إختلاس أموال الدولة طبقا لنص المادة 119 من قانون العقوبات الجزائري

0
إختلاس أموال الدولة طبقا لنص المادة 119 من قانون العقوبات الجزائري
 
مقدمة :  بما أن المشرع يحمي الوظيفة العامة من المتاجرة العامة وإستغلالها حفاظا على الثقة العامة بتجريمه للرشوة وإستغلال النفوذ ، فإنه عليه من باب أولى أن يحمي الأموال العامة المخصصة لسير المرافق العامة من الإختلاس والتبديد من قبل الموظف العام أو من يشابهه ممن إئتمن عليها ضمانا لحسن سير المرافق العامة من جهة ودفعا لأي ضرر بالثقة العامة لدى الجمهور من جهة أخرى. فالجناة وقد إستسملوا لنزواتهم وأهوائهم لهذه الجرائم ، خانوا الأمانة التي عهدتها الدولة إليهم ، عندما عهدت إليهم بمنصب عام ، فبددوا وإختلسوا وأتلفوا ما وقع تحت ايديهم من أموال وأثروا على حساب المجتمع إثراء غير مشروع ، فقد يكون من مقتضيات قيام الموظف لوظيفته أن توضع بين يديه أموالا عامة أو خاصة يعهدها إليه بالمحافظة عليها ورعايتها أو التصرف فيها على النحو الذي تحدده له القوانين والأنظمة وأوامر الرؤساء ، ولهذا وجب على الموظف المحافظة عليها ورعايتها أو التصرف فيها على النحو الذي تحدده له القوانين والأنظمة وأوامر الرؤساء ، لهذا وجب على الموظف المحافظة على هذه الثقة التي أولتها إياه الدولة بإسناد هذا العمل إليه ، فإذا أخل بهذا الواجب وإستولى على المال  الذي وضع بين يديه بسبب وظيفته يعد مرتكبا لجريمة الإختلاس. فما هو الإختلاس ؟ وما هي أركانه ؟ وما هي العقوبة المقررة له ؟ وما الفرق بين الإختلاس المنصوص في المادة 119 من قانون العقوبات الجزائري القديمة والمادة 119 ق.ع.ج المعدلة بتاريخ 26/07/2001 ؟.
 
ماهية إختلاس أموال الدولة : إستعمل المشرع لفظ إختلاس معتبرا إياه عنصرا في الركن المادي في جميع جرائم الإعتداء على الأموال سواء كانت أموالا عامة أو خاصة.
 
التعريفات المختلفة لجريمة الإختلاس :  يعرف الإختلاس لغويا بأنه الإستيلاء على الحيازة الكاملة للشئ المملوك للغير سواء كان هذا الغير فردا عاديا أو إدارة عمومية ، أما التعريف الإصطلاحي للإختلاس فيكمن في التصرفات المادية التي ترافق نية الجاني في محاولته الإستيلاء التام على المال الذي بحوزته وذلك بتحويل حيازته من حيازة ناقصة ومؤقتة إلى تامة ودائمة أي أن التصرفات المادية ا لتي يقوم بها القاضي أو الموظف تصاحب عملية الإغتصاب لملكية المال الذي هو بحوزته أو تحويله خلافا لما يأمر به القانون ولذلك تصبح ملكية ذلك المال ملكية شخصية للجاني أو المختلس وإن المطلع على نص المادة 350 ق.ع.ج يجد أن لفظ الإختلاس يعني السرقة إذا فلفظ الإختلاس له معنيان يختلفان سواء من حيث نوع الجريمة أو من حيث العقوبة الواقعة عليها.
 
والإختلاس يعرف بأنه الجريمة التي يقوم بها الموظف العام أو الموظف العامل في  المؤسسات المالية أو المصرفية وشركات المساهمة العامة.
 
كما يعرف أنه "الظهور على المال بمظهر المالك أو التصرف فيه تصرف لا يصدر إلا من مالك سواء إقترن ذلك بينة التملك أو تجرد منها.
 
ومن أمثلة الإختلاس أن يبيع الموظف المال الذي يسلم إليه بحكم وظيفته أو برهنه أو يعرضه للبيع أو يقرضه للغير أو يهبه أو ينفقه في شؤونه الخاصة أو يودعه بإسمه في مصرف أو يستهلكه أو يهلكه أو يحتجزه لديه ثم يدعي هلاكه أو ضياعه أو سرقته فمسلك الموظف في هذه الحال بفصح عن إتخاذ موقفا واضحا من المال وهو موقف المالك إزاء ما يملكه وهذا هو عين الإختلاس.
 
 
الهدف من تجريم الإختلاس : إن العلة التي توخاها المشرع من وراء تجريم الإختلاس تختلف بإختلاف محل الإختلاس فإذا كان مالا عاما فإن وقوع فإن الإختلاس يترتب عليه ضياع قيمة مالية تتعلق بها حقوق عامة فهذا المال المختلس يؤدي إلى عرقلة تنفيذ خطة الدولة لتحقيق أهدافها الإجتماعية والإقتصادية عن طريق الموظفين الذين يجب توفر الأمانة والثقة فيهم للقيام بواجبهم.
 
كما أنه لا يشترط لا عتبار الفعل إختلاس أن يطالب الموظف برد المال بل قيامه برد ما إختلسه لا ينفي جريمته كذلك فهو لا يحول دون وقوع الجريمة أن يكون الموظف قد أودع عند شغل الوظيفة تأمين يعادل أو يجاوز قيمة ما إختلسه بل تقع الجريمة كاملة و لو أبقى المال لديه فلم يتصرف فيه لغيره ، وإذا تصرف المختلس فيما إختلسه فلا عبرة بشخص من تصرف إليه ولا الغاية التي قصد أن يحققها بل أن الجريمة تقع ولو أدخل المال بعد إختلاسه في ذمة الدولة مباشرة عن طريق التبرع.
 
أما إذا كان فعل الموظف محتمل في ذاته فإنه لا يعد إختلاسا إلا بقرينة تنفي الإحتمال وعليه فيلزم تقصي الحقيقة قبل الجزم بوقوع الإختلاس فقد يكون هناك نقص في المال الموجود لدى الموظف العام وهذا  النقص ناتج عن قوة قاهرة كالسرقة أو التلف أو إذا تحققت المحكمة من حصول الإختلاس كان هذا كافيا لوقوع الجريمة ، فيشترط لوقوع جريمة الإختلاس أن لا يكون سببا مبيحا فإذا وجد هناك سبب قانوني يسمح لموظف أن يستولي على ما تحت يده من مال سقط عن فعله ، وقد وردت جريمة الإختلاس في المادة 119 من ق.ع.ج "... القاضي أو الموظف العمومي الذي يختلس أو يبدد أو يحتجز بدون وجه حق أو يسرق أموالا عمومية أو خاصة أو أوراق تقوم مقامها أو وثائق أو سندات أو عقودا أو أموالا منقولة كانت تحت وظيفته سواء بمقتضي وظيفته أو بسببها" . لكن رغم أن المعني الخاص للإختلاس يختلف عن المعنى العام له إلا أن ذلك لا يوفر الدقة المطلوبة في تبويب الجرائم فهو يختلط بالمعنى العام للإختلاس في جريمة السرقة لكن هذا المصطلح قد إستقر في الفقه والتشريع وعليه فإنه وجب التعرف دائما على المعنى العام والخاص له.
 
أركان جريمة الإختلاس :  الركن المفترض : تعتبر جريمة الإختلاس من جرائم ذوي الصفة حيث أن هذه الجريمة لا يمكنها أن تتحقق إذا لم يكن مرتكبها ذا صفة من الصفات التي حددها المشرع الجنائي وبالرجوع لنص المادة 119 ، نلاحظ أن المشرع جعل الفاعل في هاته الجريمة قاضيا أو موظفا عاما أو ضابط عمومي كما يجب أن يكون المال الذي إختلسه الموظف كان بحوزته بسبب وظيفته التي يشغلها.
ولقد إختلف الفقهاء في تعريف الموظف العام كل حسب وجهة نظره أما المشرع الجزائري فقد إكتفى بذكر الأشخاص الذين يحملون صفة الموظف العام.
 
إن المشرع الجزائري عرف الموظف العام بالأمر 133/66 من القانون الأساسي للوظيفة العامة في المادة الأولى "الموظفون هم الأشخاص المعينون في عمل دائم والمصنفين حسب درجة السلم الإداري المركزي للدولة ، سواء في المصالح الخارجية التابعة لها أو في الهيئات المحلية كذلك المؤسسات أو المرافق العامة بموجب نماذج محددة بمرسوم".
 
ولقد إستثنت المادة في فقرتها الأخيرة كل من القضاة والقوات المسلحة والجيش الشعبي الوطني وهذا لحساسية هذه المهام والمصالح وشروط الموظف الدائم حسب المادة السابقة يمكن تلخيصها في : العمل الدائم – العمل في خدمة مرفق عام تديره الدولة أو أحد أشخاص القانون العام بالطريقة المباشرة – التعيين.
 
ويمتد مدلول الموظف العام بصدد جريمة الإختلاس إلى طوائف أخرى من العاملين في الدولة إضافة إلى الموظف العام وفق القانون الإداري وبالتالي وفق القانون الجنائي تدخل طوائف أخرى هي كل من القاضي ، الضابط العمومي ، موظفي المؤسسات الإقتصادية العمومية.
 
الملاحظ على نص المادة 119 ق.ع.ج انها جاءت بتحديدات واسعة للموظف العام ولكل قائم بوظيفة عامة مما يفتح المجال لتحكم القاضي فيتوسع في التفسير ، مما قد يمس بالحرية الشخصية.
إن الشرط الثاني في هذا الركن المفترض هو حيازة الموظف للمال بسبب وظيفته والمقصود بهذا أن تتوافر صلة السببية بين حيازة الموظف للمال وبين وظيفته كتسلم الموظف للمال بموجب قوانين الوظيفة واللوائح التي تنظمها أما إذا كانت حيازة الموظف للمال ليست لها صلة بالوظيفة كأن يتسلم المال من صديق له أو قريب بصفة شخصية على أساس الأمانة ولكنه تصرف بالمال فهنا لا يعتبر مختلسا ولا تطبق عليه أحكام المادة 119 وإنما يعتبر في هذه الحالة مرتكب لجريمة خيانة أمانة.
 
أخيرا يمكن القول أن العبرة في تحديد توافر صفة المتهم كموظف مختص أو من في حكمه ترتبط بوقت إرتكاب فعل الإختلاس وعلى المحكمة أن تثبت إسناد صفة الموظف العام إلى المتهم وإلا كان حكمها قاصر على أن مجرد وقف الموظف عن عمله لا يعني نفي هذه الصفة عنه فتتحقق هذه الصفة عند إرتكاب الجريمة وتظل هذه الصفة قائمة ولو بعد التوقف عن الوظيفة متى سهلت أو مكنت الجاني من إتمام الجريمة.
 
الركن المادي : يتمثل الركن المادي في سلوك إجرامي يظهر في فعل الإختلاس والإختلاس هنا يقصد لمعناه الخاص وليس بالمعنى العام أي إنتزاع حيازة المال من مالكه أو حائزه ، فالإختلاس يتحقق بأي عمل يؤدي إلى تحويل حيازة الجاني للمال من حيازة ناقصة إلى حيازة تامة ، فيصرف المال وكأنه مملوك له كما يمكن أن يقع الفعل على الجزء من المال أو على كل المال ويمكن أن يخرج الجاني الشئ من حيازته بالبيع أو الهبة أو المقايضة بغرض تبديد هذا المال كما قد ينتفع به لنفسه.
 
وبالرجوع إلى نص المادة 119 نجد أن الركن المادي يتخذ عدة مظاهر فمن خلالها يتبين أن المشرع حاول أن يجمع كل الصور التي يمكن بواسطتها الإعتداء على المال الموكول للموظف أمر حفظه لحساب الدولة ، فعدد هذه الصور وحصرها في الإختلاس والتبديد والحجز بدون حق والسرقة والملاحظ أن المشرع الجزائري أخلط بين عدة جرائم ونص عليها تحت عنوان الإختلاس ، فالتبديد والإحتجاز بدون وجه حق يختلفان في مضمونها وطبيعتهما عن جريمة الإختلاس ، فإن كان الإختلاس يقتضي أن تنتقل الحيازة الناقصة إلى حيازة تامة ويتصرف الجاني في المال تصرف المالك أو على الوجه الذي يظهر به مظهر المالك ، فإن ذلك لا يكون في الجريمتين السالف ذكرها ، وتقابل المادة 119 من ق.ع.ج المادة 112 من قانون العقوبات المصري التي تنص على أنه "يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل موظف أو مستخدم عمومي إختلس أموالا أو أوراقا..."مما يفيد أن النص المصري قد إكتفى بصورة واحدة تتم بها هذه الجريمة وهو فعل الإختلاس ، تفسير ذلك : أن المشرع الجزائري حاول إحكام قبضته على مختلف التصرفات التي يمكن أن يقوم بها الموظف وتشكل إضرارا بالمال العام وهو ما يجعله قد بالغ في إستعمال الحيطة حيث ترددت بعض الصور في نفس النص والأدل على ذلك ذكره لجريمة السرقة في نفس النص إذ ما الفرق هنا بين الإختلاس والسرقة ؟ فإذا كان الإختلاس يقتضي إقترافه من موظف عمومي أو قاضي أو من شابههما فإنه لا يشترط توافر هذا الركن في فعل السرقة.
 
وللتفرقة بين مختلف الصور التي ورد ذكرها بنص المادة 119 يتوجب علينا العودة إلى تفسير الأعمال التي بها يتحقق الركن المادي بحسب النص وهي : الإختلاس ، تبديد الأموال أو الأشياء وإحتجازها دون وجه حق.
 
 
 
1-  الإختلاس : يعني كل الأعمال المادية أو التصرفات التي تلازم نية الجاني ويعبر عنها في محاولته الإستيلاء التام على كل المال الذي بحوزته وذلك بتحويل حيازته من حيازة ناقصة ومؤقتة إلى حيازة تامة ودائمة وبمعنى آخر هي مجموعة التصرفات المادية التي تصاحب عملية إغتصاب ملكية الشئ أو تحويل المال الموكول للجاني حفظه أو التصرف فيه حسب ما يأمر به القانون والذي إنتهى إليه بموجب وظيفته إلى ملكية شخصية للجاني والتصرف بالمال على نحو ما يتصرف المالك بملكه.
 
2-التبديد : يعني التصرف بالمال على نحو كلي أو جزئي بإنفاقه أو إفنائه والتبديد يتضمن بالضرورة إختلاس الشئ إذ هو تصرف لا حق على الإختلاس فمجرد إستعمال الشئ لا يفيد معنى التبديد إذ قد يرد الإستعمال على مجرد المنفعة فقط.
 
2-  إحتجاز الأموال بدون وجه حق : قد لا يلجأ الموظف إلى الإستيلاء على المال أو إلى تبديده ولكنه يحتجزه بدون وجه حق الأمر الذي يؤدي إلى تعطيل المصلحة التي أعد المال لخدمتها وليس في إحتجاز المال إختلاسا له إذ أن مجرد إحتجاز الشئ يفيد أن نية الجاني مازالت غير راغبة في التصرف فيه والظهور بمظهر المالك الحقيقي.
 
إن جريمة الإختلاس يمكن أن ترد على الأموال العامة والأموال الخاصة والأشياء التي تقوم مقام المال وكذلك على العقود والوثائق والسندات التي وضعت بين يدي الموظف أو بسببها ويتضح من هذا أن محل الجريمة هو مال أو ما يقوم مقامه من أشياء سواء كان المال عاما أو خاصا ، كما يمكن أن يكون محل الجريمة وثائق أو سندات أو عقود.
 
وإذا كانت الأموال عامة أم خاصة وبعض الأشياء التي تقوم مقامها ، مما يمكن تحديد فيمتها المادية ، فقد نجد بعض الوثائق والعقود التي لا يمكن تقديرها بقيمة مادية فقيمتها إعتبارية معنوية ، والنص الجزائري بهذه الصياغة يترك ظلالا من الشك حول تفسير هذا ، ذلك لأن عقوبة هذه الجريمة جاءت متدرج بها بحسب أو بمقدار قيمة المال المختلس ، مما يفيد ضمنا أن المشرع الجزائري أراد أن يكون محل الجريمة وفي كل صورها مما يمكن تقييمه بقيمة مادية ، وتجدر الإشارة إلى أن المشرع الجزائري لم يميز بين المال العام والمال الخاص فكلاهما يصلح أن يكون محلا للجريمة.
أما بالنسبة للشروع قد يرى الفقه بأنه لا يتصور وقوع الشروع في هذه الجريمة وذلك لأنه للجاني السيطرة العقلية على المال وعليه فإن نية الحيازة هي التي تحدد وقوع الإختلاس فتتغير نية الجاني الناقصة إلى الحيازة التامة وتتم الجريمة بمجرد البدء في تنفيذها .
 
فنية الجاني يمكن أن تتجه إلى تملك المال وهذا ما يؤدي إلى وقوع الجريمة وإما أن لا تتجه إلى ذلك فلا تقع الجريمة ، فالنية هي التي تحقق السلوك الإجرامي.
 
الركن المعنوي : إن جريمة إختلاس أموال الدولة جريمة عمدية لا بد من توافر القصد الجنائي فيها والقصد الجنائي المطلوب توافره هو القصد العام والقصد الخاص.
 
1-القصد العام : ويتمثل في توجه إرادة الجاني إلى الإستيلاء على الشئ مع علمه أنه مملوك للغير وعليه لا يتوفر القصد الجنائي العام إذا فقد الموظف الشئ الذي يحوزه بسبب إهماله أو كان قد تصرف فيه جهلا منه بأنه سلم إليه بسبب أو بمقتضى وظيفته.
 
 
 
 
والقصد العام هو الذي يلزم توفره لقيام جريمة الإختلاس للأموال العمومية بعنصري العلم والإرادة فيجب أن يعلم الموظف أن المال الذي سلم إليه كان بحكم وظيفته وأن له عليه الحيازة الناقصة لا الحيازة الكاملة وإنه غير مملوك له ، فإن إنتفى لديه هذا العلم إنتفى القصد الجنائي ويكون كذلك في حالة إعتقاد الموظف أن تسليم المال إليه لم يكن بحكم الوظيفة ، وفي جريمة إختلاس المال العام كسائر الجرائم الأخرى يقوم على 03 عناصر أساسية هي : إرادة الجاني للفعل المادي ، إرادة النتيجة الجرمية ، والعلم بعناصر الجريمة.
 
2- القصد الخاص : القصد الخاص أي "نية التملك" عنصر أساسي في جريمة الإختلاس وبتخلف هذه النية تنتفي الجريمة وإذا توافرت فإن الجريمة تتحقق بغض النظر على الباعث ، ذلك أن الباعث لا ينفي القصد و إن كان محركا فلا يغير شيئا ، وإن كان الباعث شريفا كان يكون مثلا الإختلاس يهدف إلى الإثراء أو يهدف إلى توفير الجاني إعانة لعائلته أو لشخص محتاج أو مساعدة مشروع خيري ، ويعرف القصد الخاص أيضا بأنه إنصراف نية الجاني إلى  إضافة الشئ إلى ملكيته أي التصرف فيه تصرف المالك فإذا إنصرفت إرادته إلى إستعمال الشئ دون تملكه فلا يعد مرتكب لجريمة الإختلاس ويتعرض للجزاء التأديبي وعليه لا يقوم الركن المعنوي إذا إنتفى القصد الخاص. وإنه لا تتوافر جريمة الإختلاس كمن يستولي على المال لمجرد إستعماله ثم رده أو لمجرد الإنتفاع به فهنا نكون أمام جريمة إستعمال أموال عمومية لأغراض شخصية وهذا ما نصت عليه المادة 119 مكرر 01 من قانون العقوبات الجزائري.
 
نخلص إلى القول بأن كل سلوك لا يكشف في صورة قاطعة عن نية المتهم المتجهة إلى تغير الحيازة الناقصة إلى حيازة  كاملة لا يكفي ليقوم به الإختلاس. وإذا ما كشف سلوك المتهم بصورة قاطعة عن تصرفه بالمال أو الأشياء تصرف المالك بملكه قامت الجريمة وإستحق فاعلها العقاب ولا يغير من  الأمر شيئا إستعداد المتهم لرد الأشياء أو الأموال إذ لا عبرة لما يعرض من وقائع لاحقة ، ونشير إلى أن هذه الجريمة تتم بإتجاه إرادة الجاني إلى إمتلاك المال الذي بحوزته وعليه فإن تحقق الجريمة مرتهن بتغيير نية الفاعل وهي لحظة تتم بها الجريمة كاملة ، مما يؤكد ما قلناه سابقا في الشروع أنه غير متصور في هذه الجريمة فالجريمة إما أن تقع كاملة وإما أن لا تقع.
 
العقوبات المقررة في جريمة إختلاس أموال الدولة : لقد واجه المشرع الجزائري وغيره من المشرعين هذه الجريمة بكل شدة وصرامة تبعا للسياسة الجنائية المتبعة في حماية المجتمع والمصالح العمومية وبالتالي كان ضروريا الصرامة وفرض أقصى العقوبات على كل من سمحت له نفسه إختلاس أموال المؤسسة التي يعمل بها أو خيانة الأمانة التي عهدتها الدولة إليه فالعقوبة هي الجزاء الجنائي الذي يقرره المشرع في تثبت مسؤوليته عن الجريمة.
 
وهذا الجزاء الجنائي وجب أن يصدر به حكم قضائي ، فالقضاء هو المختص بإقامة الدليل على مسؤولية المتهم عن الجريمة المنسوبة إليه . ولعل الهدف من هذه العقوبة هو إصلاح سلوك المجرم من السئ إلى الحسن وهذا بإتباع مساءلة قانونية بحتة مما يؤدي إلى إفراز العدالة الإجتماعية ، ونظرا لما للعقوبة من أهمية بالغة وجب علينا التطرق إلى أهم العقوبات المقررة على جريمة إختلاس أموال الدولة سواء بإعتبارها جناية أو جنحة.
 
العقوبة الجزائية على جريمة الإختلاس بإعتبارها جنحة : نصت المادة 119 من ق.ع.ج على ما يلي : "يتعرض القاضي أو الموظف أو الضابط العمومي الذي يختلس أو يبدد أو يحتجز أو يسرق عمدا وبدون وجه حق ...إلى :
-    الحبس من سنة إلى 05 سنوات إذا كانت قيمة الأشياء المختلسة أو المبددة أو المحتجزة أو المسروقة أقل من 1.000.000 د.ج.
-    الحبس  من سنتين إلى 10 سنوات إذا كانت القيمة تعادل أو تفوق مبلغ 1.000.000 د.ج وتقل عن 5.000.000 د.ج."
 
فمن خلال هذه الفقرات من المادة 119 نجد أن المشرع وصف عقوبة جريمة إختلاس الأموال العمومية بإعتبارها جنحة ونجد أن الوصف في الفقرة الثانية هو الحبس فهنا تعد الجريمة جنحة ولو تجاوزت مدة العقوبة مقدار عقوبة الجنحة.
 
العقوبة الجزائية على جريمة الإختلاس بإعتبرها جناية : وفقا للمادة 119 من ق.ع.ج نجدها تحدد الحالات التي تكون فيها جريمة إختلاس الأموال العمومية جناية حيث نجدها تنص على أنه إذا كانت القيمة المالية المختلسة تفوق مبلغ 5.000.000 د.ج وتقل عن 10.000.000 د.ج يتعرض المختلس إلى السجن من 10 سنوات إلى 20 سنة ، أما إذا كانت قيمة المبالغ المالية المختلسة تعادل أو تفوق مبلغ 10.000.000 د.ج فالعقوبة تكون السجن المؤبد.
 
كما أضاف المشرع الجزائري إلى جانب العقوبات السالبة للحرية عقوبة مالية تتمثل في الغرامة من 50.000 د.ج إلى 2.000.000 د.ج .
 
ونظرا لأن المشرع الجزائري حدد العقوبة على أساس القيمة المالية المختلسة فيجب أن يتضمن الحكم تقديرا دقيقا لقيمة المبلغ المختلس وذلك لأهمية التقدير في تحديد الجزاء المتوجب إنزاله للجاني و إلا أعتبر الحكم معيبا.
 
ما يمكن ملاحظته أن النص على عقوبة هذه الجريمة لم يتضمن إسترجاع المبالغ المالية المختلسة أو رد الأشياء التي تقوم مقامها.
 
هذا ومن خلال المقارنة بين نص المادة 119 القديم والنص المعدل بموجب القانون 01-09 يتضح أن المشرع الجزائري ألغى عقوبة الإعدام المقررة في نص المادة 119 في فقرتها السادسة وهذا في حالة الإضرار بالمصالح العليا للوطن وإكتفى بعقوبة السجن المؤبد كعقوبة قصوى في حالة تجاوز المبلغ المختلس 10.000.000 د.ج.
 
-إن المشرع رفع قيمة المبالغ المختلسة من 100.000  د.ج إلى 1.000.000 د.ج في الفقرة الأولى.
- ومن 300.000 د.ج كحد أقصى في المادة السابقة إلى 5.000.000 د.ج المادة المعدلة.
- ومن 1.000.000 د.ج كحد أقصى في المادة السابقة فقرة 03 إلى 10.000.000 د.ج في الفقرة المعدلة.
- ومن 3.000.00 د.ج كحد أقصى في الفقرة الرابعة إلى 10.000.000 د.ج وما يفوقها.
 
وعليه يتضح أن الجريمة بالوصف الذي جاءت عليه الفقرة الأولى والثانية في المادة 119 تكيف على أساس جنحة وفي الفقرة الثالثة والرابعة فإنها تكيف على أساس أنها جناية.
 
إن أهم ما يمكن الإشارة إلية في نص 119 ق.ع.ج هو أن المشرع الجزائري قيد المتابعة الجزائية بإيداع شكوى حيث نص "... عندما ترتكب الجريمة المنصوص عليها في هذه المادة أو الجرائم المنصوص عليها في المواد 119 مكرر أو 119 مكرر 01 أو المادة 128 أو 128 مكرر 01 إضرارا بالمؤسسات العمومية الإقتصادية التي تملك الدولة كل رأسمالها أو ذات رأس المال المختلط فإن الدعوى العمومية لا تحرك إلا بناء على شكوى من أجهزة الشركة ا لمعنية المنصوص عليها في القانون التجاري والقانون المتعلق بتسيير رؤوس الأموال التجارية للدولة".
 
إذن فالمشرع إشترط إيداع شكوى مسبقة من طرف أجهزة الشركة أو المؤسسة المتضررة ولا يجوز بناءا على ذلك تحريك الدعوى العمومية بناءا على جمع المعلومات أو الإستدلالات وفي الحالة هذه عند المتابعة فتكون الإجراءات باطلة ، ولقد رتب المشرع الجزائري على هذا الإجراء ف حالة التقاعس أو التكتم أو الإمتناع عن رفع الشكوى أو عدم الإبلاغ عن الأفعال الإجرامية المشار إليها بالمواد المذكورة سابقا عقوبة تصل إلى 05 سنوات طبقا لنص المادة 181 من ق.ع.ج.
 
 
 
 
 
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه