادث الطلاق والتهدم العائلي بطريقة ساخرة تهدف إلى الفضيحة و البعد عن مهاجمة العقائد الدينية أو السخرية من الجنس أو اللون أو التقاليد.

 

المطلب الثاني: معالجة جنوح الأحداث

 

1- مراحل تطور التشريع المتعلق بالأحداث

 

إن النظام التشريعي المتعلق بالأحداث يكتسي أهمية خاصة لكون الحدث هو إنسان صغير السن تستدعى معاملته نوعا من الحرص و الحذر و الحماية معا  كما تعود هذه الأهمية كذلك إلى ما قد تستوجبه المواجهة القانونية لهذه المشكلة من إجراءات قد تبدو عنيفة أحيانا وإن حاول المشرع تخفيف وقع أثرها على الحدث سواء من حيث الشكل أو الجوهر أي من حيث الإجراء و الموضوع.

 

وقد تطور التشريع المتعلق بالأحداث في الجزائر عبر مرحلتين:

 

* المرحلة الأولى كانت قبل الاستقلال حيث لم يكن واضحا ما المقصود بالحدث الجانح في الجزائر هل هو الطفل الذي يرتكب الجرائم أو هو ذلك المتشرد التائه، أو ذلك البطل الذي يساعد الثوار ضد المستعمر ، إلا أن المهم هو أن تشريع 1954 الفرنسي المتعلق بالأحداث و المطبق آنذاك في الجزائر لم يكن له معنى لأن الحقيقة أن إعادة تربية الحدث الجانح تتم من طرف عسكريين و ما تعنيه من حجز و سجن و تعذيب

 

* المرحلة الثانية و المتمثلة في ما بعد الاستقلال ، و قد صدر أول أمر متعلق بالأحداث و الطفولة بعد الاستقلال في 14 مارس 1964 تحت رقم 64/92 حيث بقيت محاكم الأحداث تعمل حسب قانون 1954 الفرنسي قبل صدور أول أمر متعلق بالأحداث والطفولة و الذي طبق سنة 1966، و من أهم ما نص عليه هو منع تطبيق العقوبة على الجانح الحدث مهما تكن خطورة جريمته و إنما تعويضها بتدبير للحماية ، كما حدد سن انعدام المسؤولية بأقل من 13 سنة (الأمر رقم 66/135 المؤرخ في 18/06/1966).  بعده صدر الأمر رقم 69/89 المؤرخ في 17 جوان 1969 المتعلق بمنع النشاطات الطفيلية التي تعتبر من أهم الأسباب المؤدية إلى التسرب المدرسي مثل حرفة ماسحي الأحذية، ثم تميزت هذه المرحلة باهتمام أكثر بالطفولة و المراهقة بصدور عدة أوامر تنظيمية تحدد كيفية التدخل و طرق حماية الطفولة و المراهقين منها الأمر رقم 72/03 وكذا الأمر رقم 75/64 المؤرخ في 26/09/1975 المتضمن المؤسسات التي تتولى تطبيق الإجراءات التربوية المتعلقة بالأحداث و كذا الخاص بقانون العقوبات الجزائري قسم الأحداث، و بعدها صدر الأمر رقم 75/65 بتاريخ 26/09/1975 و المتعلق بأخلاق الشباب و دمجهم داخل مؤسسات حماية الأحداث الذين تقل أعمارهم عن 18 سنة ثم صدر المرسوم رقم 76/101 بتاريخ 25/05/1976 و يتضمن إحداث لجنة لوقاية وحماية الطفولة حيث بين اختصاصاتها في حماية و وقاية الأحداث من الانحراف.

 

كما صدر قانون الإجراءات الجزائية القسم المتعلق بالأحداث ثم تلاه الأمر المتعلق بحماية الطفولة المهددة بالانحراف (قسم الأحداث في قانون الإجراءات الجزائية الجزائري المواد من 442 إلى 494).

 

للإشارة هنا أن الجزائر انضمت في 19/12/1992 إلى الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل التي صادقت عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 20/11/1989.

 

2-  نظام معاملة الأحداث الجانحين في الجزائر

 

أ - على مستوى الشرطة.

بعد أن أقرت معظم التشريعات بضرورة معاملة الجانحين الأحداث والتحقيق في قضاياهم بطريقة متميزة تماما عن معاملة المجرمين البالغين ، كان لزاما على الشرطة و هي أول من يواجه الأحداث الجانحين أن تتقدم في هذا الميدان على أساس علمي سليم مسايرة التقدم و التطور الاجتماعي ، حيث بادرت منظمة الشرطة الجنائية الدولية سنة 1946 بالدعوة إلى ضرورة إنشاء شرطة خاصة بالأحداث لتقوم بدور وقاية الأحداث المعرضين للجنوح و كذا علاج الأحداث الجانحين ، أما في الجزائر فقد تقرر سنة 1974 إنشاء فرقة من الشرطة خاصة بالأحداث تتكفل بمعالجة القضايا المتعلقة بهم حيث تتواجد على مستوى كل مصلحة ولائية للشرطة القضائية فرقة لهذا الغرض تتشكل من موظفي شرطة ذكور و إناث مكونين خصيصا في هذا المجال، حيث تتولى القيام بإجراءات كل قضية يكون أحد أطرافها قاصرا سواء أكان بصفة مشتبه به (فاعل) أو ضحية أو بكونه في حالة خطر معنوي، مع ضرورة إعطاء الأهمية اللازمة للمعاملة الخاصة التي يجب أن يحضى بها القصر مقارنة بالمجرمين البالغين خاصة فيما يتعلق بإجراء التوقيف للنظر الذي لا يتم اللجوء إليه إلا في حالة الضرورة القصوى كأن يكون القاصر من المجرمين الخطيرين و أن يكون سنه أكثر من 13 سنة ، وكذا إجراء السماع الذي لا يتم إلا بحضور ولي أمر الحدث و توقيعه لمحضر السماع معه.

 

ب- على مستوى القضاء.

*- التحقيق.

الجهة المختصة: يختص بالتحقيق مع الأحداث الجانحين قاضي الأحداث أو قاضي التحقيق المختص بالأحداث ، حيث تنص المادة 449 ق.إ.ج على تعيين قاضي أحداث أو أكثر في كل محكمة . و قاضي الأحداث عبارة عن صفة تعطى لقاضي من قضاة المحكمة ليختص في شؤون الأحداث بناء على توفره على  الشروط اللازمة لذلك و على رأسها الدراية الكافية بشؤون الأحداث، و يتم تعيين قاضي الأحداث على مستوى المحكمة الواقعة بمقر المجلس القضائي بقرار من وزير العدل لمدة ثلاث سنوات و إذا تعلق الأمر بتعيينه في المحاكم الأخرى فإن ذلك يكون بأمر من رئيس المجلس القضائي بعد طلب النائب العام . و حسب نص المادة 449 إ.ج دائما فإنه يمكن كذلك تعيين قاضي تحقيق أو أكثر كقاضي تحقيق مختص بقضايا الأحداث بأمر من رئيس المجلس القضائي بعد طلب النائب العام سواء بمحكمة مقر المجلس أو ببقية المحاكم.

 

إن التحقيق مع الحدث الجانح وجوبي بالنسبة للمخالفات و الجنح والجنايات و هذا من خلال نص المادتين 452/3 و 459إ.ج ، حيث تنص المادة 453/3 على "يجب على قاضي الأحداث أن يقوم بإجراء تحقيق سابق بمجرد أن تحال إليه الدعوى..." و المادة 459 على " إذا رأى قاضي الأحداث أن الوقائع لا تكون إلا مخالفة أحال القضية على المحكمة الناظرة في مادة المخالفات..." ، و نرى أن النصين جاءا بصفة العموم مما يدل على أن التحقيق مع الحدث وجوبي مهما كانت الجريمة.

 

وكما سبق ذكره فإن هذا التحقيق يكون سواء من طرف قاضي الأحداث أو قاضي التحقيق المختص بالأحداث و ذلك بناء على طلب وكيل الجمهورية بفتح التحقيق أو شكوى مصحوبة بادعاء مدني من الطرف المضرور.

 

صلاحيات قاضي الأحداث أثناء التحقيق.

 

تنص المادة 453إ.ج أنه "على قاضي الأحداث بذل كل همة و عناية ويجري التحريات اللازمة للوصول إلى إظهار الحقيقة و التعرف على شخصية الحدث وتقرير الوسائل الكفيلة بتهذيبه، و يجري إما تحقيق غير رسمي أو تحقيق رسمي وفقا لقواعد التحقيق التي يتبعها أي قاضي تحقيق عادي مثل المثول الأول لسماع الأقوال، الاستجواب ، سماع الشهود و المدعي المدني إن وجد، كما خوله القانون إجراء بحث اجتماعي حول الحدث لجمع المعلومات عن الحالة المادية و الأدبية لأسرته، و طبعه وسوابقه و مواظبته في الدراسة و سلوكه فيها ...الخ، و أن يأمر بإجراء فحص طبي للحدث و إجراء فحص نفساني إذا لزم الأمر، كما يجوز له أن يكلف بإجراء هذا البحث المصالح الاجتماعية المختصة –المادة 454/3 ق.إ.ج.

 

أوامر قاضي الأحداث أثناء التحقيق.

 

نصت المادة 455 ق.إ.ج أنه يجوز لقاضي الأحداث أن يأمر باتخاذ إحدى التدابير الآتية بشأن الحدث و بصفة مؤقتة إلى غاية الفصل في الدعوى العمومية بحكم قطعي و هي:

- تسليم الحدث إلى والديه أو وصيه أو للمتولي حضانته أو لشخص آخر جدير بالثقة.

- وضعه في مركز للإيواء.

- وضعه في مصلحة الخدمة الاجتماعية المنوط بها معاونة الطفولة أو بمؤسسة استشفائية.

- وضعه بمؤسسة تهذيبية للتكوين المهني أو للعلاج تابعة للدولة أو لإدارة عامة مؤهلة لهذا الغرض أو مؤسسة خاصة معتمدة.

* وفقا لنص المادة 456 ق.إ.ج لا يجوز لقاضي الأحداث كأصل عام وضع الحدث دون 13 سنة في مؤسسة عقابية بصفة مؤقتة أثناء فترة التحقيق (الحبس المؤقت) ، إلا في حالات استثنائية و بشروط هي:

1- بلوغ الحدث 13 سنة.

2- إذا كان هذا التدبير ضروري أو استحال اتخاذ أي تدبير آخر مثلا إذا كان الحدث من المجرمين الخطرين.

3- أن يتم حجزه بالمؤسسة العقابية بجناح خاص و إخضاعه قدر الإمكان لنظام العزلة في الليل.

 

أوامر قاضي الأحداث عند انتهاء التحقيق.

 

عند الانتهاء من التحقيق يقوم قاضي الأحداث أو قاضي التحقيق المختص بالأحداث بإرسال الملف إلى وكيل الجمهورية لكي يقدم طلباته خلال مدة 10 أيام على الأكثر – م 457 ق.إ.ج- و بعدها يصدر قاضي الأحداث أوامر بالإحالة كما يلي:

1-   إذا تبين أن الوقائع لا تكون جناية أو جنحة أو مخالفة أو أنه ليس هناك دلائل قوية و متماسكة من شأنها التدليل على اتهام الحدث أصدر أمرا بأن لا وجه للمتابعة –م 458ق.إ.ج-.

2-   إذا تبين لقاضي الأحداث أن الوقائع تشكل مخالفة أمر بإحالة القضية على محكمة المخالفات (وهي نفس محكمة المخالفات الخاصة بالبالغين) –م 459 ق.إ.ج-

3-   إذا تبين أن الوقائع تكون جنحة أصدر أمرا بإحالتها على قسم الأحداث بالمحكمة ليقضي فيها – م 460 ق.إ.ج-.

4-   إذا تبين أن الوقائع تكون جناية أصدر أمر بإحالتها على قسم الأحداث بمحكمة مقر المجلس القضائي-م467 ق.إ.ج.

 

حالات تحقيق خاصة: حالة كون الجريمة مرتكبة من حدث و بالغين.

في هذه الحالة تنص المادتين 452/1 و 465 ق.إ.ج أن التحقيق يكون كالتالي:

1-      في حالة كون الجريمة جناية: يتم إجراء تحقيق واحد ضد الجميع "الحدث والبالغين" من طرف قاضي التحقيق ، و بعد انتهاء التحقيق يحال ملف البالغين على غرفة الاتهام ثم محكمة الجنايات أما ملف الحدث فيحال على قسم الأحداث بمحكمة مقر المجلس القضائي.

2-      في حالة كون الجريمة جنحة: كقاعدة عامة في هذه الحالة يتم الفصل بين التحقيق بشأن الحدث و التحقيق بشأن البالغين ، حيث يقوم وكيل الجمهورية بإعداد ملف خاص بالحدث يرسله إلى قاضي الأحداث للتحقيق مع الحدث، و استثناء إذا كانت الجنحة متشعبة يجوز لقاضي الأحداث أن يتنازل عن التحقيق مع الحدث لقاضي التحقيق بعد تقديم طلب مسبب لوكيل الجمهورية ، و عند انتهاء التحقيق يحال ملف الحدث الى قسم الأحداث للمحاكمة في حين يحال ملف البالغين على محكمة الجنح و المخالفات.

 

* - المحاكمة.

الجهة المختصة: تنص المادة 447 ق.إ.ج على إنشاء قسم للأحداث على مستوى كل محكمة و هذه التسمية "قسم الأحداث" جاءت بها المادة 24 من الأمر 75-46 المؤرخ في 17 جوان 1975 حيث كان يسمى في السابق محكمة الأحداث، و يتشكل قسم الأحداث من قاضي الأحداث رئيسا و قاضيان محلفان ، هذين الأخيرين يتم تعيينهما من طرف وزير العدل لمدة 3 سنوات من ضمن قائمة تعد مسبقا من طرف لجنة تجتمع لدى كل مجلس قضائي و شروط تعيينهما وفقا للمادة 450 ق.إ.ج هي:

1-      يعينان من كلا الجنسين.

2-      يبلغان من العمر أكثر من 30 سنة.

3-      يتمتعون بالجنسية الجزائرية.

4-      لديهم دراية و اهتمام و تخصص في شؤون الأحداث.

 

و مما سبق يتبين أن قاضي الأحداث هو الذي يجلس للتحقيق مع الحدث ثم يجلس كرئيس لقسم الأحداث أي أنه يمثل جهة تحقيق و جهة حكم في نفس الوقت ، مع ملاحظة اختلاف الجهة المختصة بمحاكمة الحدث الجانح حسب الحالات التالية:

 

1- بالنسبة للمخالفات: تنص المادة 459 ق.إ.ج على إحالة الحدث المرتكب لمخالفة على محكمة المخالفات (محكمة المخالفات للبالغين) ، كما تنص المادة 446 ق.إ.ج على أن هذه المحكمة تنعقد بالأوضاع المنصوص عليها في المادة 468 ق.إ.ج أي أن جلساتها تكون سرية حيث لا يسمح للعامة بحضورها إلا بالنسبة للأشخاص الآتي ذكرهم: الشهود في القضية، الأقارب القريبين للحدث، وصيه أو نائبه القانوني، أعضاء نقابة المحامين، ممثلي الجمعيات أو المصالح أو المنظمات المهتمة بشؤون الأحداث و رجال القضاء.

 

2- بالنسبة للجنح: يختص بالفصل في الجنح قسم الأحداث بالمحكمة و كذا قسم الأحداث بمحكمة مقر المجلس القضائي م 451/1 ق.إ.ج.

 

3- بالنسبة للجنايات : تنص المادة 451/2 ق.إ.ج على أنه يختص بالفصل في الجنايات المرتكبة من الأحداث قسم الأحداث الموجود بمحكمة مقر المجلس القضائي دون غيره من أقسام الأحداث الموجودة في المحاكم الأخرى.

حالة خاصة: الجرائم الموصوفة بأفعال إرهابية أو تخريبية المرتكبة من طرف الأحداث الذين بلغوا 16 سنة تختص بالفصل فيها محكمة الجنايات م 249 ق.إ.ج.

 

الأحكام التي تصدر ضد الأحداث الجانحين.

1-      بالنسبة للمخالفات: بالرجوع إلى المواد 49 ق.ع-51 ق.ع – 446 ق.إ.ج نجد أن الحدث دون 13 سنة لا يكون مسؤولا جزائيا فلا تقضي عليه محكمة المخالفات إلا بالتوبيخ البسيط . في حين يجوز ترتيب المسؤولية الجزائية على الحدث إذا بلغ 13 سنة و تكون العقوبة المقررة له على ارتكابه للمخالفة إما التوبيخ أو الغرامة –م 51 ق.ع.

 

كما يمكن لمحكمة المخالفات إذا ما رأت لصالح الحدث اتخاذ تدبير مناسب أن ترسل الملف بعد نطقها بالحكم إلى قاضي الأحداث الذي له سلطة اتخاذ أحد تدابير الحماية و التهذيب بشأن الحدث أو أن يضعه تحت نظام الإفراج المراقب.

هذه الأحكام (الغرامة) ابتدائية و يمكن استئنافها أمام غرفة الأحداث بالمجلس إذا تجاوزت الغرامة 100 دج –م 446/3 ق.إ.ج.

 

2-   بالنسبة للجنح و الجنايات : من خلال استقرائنا لنصوص المواد 49 ق.ع – 50 ق.ع – 444 ق.إ.ج نجد أن الحدث دون 13 سنة ليست له المسؤولية الجنائية سواء كانت الجريمة التي ارتكبها جناية ام جنحة فلا يحكم عليه في هذه الحالة إلا بتدابير الحماية و التهذيب المنصوص عليها في المادة 444 ق.إ.ج و لمدة لا يجوز أن تتجاوز بلوغه سن الرشد المدني المحدد بـ 19 سنة و هي:

 

1-       تسليمه لوالديه أو لوصيه أو لشخص جدير بالثقة. حيث لا يشترط القانون قبولهم بالتسليم لأنهم ملزمون بتسلمه ورعايته ، و في بعض الحالات يسلم الحدث إلى أحد والديه دون الآخر إذا كان هذا الأخير غير جدير بتربيته بسبب سوء خلقه مثلا أو حالة كونه غائبا ، أما في حالة تعذر تسليم الحدث لوالديه أو لوصيه لإحدى الأسباب المذكورة فإن التسليم يكون لشخص جدير بالثقة و على استعداد لتسلمه والقيام برعايته و تربيته والقاضي هو الذي يقدر هذه الجدارة بعد دراسة ظروف هذا الشخص و في حالة ارتكاب الحدث لجريمة بعد تسليمه أو ثبوت وجود إغفال للرقابة من طرف مستلم الحدث كالتشرد و سوء السلوك تقوم مسؤوليته و يعاقب حسب نص المادة 481 ق.إ.ج.ج.

 

2-       تطبيق نظام الإفراج عنه مع وضعه تحت المراقبة.

إن الأمر رقم 75-64 المؤرخ في 26 سبتمبر 1975 المتضمن إحداث المؤسسات و المصالح المكلفة بحماية الطفولة و المراهقة تناول في المادة 19 منه مصلحة الملاحظة و التربية في الوسط المفتوح و عرفها بأنها مصلحة ولائية تأخذ على عاتقها الأحداث الموضوعين تحت نظام الحرية أو الإفراج المراقب ، و يكون هؤلاء الأحداث إما جانحين أو في حالة خطر معنوي ، و قد تناولت المادة 478 ق.إ.ج. موضوع الإفراج تحت المراقبة حيث نصت على: " تتحقق مراقبة الأحداث الموضوعين في نظام الإفراج تحت المراقبة بدائرة كل قسم أحداث بأن يعهد إلى مندوب أو عدة مندوبين دائمين أو مندوبين متطوعين لمراقبة الأحداث. و يعين مندوب بالنسبة لكل حدث إما بأمر من قاضي الأحداث أو عند الاقتضاء من قاضي التحقيق المختص بشؤون الأحداث و إما بالحكم الذي يفصل في موضوع القضية.

 

ويقوم المندوبون للإفراج المراقب التابعين لهذه المصالح بمتابعة الأحداث الموضوعين تحت هذا النظام سواء في وسط العائلة أو في المدرسة أو الوسط المهني وتتم دراسة سلوكهم و ميولهم و كيفية استغلالهم لأوقات فراغهم وهم يدرسون كل ما يحيط بالحدث و يخطرون قاضي الأحداث بكل طارئ و يقدمون له تقارير كل ثلاثة اشهر و يمكن إفادته بتقرير في الحال إذا ساء سلوك الحدث أو تعرض لضرر أو حادث من شأنه أن يؤدي إلى تعديل التدبير طبقا للمادة 479 ق.إ.ج.ج .

 

3-      وضعه في منظمة أو مؤسسة عامة أو خاصة معدة للتهذيب أو التكوين المهني مؤهلة لهذا الغرض.

4-      وضعه في مؤسسة طبية أو طبية تربوية مؤهلة لذلك.

5-      وضعه في مصلحة عمومية مكلفة بالمساعدة.

6-      وضعه في مدرسة داخلية صالحة لإيواء الأحداث المجرمين في سن الدراسة.

 

إن الأحداث المرتكبين لجرائم ليست خطيرة و لا تتطلب اتخاذ ضدهم عقوبة الحبس أو الغرامة ، يمكن أن يكونوا محل وضع في أحد مراكز الحماية أو إعادة التربية المشار إليها أعلاه و هي مراكز تابعة لوزارة العمل و الحماية الاجتماعية، و ذلك تحت متابعة و إشراف لجنة العمل التربوي التي نصت عليها المادة 16 من الأمر رقم 72/03 كما يلي: " تنشأ لدى كل مركز اختصاصي و دار للإيواء لجنة عمل تربوي تكلف بالسهر على تطبيق برامج معاملة القصر و تربيتهم و يجوز لهذه اللجنة المكلفة كذلك بدراسة تطور كل قاصر موضوع في المؤسسة أن تقترح في كل حين على قاضي الأحداث إعادة النظر في التدابير التي سبق له أن اتخذها "، و قد نصت المادة 17 من نفس الأمر على تشكيلة هذه اللجنة و هي:

1-    قاضي الأحداث رئيسا.

2-    مدير المؤسسة.

3-    مربي رئيسي و مربيان آخران.

4-    مساعدة اجتماعية.

5-    مندوب الإفراج المؤقت.

6-    طبيب المؤسسة.

و تجتمع هذه اللجنة مرة كل ثلاثة أشهر.

 

أما إذا كان الحدث بالغا سن 13 سنة جاز لقسم الأحداث أن يحكم عليه بعقوبة جزائية سالبة للحرية مع استفادته من ظروف التخفيف الخاصة بسن الحداثة  ويكون الحكم بهذه العقوبة بشرط:

-       أن يبلغ 13 سنة.

-       أن تكون هناك حالة ضرورة كأن يكون عنيف أو خطير إلى درجة أن تركه حر يؤدي إلى ارتكابه جرائم أخرى م445 ق.إ.ج و تكون هذه العقوبة:

·       الغرامة.

·       عقوبة الحبس المخففة وفق المادة 50 ق.ع (إذا كانت العقوبة المقررة هي الإعدام أو السجن المؤبد فإنه يحكم عليه بعقوبة الحبس من 10 إلى 20 سنة و إذا كانت العقوبة هي السجن أو الحبس المؤقت فإنه يحكم عليه بالحبس لمدة تساوي نصف المدة التي كان يتعين الحكم عليه بها إذا كان بالغا).

 

ففي هذه الحالة تنفذ العقوبة في مراكز خاصة للأحداث الجانحين تابعة لوزارة العدل و تسمى بالمراكز الخاصة لإعادة التأهيل Centres spécialisés de réadaptation ، مع الملاحظة أن حبس الأحداث الجانحين الخطرين في هذه المراكز يهدف أساسا إلى إعادة تربيتهم و إدماجهم اجتماعيا طبقا لقانون 1972 المتعلق بإعادة تنظيم النظام العقابي في الجزائر ، لذلك و خلال قضائهم لمدة العقوبة بها يتلقون تكوينا أخلاقيا تربويا و مهنيا تحت إشراف لجنة إعادة التربية التي تسهر على تنفيذ البرامج المسطرة لهم ، و تتشكل هذه اللجنة وفقا لنص المادة 137 من الأمر رقم 72-02 المتضمن تنظيم السجون و إعادة تربية المساجين من:

 

  1. قاضي الأحداث رئيسا.
  2. قاضي تطبيق الأحكام الجزائية.
  3. مدير المركز.
  4. مختص نفساني.
  5. مربين مختصين.
  6. مساعد اجتماعي.
  7. ممثل عن سلطة التربية.
  8. ممثل محلي عن وزارة الشبيبة و الرياضة.
  9. ممثل محلي عن وزارة الشؤون الدينية.

 

و تجتمع هذه اللجنة مرة كل ثلاثة أشهر لتقييم برامج التكوين و دراسة إمكانية الإفراج الشرطي عن الأحداث الجانحين الذين أظهروا سلوكا حسنا في المركز ويخضع هذا الإفراج لشروط و إجراءات سواء من حيث المدة التي يجب أن يقضيها الحدث بالمركز قبل استفادته من الإفراج حيث يشترط أن لا تقل عن نصف مدة العقوبة  أو من حيث الجهة التي يحق لها طلب الإفراج و هي إما المحبوس نفسه ، مدير المركز أو قاضي تطبيق العقوبات ، و لوزارة العدل وحدها اتخاذ قرار الإفراج الشرطي و يبقى الحدث المستفيد منه تحت رقابة مساعد اجتماعي حتى نهاية مدة العقوبة و في حالة إخلاله بشروط الإفراج يستدعى الجانح لاستكمال قضاء الجزء المتبقي له من العقوبة

 

هذه الأحكام هي كذالك ابتدائية و قابلة للاستئناف أمام غرفة الأحداث خلال 10 أيام من تبليغ الحكم م 463 ق.إ.ج.

 

خصائص المحاكمة في قضايا الأحداث و تمييزها عن البالغين:

- سرية الجلسات م 461 ق.إ.ج.

- إمكانية إعفاء الحدث من حضور الجلسة مع حضوره صدور الحكم م468 ق.إ.ج.

- منع نشر ما يدور في جلسات قسم الأحداث و أحكامه م477 ق.إ.ج.

- إدخال النائب القانوني للحدث في الدعوى المدنية م 475-476 ق.إ.ج.

- الاختصاص المحلي ينعقد كما يلي:

· محكمة مكان ارتكاب الجريمة.

· محكمة مكان إقامة الحدث أو والديه أو وصيه.

· محكمة مكان العثور على الحدث.

· محكمة مكان إيداع الحدث.

 

ملاحظات:

من خلالنا دراستنا لموضوع هذا البحث ، سجلنا ملاحظات أشار إليها فقهاء القانون أهمها توجيههم لانتقادات للتشريع الجزائري المتعلق بمحاكمة الأحداث بخصوص إحالة الحدث على محكمة المخالفات للبالغين في موضوع المخالفات بالرغم من عدم دراية قضاتها بشؤون الأحداث مثلما هو الأمر بالنسبة لقاضي الأحداث ، مما جعل المشرع يجيز لها (لمحكمة المخالفات) أن ترسل الملف بعد النطق بحكمها إلى قاضي الأحداث لاتخاذ أحد تدابير الحماية و التهذيب إذا رأت في ذلك مصلحة للحدث ، و يرى نقاد هذا الإجراء أنه كان من الأجدر أن يختص قاضي الأحداث بكل القضايا بما فيها المخالفات.

نفس الانتقاد وجه لموضوع إحالة الحدث البالغ 16 سنة المرتكب لجناية الأفعال الإرهابية و التخريبية على محكمة الجنايات حيث ينظر في قضيته قضاة ليس لهم صفة قاضي الأحداث.

من جهة أخرى نرى أن قانون الإجراءات الجزائية لم يتضمن نصوص بشأن معاملة الحدث من طرف الضبطية القضائية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

- الخـاتمـة-

انطلاقا من كون الثروة البشرية هي الثروة الحقيقية للمجتمع و التي تفوق أهميتها بكل تأكيد أهمية الثروة المادية و بخاصة إذا كانت متعلمة و مدربة و واعية لدورها المتوقع في تنمية المجتمع ، لأنه لا يمكن بدون هذه الثروة كشف الثروة و الموارد المادية و لا الاستفادة منها و حسن استثمارها و توظيفها، ، و نظرا لما لعنصر الشباب من أهمية خاصة تفوق أهمية العناصر الأخرى للثروة البشرية بسبب ما تتميز به هذه الفئة من إقبال على الحياة و سعة في الآمال و الطموحات و التحمس لقضايا المجتمع والاستعداد للتضحية في سبيل قضاياه ، فإنه و من أجل زيادة هذا الدور فعالية وجب توفير الرعاية الصالحة و التوجيه الحكيم على أيدي جميع الأطراف المتدخلة في هذا المجال .

 

 إن أفضل علاج لظاهرة الجنوح ليس تلك التدابير و الإجراءات التي تتخذ ضد الحدث الجانح بعد إتيانه للسلوك الجانح أو عند تواجده في حالة الخطر المعنوي و الاجتماعي وإنما هو الوقاية الأولى من هذه الظاهرة قبل لمنع تهيئة الظروف المساعدة على الوقوع فيها ، و بالتالي فإن الوقاية تحقق نتيجتين في آن واحد : أولا تفادي وصول الأطفال إلى مرحلة الجنوح و ثانيا تجنب البحث عن الحلول و الإجراءات العلاجية للجنوح في حالة الوقوع فيه.

 

إن صلاح النشء و فعاليته يتوقفان بدرجة كبيرة على مدى حسن الرعاية و التربية السليمة في المراحل الأولى له أي في مرحلة الطفولة ، لأنه في حالة العكس فإن الشباب قد ينقلب إلى عامل هدم و اضطراب و يشكل عبئا ثقيلا على المجتمع  فالتربية والرعاية ضرورة فردية و اجتماعية في نفس الوقت.

 

إن رعاية الشباب لا بد أن تشمل جميع الظروف و العوامل و العمليات والخدمات التي تهيئها أو تقوم بها مؤسسات الرعاية و التربية بهدف صقل مواهبهم وتنمية استعداداتهم من أجل إعداده للمسؤوليات الاجتماعية و الوطنية .

 

إن الرعاية على الشكل الصحيح لا يمكن أن تتم إلا بالاعتماد على الدراسات العلمية التي تمكن من التعرف على احتياجات الشباب و مشكلاته، و حتى تكون مثمرة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الخصائص و الصفات البارزة لهذه الفئة و توظيفها لتكون خادمة لأهداف المجتمع و متماشية مع قيمه.

 

إن الطرف الأول المعني برعاية الأطفال و الشباب هو الأسرة و بالتالي يجب توعيتها و رعايتها بدورها و تدعيمها و مساعدة الفقيرة منها لتأمين أحسن الظروف لتنشئة أطفالها، و هذا من منطلق أن جنوح الأحداث في الجزائر هو جنوح عوز واحتياج لأنه مرتبط في غالب الأحيان بالعوامل الاجتماعية و الاقتصادية حيث أثبتت الإحصائيات أن أعلى نسب الجرائم المرتكبة تتعلق بالسرقة و أن أغلب الأحداث الجانحين منحدرين من أسر فقيرة و بالتالي فإن هؤلاء ليسوا مجرمين بل يعتبرون ضحايا للظروف السابق ذكرها.

إن دور الأسرة لا يكتمل إلا بتضافر أدوار الأطراف الأخرى كوسائل الإعلام و المدرسة و غيرهما التي يجب أن تؤدي دورها كذلك في تربية النشء تربية سليمة من خلال محاربة مخاطر التصدع و الانحلال و تأثيرها على كيان الأسرة.

 

و لا يمكن تجاهل دور الدولة في هذا المجال ، فهي مطالبة في إطار العمل الوقائي المسبق من الجنوح بأن تجد الحلول لظاهرة انتشار البيوت القصديرية ، الحد من ظاهرة النزوح الريفي بتوفير شروط الحياة الكريمة في الأرياف و هذا من خلال الاعتماد على برامج تنموية تأخذ في الحسبان هذا الجانب.

 

من خلال ما سبق و في الأخير نشير أن ظاهرة جنوح الأحداث هي نتاج العوامل المشار إليها و التي تعتبر عوامل مهيئة للوقوع في الظاهرة وليست أسباب مباشرة لها ، و بالتالي فإن معالجة هذه الظاهرة قبل أن تكون من دور الشرطة و قضاء الأحداث فهي بالدرجة الأولى مسؤولية مشتركة بين جميع الأطراف التي ينشأ الطفل في وسطها بدءا من الأسرة مرورا بالمدرسة و المحيط الاجتماعي وصولا إلى السلطات لأن قيام كل طرف بدوره على أكمل وجه من شأنه أن يقلص من حجم الظاهرة إن لم نقل الحد منها نهائيا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قائمة المراجع:

 

- كتاب جنوح الأحداث و التغير الاجتماعي في الجزائر المعاصرة للدكتور علي مانع.

 

-   كتاب جنوح الأحداث في التشريع الجزائري – محمد عبد القادر قواسمية-

 

-   كتاب إنحراف الأحداث المشكلة و المواجهة – عمر الفاروق الحسيني-

 

-   كتاب قانون الإجراءات الجزئية الجزائرية – طبعة 2007-

 

-   جريدة الخبر ليوم 30 ماي 2007.

 

-   إحصائيات مديرية الشرطة القضائية.

 

-     بحث حول موضوع جنوح الأحداث من إعداد طلبة عمداء الشرطة الدفعة2006.

 

-     شرح قانون الإجراءات الجزائية – فضيل العيش 2007.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه