جريمة هروب المحبوسين في القانون الجزائري

0

جريمة هروب المحبوسين

نص قانون العقوبات على جريمة هروب المحبوسين في المادتين 188 و 189 ونتناول هذه الجريمة في مطلبين نبين في المطلب الأول أركان الجريمة وفي المطلب الثاني العقوبة.

المطلب الأول: أركان الجريمة

النص القانوني :

تنص المادة 188 من قانون العقوبات على أنه:"  يعاقب بالحبس من شهرين إلا ثلاثة سنوات كل من كان مقبوضا عليه أو معتقلا قانونا بمقتضى آمر أو حكم قضائي ويهرب أو يحاول الهروب من الأماكن التي خصصتها السلطة المختصة لحبسه أو من مكان العمل أو أثناء نقله.

ويعاقب الجاني بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات إذا وقع الهروب أو الشروع فيه بالعنف أو التهديد ضد الأشخاص أو بواسطة الكسر أو تحطيم باب السجن "

وتنص المادة 189 من نفس القانون :" العقوبة التي يقضي بها تنفيذا لأحكام المادة 188 ضد المحبوس الذي هرب أو شرع في الهروب تضم إلى أية عقوبة مؤقتة سالبة للحرية محكوم بها عن الجريمة التي أدت إلى القبض عليه أو حبسه وذلك استثناءا ممن المادة 35 .

 وإذا كان التحقيق في هذه الجريمة الأخيرة قد انتهى بأمر أو بقرار بأن لا وجه للمتابعة أو بحكم البراءة أو الإعفاء من العقوبة المحكوم بها عن الهروب أو الشروع فيه "

و يستفاد من هذين النصين أن أركان الجريمة تتمثل في :

1 – الركن المفترض .

2 – الركن المادي .

3 – الركن المعنوي .

1- الركن المفترض: يجب أن يكون الجاني مسجونا وقد حدد المشرع الجزائري الوصف القانوني للسجين بالمقبوض عليه أو المعتقل قانونا بمقتضى آمر أو حكم قضائي.

والقبض هو إجراء من إجراءات التحقيق في الدعوى العمومية يتضمن أخذ المشتبه فيه جبرا وتحت الحراسة لفترة زمنية وجيزة، بسند من سلطة قانونية، وبهدف إحضاره أمام السلطة المختصة لتأمر بإستمرار وضعه تحت الحراسة أو إطلاق سراحه فالقبض على الأشخاص قد يكون تنفيذا لأوامر قاضي التحقيق القسرية- سواء كان تنفيذا لأمر بالقبض أو لأمر الوضع في الحبس المؤقت أو آمر الإحضار[1].

وقد يكون القبض تنفيذا لأوامر وكيل الجمهورية إذ بإمكان هذا الأخير إصدار أمر الإحضار وفقا للمادة 110 من  قانون الإجراءات الجزائية،و يمكن له كذلك إصدار أمر الإيداع في حالة التلبس وفقا للمادتين 117 و59 من قانون الإجراءات الجزائية.

ويمكن للمحكمة ان تصدر أمر ا لإيداع في الجلسة او الأمر بالقبض على المتهم في الحالة التي تكون عقوبة الجريمة المقترفة من المتهم لا تقل عن سنة وفقا للمادة 358 من قانون الإجراءات الجزائية.

كما يمكن أن يكون السجين محكوما عليه نهائيا بالإدانة بحكم  أو قرار نهائي صادر من جهة قضائية مهما كانت درجتها ونوعها.

هذا وقد عرف قانون تنظيم السجون وإعادة الإدماج الإجتماعي للمحبوسين المحبوس في المادة السابعة علىانه يقصد بكلمة محبوس في مفهوم هذا القانون كل شخص تم إيداعه بمؤسسة عقابية، تنفيذا لأمر، او حكم، أو قرار قضائي ويصنف المحبوسون إلى:

1- محبوسين مؤقتا، وهم الأشخاص المتابعون جزائيا، والذين لم يصدر بشأنهم أمر، او حكم، أو قرار قضائي نهائي.

2- محبوسين محكوم عيهم، وهم الأشخاص المتابعون جزائيا، والذين صدر في حقهم حكم او قرار أصبح نهائيا.

3- محبوسين لا كراه بدني 

أما في القانون الفرنسي فإن صفة السجين محددة حصرا في المادة 434 – 28 من قانون العقوبات الفرنسي وتتبمثل في :

- الشخص الموقوف تحت النظر .

-   الشخص الموجود تحت طلب أو في إطار تقديمة للسلطات القضائية نتيجة التوقف للنظر أو تنفيذا لأمر الإحضار أو الأمر بالقبض.

-        الشخص المعني بأمر الإيداع ( تنفيذ أمر الإيداع في المستشفى )  أو أمر بالإحضار ساري المفعول .

-        الشخص الذي يؤدي عقوبة سالبة للحرية أو الموقوف لأداء هذه العقوبة .

-        الشخص المحبوس عن طريق إجراءات تسليم المجرمين .

ووفقا لهذه الحالات فإن المشرع الفرنسي استبعد الأشخاص المكرهون بدنيا ، والأشخاص المحتجزون إداريا خاصة الأجانب والذين ليست لهم وضعية قانونية.[2]

وقد اشترطت محكمة النقض المصرية للمعاقبة على الهروب في حكم لها بتاريخ 20 جانفي 1941 أن يكون الهارب قد قبض عليه ومما جاء فيه : " يشترط للعقاب على جريمة الهرب في حكم المادة  138 عقوبات أن يكون الهارب قد قبض عليه ، فإذا لم يكن قد حصل القبض عليه بالفعل فلا جريمة ، فإذا كان الظاهر من الحكم أن المتهم المحكوم بحبسه عندما علم من سكرتير النيابة بأنه سيقبض عليه تنفيذا للحكم هرب قبل أن يقبض عليه بالفعل ، فليس هذا ما يعد هربا معاقبا عليه قانونا[3].

2 – الركن المادي :

يتمثل الركن المادي لجريمة الهروب من السجن أو من الأماكن التي خصصتها الدولة لحبس السجين بالأفعال المادية التي بموجبها يسترجع المسجون حريته بعدما قيدت واحتجزت والأفعال المادية التي يمكن أن يقدم عليها الهارب لمغادرة المؤسسة العقابية أو الأماكن المخصصة لبقائه فيها مدة من الزمن، أو يتخلص بمقتضاها من حراسة قانونية غير محصورة ، فقد يتم الهروب بالمشي او بالجري اوبالزحف   ، أو بالاستعانة بوسيلة انتقال كالسيارة أو الدراجة أو غيرها .

ولابد من نشاط مادي يقوم به السجين فلا يتصور النشاط السلبي لتحقيق هذا الركن .

ولا ينحصر الهروب على المؤسسات العقابية أو الأمكنة المخصصة لحجز الحرية بشكل عام، فكما يمكن أن تقع الأفعال المادية المكونة للركن المادي لهذه الجريمة من هذه الأماكن ، يمكن أن تتم من مكان العمل أو أثناء نقله من المؤسسة العقابية التي هو محبوس فيها إلى مؤسسة أخرى أو إلى جهة قضائية أو من مكان العمل أو من مكان الاستشفاء أو غيرها.

وحددت المادة 169 من قانون تنظيم السجون وإعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين حالات الهروب إذ يعتبر في حالة هروب ويتعرض للعقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات المحبوسين الذين استفادوا من أحد التدابير المنصوص عليها في المواد 56 ، 100 و 104 و 110 و 129 و 130 من هذا القانون ، ولم يرجع إلى المؤسسة العقابية بعد انتهاء المدة المحددة له .

وبالرجوع إلى أحكام هذه المواد نجد أن هذه الحالات تتمثل في :

-        المحبوس المستفيد من رخصة الخروج تحت الحراسة لمدة محددة ( المادة 56 من قانون تنظيم السجون )

-        المحبوس المستفيد من نظام الحرية النصفية ( المادة 104 من نفس القانون ).

-        المحبوس المستفيد من نظام البيئة المفتوحة  (المادة 110 من نفس القانون )

-        المحبوس المستفيد من إجازة الخروج ( المادة 129 من نفس القانون )

-        المحبوس المستفيد من التوقيف المؤقت لتطبيق العقوبة ( المادة 130 من نفس القانون ).

وهذه الحالات كلها عبارة عن أنظمة مكملة لنظام البيئة المغلقة والتي تنفذ خارج المؤسسة العقابية إما بصفة جزئية ، أو كلية وكل هذه الأنظمة تشكل ما يسمى بالبيئة المفتوحة .

ويكتمل الركن المادي لجريمة الهروب باسترداد المحبوس لحريته بغير الأصول القانونية أي دون أن يخلى سبيله وفقا للقانون ، ولا عبرة بطول أو قصر استرداد الحرية غير القانونية ، ولا بالظروف التي يعيشها الهارب بعد هربه مختفيا عن الأنظار أو مطاردا من قبل السلطات. [4]

3- الركن المعنوي :

جريمة هروب المساجين جريمة عمدية ، تتطلب توافر القصد الجنائي المتمثل في علم الجاني بصفته ووصفه القانوني واتجاه إرادته إلى الإفلات من السجن أو من مكان الاحتجاز، فإن كان جاهلا بذلك انتفى عنصر العلم لديه وانتفى انصراف إرادته إلى الإخلال بإجراءات احتجازه.

كما لا يغير من صفته هذه حقيقة كونه بريئا من التهمة التي أوقف من أجلها طالما أن إجراءات توقيفه قانونية .

والنية في جريمة الهروب تتحقق بإرادة مغادرة المؤسسة العقابية ، ولا عبرة للباعث عن الهرب.

كما يتحقق هذا الركن حتى ولو لم يقصد الجاني تعطيل الإجراءات القضائية، كأن يقصد من الهرب زيارة أهله لوقت محدد كما لا تغير من توافر الركن المعنوي عودة المحبوس بعد فراره دون عناء من جانب الضبطية القضائية [5].

ويتخلف القصد الجنائي في حالات الفرار المؤقت الذي تتطلبه معايير السلامة وفي حالات الضرورة، فإذا شب حريق في السجن فإن ضرورة إنقاذ المحبوس لنفسه من خطر الموت أو الأضرار الجسمانية البليغة ، تخوله القيام بكسر الأبواب والهروب من السجن ، وفي هذه الحالة لا يعتبر ما قام به هربا معاقبا عليه جزائيا ، وتنتفي عنه كل مسؤولية إذا وضع نفسه تحت تصرف الحراسة بعد انتهاء حالة الضرورة.

المطلب الثاني  العقوبة


أ – العقوبات الأصلية

تعاقب المادة 188 من قانون العقوبات على جريمة هروب المساجين بالحبس من شهرين إلى ثلاث سنوات.

ب – الظروف المشددة :

نصت المادة 188 من قانون العقوبات على تشديد العقوبة والتي تصبح من سنتين الي خمس سنوات اذا توفرت احد الظروف التالية:

  استعمال العنف أو التهديد ضد الأشخاص ، أو بواسطة كسر النوافذ أو الأبواب أو الجدران .

ج – الشروع

يعاقب المشرع الجزائري على الشروع في الهروب ويتحقق الشروع وفقا للمادة 30 من قانون العقوبات بتوفر شرطين اثنين وهما البدء في التنفيذ وانعدام العدول الاختياري [6]. وهناك من يضيف شرطا ثالثا هو إمكانية تحقق النتيجة [7].

ويعد شروعا في جريمة الهروب البدء في تنفيذ الأفعال الإجرامية المتمثلة في الجهود التي يبذلها المحبوس من أجل الإفلات من الحراسة المفروضة عليه واسترجاع حريته والتي لا يتحقق فيها الهدف بسبب خارج عن إرادة المحبوس .

وتجدر الإشارة إلى أن المشرع الجزائري يعتبر المحاولة في الجناية كالجناية نفسها ويعاقب عليها بنفس العقوبات المقررة لهذه الجناية وفقا للمادة 30 من قانون العقوبات ،ولا يعاقب على المحاولة في الجنحة إلا بنص صريح حسب المادة 30-1 من قانون العقوبات، ولا يعاقب على المحاولة إطلاقا في المخالفات وفقا للمادة 31-2 من قانون العقوبات .

د- قاعدة عدم ضم العقوبات السالبة للحرية :

القاعدة العامة تقتضي عدم جمع العقوبات السالبة للحرية في الحالة التي تكون فيها المتابعات متتالية والمحاكمات منفصلة وذلك حسب المادة 35 من قانون العقوبات والتي تنص : " إذا صدرت عدة أحكام سالبة للحرية بسبب تعدد المحاكمات فإن العقوبة الأشد وحدها هي التي تنفذ "

ومع ذلك إذا كانت العقوبات المحكوم بها من طبيعة واحدة فإنه يجوز للقاضي بقرار مسبب أن يأمر بضمها كلها أو بعضها في نطاق الحد الأقصى المقرر قانونا للجريمة الأشد "

وتقدم الطلبات المتعلقة بجمع العقوبات أو بدمجها إلى الجهة القضائية التي أصدرت آخر عقوبة سالبة للحرية.

ويقدم الطلب من طرف النائب العام، أو وكيل الجمهورية، أو قاضي تطبيق العقوبات، أو المحكوم عليه أو محاميه[8].

لكن المشرع الجزائري خرج عن هذه القاعدة صراحة في المادة 189 من قانون العقوبات كما فعل المشرع الفرنسي في المادة 434 – 31 من قانون العقوبات [9] ، فتضم بذلك جنحة الهروب إلى أية عقوبة سالبة للحرية محكوم بها عن الجريمة التي أدت إلى القبض عليه وحبسه ، وذلك استثناء من المادة 35 من قانون العقوبات ، وقد نقضت المحكمة العليا قرارا يقضي على المتهم الهارب من السجن بالعقوبة المقررة للهروب دون جمعها مع العقوبة الأصلية المحكوم بها عليه من أجل الجريمة التي أدت إلى حبسه[10].

وكما قررت المادة 189 عقوبات عدم خصم مدة الحبس المؤقت التي قضاها المتهم من مدة العقوبة المحكوم بها ولو انتهى الأمر بصدور مقرر بأن لا وجه للمتابعة أو بالبراءة أو بالإعفاء من العقاب بالنسبة للجريمة الأخرى .




[1] - الدكتور احسن بوسقيعة – التحقيق القضائي – دار هومة للطباعة والنشر ، المرجع السابق ، ص 95 .
[2]  - Michel Véron : « Droit pénal spécial » Armond Colin, Paris 2000.P333
[3]  - الدكتور أبو اليزيد علي المتيت : جرائم الإهمال ، دار النشر للثقافة بالإسكندرية ، ص 164.
[4]  -  الدكتور محمد عوة عبد الجبور : المسؤولية الجزائية المترتبة على فرار السجناء في القانون المقارن ، الرياض 1993 ص 78 .
[5]  - حكم محكمة الجلفة : الصادر بتاريخ 7 / 11 / 2005 المسجل تحت رقم 11 42 / 2005 والمقيد في الجدول رقم 233/2005 غير منشور.
 
[6] -  الدكتور احسن بوسقيعة : الوجيز في القانون الجزائري العام ، ص92 .
[7] - G.Stefani , G levasseur , B,Bouloc - Droit pénal général-   17 ed Paris I 2000 p 219
[8] -  المادة 14 من القانون رقم 05 – 04 المؤرخ في 6 فبراير 2005 المتضمن قانون تنظيم السجون وإعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين .
G.Stefani , G levasseur , B,Bouloc - Droit pénal général-   17 ed Paris I 2000 p  529.
[10] -  الدكتور احسن بوسقيعة ،قانون العقوبات في ضوء الممارسة القضائية ، المرجع السابق ، ص 89 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه