إجراءات رفع دعوى تجاوز السلطة في القانون الجزائري

0
إجراءات رفع دعوى تجاوز السلطة:
إن دعوى تجاوز السلطة هي دعوى بين طرفين الإدارة من جهة والأفراد من جهة أخرى وتهدف إلى إلغاء قرار غير شرعي، فالفرد فيها يمثل مصلحة مجردة من أية سلطة أو امتياز يقف وجها لوجه أمام الإدارة التي تمثل بدورها مصلحة عامة محضة بأساليب وامتيازات السلطة العامة، التي من خلالها تقوم بواجباتها بالإشراف على حسن سير المرافق العامة.
لذلك يجب أن تقوم الدعوى الإدارية على إجراءات خاصة ومتميزة تختلف عن الإجراءات في المنازعات العادية، وتتعلق هذه الإجراءات بالعريضة التي ترفع ضد قرار الإدارة غير الشرعي حيث تخضع لشكلية وكذا خصائص معينة، وكذا شرط إثبات القيام بالتظلم الإداري.
لكن هذه الشروط غير مقننة في إطار قانون إجراءات إدارية، بل نص عليها قانون الإجراءات المدنية، الذي يبقى هو الشريعة العامة في غياب نص خاص فيلجا القاضي لتطبيق الأحكام المتعلقة بالدعوى المدنية.
وقد مصت المادة 40 من القانون العضوي رقم98-01 على انه" تخضع الإجراءات ذات الطابع القضائي أمام مجلس الدولة لأحكام قانون الإجراءات المدنية"(1).
ونصت كذلك المادة 2 من القانون العضوي رقم 98-02 على انه" تخضع الإجراءات المطبقة أمام المحاكم الإدارية لأحكام قانون الإجراءات المدنية"(2).
ويتضح لنا جليا من نص المادتين أنفا أن الإجراءات المتبعة أمام المحاكم الإدارية ومجلس الدولة تخضع للأحكام المنصوص عليها في قانون الإجراءات المدنية، وفي كل الحالات فان أي إهمال لهذه الإجراءات قد يعرض الدعوى إلى للرفض شكلا من قبل القاضي دون النظر في الموضوع.
المطلب الأول: الشروط الخاصة بعريضة افتتاح الدعوى:
لكي تكون عريضة افتتاح الدعوى مقبولة شكلا يتعين ان تشمل على جملة من الشروط والبيانات الشكلية التي تهدف جميعا إلى وضع المدعي عليه في الصورة الكاملة عن الأطراف التي تخاصمه، وعن موضوع المخاصمة وغيرها(1) .
الفرع الأول: أن تكون العريضة مكتوبة:
نصت المادة 169 الفقرة 1 ق إ م على انه" ترفع الدعوى إلى المجلس القضائي بعريضة مكتوبة موقع عليها من طرف الخصم أو محام مقيد بنقابة المحامين وتودع قلم كتابة المجلس"
إن الفقرة الأولى من هذا النص توضح كيفية رفع دعوى تجاوز السلطة أمام الغرف الإدارية بالمجالس القضائية، فأكدت على أن تكون العريضة مكتوبة وموقعة من طرف رافعها أو محاميه مع تسجيلها بكتابة بقلم ضبط المجلس.
وشرط كتابة العريضة يوفر مزايا الدقة وثبات الطلبات الخاصة بالمدعي بعكس التصريح الشفهي الذي يفتح المجال للتؤويلات ولعدم الدقة أحيانا في تحديد الطلبات.(2)                                                                                                                           
كما نصت المادة240 من ق إ م على أن"يرفع الطعن بالنقض بعريضة مكتوبة موقع عليها من محامي مقبول أمام المحكمة العليا".
نلاحظ أن هذه المادة جاءت بصفة عامة أي وردت في كيفية الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا في المواد العادية كجهة نقض في أحكام وقرارات المحاكم أو المجالس القضائية، فلم تأت بصفة خاصة بالنسبة للمواد الإدارية لان الطعن عن طريق دعوى تجاوز السلطة يختلف كثيرا عن الطعن بالنقض, لذلك نتجه إلى الباب الرابع من الأحكام الخاصة بالغرفة الإدارية بالمحكمة العليا وبالضبط في القسم الثالث تحت عنوان"في شكل الطعن".
حيث نصت المادة 281 على "يرفع الطعن أمام الغرفة الإدارية بعريضة تودع لدى قلم كتاب المحكمة العليا. بالأوضاع والأشكال والقواعد المنصوص عليها في الباب الثالث من هذا الكتاب باستثناء أحكام المادة 169/3 الفقرات 2. 3. 4".
إن هذه المواد لم تذكر شروط تتعلق بالكتابة، لكن استنتاجا من المادة169 المتعلقة بالإجراءات أمام الغرف الإدارية لدى المجالس القضائية يجب أن تكون العريضة التي تودع أمام الغرفة الإدارية لدى المحكمة العليا (مجلس الدولة حاليا) مكتوبة.
الفرع الثاني: أن تتضمن العريضة على جميع بيانات أطراف الخصومة:
استنادا إلى ما سبق فان دعوى تجاوز السلطة تقوم على خصومة بين طرفين وبذلك يستوجب إن تشكل العريضة على البيانات الخاصة بكل طرف، وهذا ما يتضح لنا من خلال تحليلنا لنص المادة 169 ق ا م والمتعلق بالدعاوى الإدارية لدى الغرف الإدارية بالمجالس القضائية فنلاحظ ان هذه المادة لم تذكر هذا الشرط واكتفاء بالإحالة إلى المادة 13 من ق إ م.
ولكن المشرع لم يوفق في هذه الإحالة حيث أن هذه المادة الأخيرة تتعلق بالبيانات اللازمة في التكليف بالحضور للجلسات في المواد المدنية.
ونلاحظ أن المادة 281 من ق أ م قد أحالت على المادة 241 في مجال الشكليات العرائض الإدارية الابتدائية أمام المحكمة العليا( مجلس الدولة حاليا) التي نصت في فقرتها الأولى على "أن تشتمل على اسم ولقب ومهنة وموطن كل خصم".
بمعنى أن هذه البيانات تهدف إلى تحديد هوية طرفي الدعوى تحديدا دقيقا وذلك حتى لا يفاجأ المدعي بدعوى مجهولة المصدر، لان معرفة هوية المدعي قد تساعد إلى حد كبير المدعي عليه في تحضير وسائل دفاعية بطريقة مناسبة من جهة، ومن جهة اخرى فان تحديد هوية وموطن المدعي عليه بدقة يؤدي كذلك إلى سهولة تحديد الشخص المطلوب تكليفه للحضور الجلسة ويمنع أي خطأ محتمل في تنفيذ الحكم عند صدوره على شخص آخر غير معني بسبب عدم تحديد البيانات الشخصية بدقة(1).
أما الإشكال الذي يمكن طرحه بالنسبة لهدا الشرط كالأتي:
- هل يترتب على تخلف أو عدم ذكر أطراف الخصومة بطلان العريضة وعدم قبولها؟ أم على القاضي أن يمنح للخصوم أجلا لتصحيحه؟
للإجابة على السؤال يجب علينا البحث فيما إذا كانت هده البيانات من النظام العام أم لا.
لقد رتبت المحكمة العليا البطلان على تخلف هده البيانات بل وإثارتها أحيانا من تلقاء نفسها وكأنها من النظام العام ولا يجوز تصحيحها. دلك انه إذا كانت النصوص المتعلقة بإجراءات الدعاوى الإدارية أمام المجالس القضائية أو أمام المحكمة العليا(مجلس الدولة حاليا ) لا تشير على السواء إلى الطبيعة القانونية لهده البيانات وما إذا كانت معتبرة من النظام العام . فان نصوص أخرى واردة ضمن الأحكام العامة لقانون الإجراءات المدنية تشير إلى الموضوع بشكل عام وغير مباشر.
وهكذا فان المادة 462 قانون إجراءات مدنية تنص على "انه إذا كان البطلان أو عدم صحة الإجراءات المدفوع به ليس من النظام العام فيجوزللقاضى أن يمنح أجلا للخصوم لتصحيحه".
وبما أن بيانات الأطراف لا تتعلق بأسس النظام القضائي والمصلحة العامة، وقد شرعت لمصلحة الخصوم كما بيناه قبل قليل.فإنها في رأينا ليست من النظام العام بمعنى أن إغفال ذكر مهنة احد الطرفين مثلا لا يؤدي إلى عدم قبول العريضة، إلا إذا أثاره الخصم ولا يتم تصحيحه(2). إما إذا تنازل عنه الخصم الذي شرع هذا الإجراء لمصلحته فان الدعوى تبقى مقبولة وغني على البيان القول إن هذه البيانات ليست جوهرية ولا تؤثر على حقوق الدفاع حتى تعتبر أساسا للمصلحة العامة والنظام القضائي وبالتالي من النظام العام(1).
الفرع الثالث: أن تتضمن العريضة ملخص الموضوع ومستندات الطلب:
يعتبر هذا الشرط من البيانات الأساسية التي يجب أن تتضمنها العريضة فكان لزاما على الطاعن أن يذكر فيها شرحا لوقائع القضية مع التدعيم بالأسانيد القانونية، ولقد أثارت المادة 13 من ق أ م التي أحالت عليها المادة 169 من ق ا م بهذه الصياغة المذكورة أعلاه فقد نصت الفقرة 5 على:" ملخص الموضوع ومستندات الطلب" وكذلك المادة 241 فقرة 3 من ق أ م على انه:" أن تحتوي على موجز الوقائع وكذلك الأوجه التي بني عليها الطعن المرفوع للمحكمة العليا".
هذه البيانات أساسية لأنه بدون عرض الوقائع وتحليلها وتقديم أسانيد الطلب لا يمكن للخصم أن يقدم وسائل دفاعه ومناقشته طلب المدعي، ولا يمكن كذلك للقاضي من الاحاطة بعناصر النزاع والفصل فيه. ولكن ذلك لا يعني أنها من النظام العام ولا يجوز تصحيحها فقد شرعت لمصلحة الطرفين وليست لمصلحة النظام القضائي والعبرة دائما بالطلبات الأخيرة.
إن أهم ما يميز عريضة افتتاح الدعوى عن أي احتجاج أو طلب آخر غير قضائي، فالطلب القضائي أو عريضة الدعوى تقوم على عناصر وأركان أساسية تبدأ بعرض الوقائع، تم تحليلها ومناقشتها ( أي تقديم الأسانيد أو الحجج ) وينتهي بتقديم الطلب الذي يلتمس فيه المدعي من القضاء أن يحكم له بناء على الأسانيد المذكورة.
ولذلك كان الاحتجاج الذي يا خد شكل برقية ليس عريضة لأنه لا يتضمن ابسط وقائع المدعي ولا ذكر أوجه الدفاع التي يستند عليها باعث البرقية لتأسيس دعواه، ومن ثم يستوجب الحكم بعدم قبول العريضة شكلا(2).
لكن فكرة عرض الوقائع غير محددة من حيث كيفية طرحها فيبقى المجال مفتوحا وواسعا أمام القاضي، وله السلطة التقديرية في ذلك فالنصوص القانونية تستلزم هذا الشرط وتضعه تحت طائلة البطلان لكن القضاء كان يطبقها في أضيق الحدود، وما دامت لا تمس بالنظام العام أو لا يجوز تصحيحا فقد شرعت لمصلحة الطرفين وليس لمصلحة النظام القضائي.
لذلك وللتأكيد على ما سبق يقتضي أن تتضمن العريضة على الحد الأدنى من الوقائع مع تدعيمها بالحجج والأسانيد القانونية وذلك على قد يجعل القاضي يدرك غرض الطاعن وطلباته.
















المطلب الثاني: ملحقات العريضة:
هذه الملحقات أو البيانات لها من الأهمية ما يجعلها جوهرية مثل الشروط المتعلقة بالعريضة التي سبق ذكرها وقد نصت عليها المواد 241 ، 282، 169، 111من قانون الإجراءات المدنية ويمكن إيجازها فيما يلي :
صورة رسمية من القرار المطعون فيه، تقديم عدد من النسخ بقدر عدد المدعى عليهم، إيصال دفع الرسم القضائي، وما يثبت وجود التظلم الإداري.
الفرع الأول: صورة رسمية من القرار المطعون فيه:
يجب على الطاعن أن يرفق بالعريضة صورة رسمية من القرار المطعون فيه حتى يتسنى للقاضي دراسة القرار وتقدير مدى شرعيته وعلى أي وجه بني ذلك الطعن، وقد نصت المادة 169 في فقرتها 2 من ق ا م " يجب أن تكون مصحوبة بالقرار المطعون فيه"، وفي دعوى تجاوز السلطة فالقرار المطعون فيه موجود أصلا لان الطعن موضوع الدعوى يتعلق بالطعن بقرار تكون الإدارة قد مست به مركزا قانونيا، لكن تطبيق هذا الشرط في الواقع يعرف نوع من التعقيد إذ كثيرا ما يحكم القاضي بعدم قبول الدعوى لعدم تقديم القرار المطعون فيه حيث يتعذر على المتقاضي تقديم ذلك القرار بسبب تعسف الإدارة وعدم تمكينه على نسخة كاملة منه، فقد تكتفي في بعض الأحيان بإشعاره بمضمون القرار عن طريق رسالة فيجد نفسه في حيرة أن رفع دعواه حكم فيها بعدم القبول للدعوى لعدم تقديم القرار المطعون فيه، وان انتظر تبليغ القرار الكامل يخشى من انقضاء المواعيد لأنه وحسب نظرية العلم اليقين يمكن الجزم بعلمه بالقرار من اللحظة التي اشعر فيها بمضمونه عن طريق الرسائل وغيرها.
ولذلك على المشرع والقضاء إيجاد حل بممارسة السلطات المخولة له في التشريع لتفادي امتناع الإدارة عن تبليغ القرار الكامل للمتقاضين وتفويت المواعيد عليهم.
فنجد ذلك الحل نوعا ما قد تداركته المادة 171 من ق ا م التي تجيز للمستشار المقرر بالغرفة الإدارية أن يأمر بتقديم المستندات التي يراها لازمة للتحقيق في هذه القضية منها صورة القرار المطعون فيه وهو مستند مهم في الدعوى، كما أن النصوص القانونية أغفلت جواز تصيح ذلك العيب عكس القانون الفرنسي الذي يجعله قابلا للتصحيح وذلك بإلزام كاتب الضبط بإخطار المدعي بتقديم القرار خلال 15 يوما.
الفرع الثاني: أن يقدم المدعي عددا من النسخ بقدر عدد المدعى عليهم:
لا بد أن تكون العريضة مصحوبة بعدد من النسخ يساوي عدد الخصوم فيها حتى يتسنى عند إعلانه للخصوم ( أي تكليفهم بحضور جلسة افتتاح الخصومة)، أي تمكين كل واحد منهم بنسخة منها يتولى الرد عليها وتقديم وسائل دفاعه(1).
وقد نصت على هذه الشكلية المادة 241 فقرة 3 المحال عليها من المادة 281 من ق ا م على انه:" كما يجب أن يرفق بها عدد من النسخ بمثل عدد الخصوم".
الفرع الثالث: إيصال دفع الرسم القضائي:
يجب على الطاعن دفع رسوم القضية ومن خلاله يتسلم إيصال الدفع وهذا ما نصت عليه المادة 241 فقرة 3 من ق ا م على انه:" كما يجب أن يرفق بها عدد من النسخ بمثل عدد الخصوم وكذا الإيصال المثبت لدفع الرسم القضائي المقرر لإيداع العريضة".
أما إذا كانت الدعوى أو القضية معفاة من الرسم القضائي بسبب استفادة الطاعن من نظام المساعدة القضائية الصادر بالأمر رقم 71- 57 الصادر بتاريخ 05/08/1971 فعليه أن يرفق قرار الاستفادة من المساعدة بملف القضية.
الفرع الرابع: ما يثبت وجود التظلم الإداري:
يتعلق هذا الشرط بالمنازعات التي يكون فيها التظلم إجباريا وشرطا جوهريا لقبول دعوى تجاوز السلطة أمام الهيئات القضائية، وهذا بالنسبة للدعوى العائدة لاختصاص مجلس الدولة، وبعض المنازعات الخاصة التي ما زال يشترط فيها التظلم الإداري الوارد في النصوص الخاصة بها، وقد نصت المادة 275 من ق أ م على انه:" لا تكون الطعون بالبطلان مقبولة ما لم يسبقها الطعن الإداري التدرجي الذي يرفع أمام السلطة الإدارية التي تعلوا مباشرة الجهة التي أصدرت القرار فان لم توجد فأمام من أصدر القرار نفسه".
إذ يجب على الطاعن أن يقدم ما يثبت انه قام بتظلم وان الإدارة رفضت طعنه بشكل صريح، أما في حالة سكوت الإدارة فوفقا للمادة 279 من ق ا م يتعين عليه تقديم الوصل الذي يثبت تقديمه التظلم الإداري وهذا ما نصت عليه المادة 282 من ق ا م انه:" يجب أن يرفق بالعريضة إما قرار رفض الطعن الإداري الذي سبق الطعن أو المستند المثبت إيداع هذا الطعن".
وكذالك ا جاء في قرار المجلس الأعلى بقوله"... حيث أن المدعية في الطعن تشير في عريضة افتتاح الدعوى من طرفها إلى أن هناك طعنا أداريا يكون قد استلم من طرف وزير التربية في 11/1/1981 إلا أنها لم تقدم أي مستند يثبت قيامها بهذا الإجراء القانوني حيث أن المجلس الأعلى لا يستطيع في غياب وجود مثل هذا المستند فحص استيفاء الأوضاع القانونية المنصوص عليها في المادة 276 من قانون الإجراءات المدنية حيث انه ومادام الأمر متعلق بإجراء جوهري يتعين رفض هذا الطعن القضائي على النحو المقدم به"(1).








        23 ديسمبر 1982.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه