جريمة تبييض الأموال في القانون الجزائري

0
جريمة تبييض الأموال
 
مقدمة : من أبسط قواعد العدالة الجنائية ألا يستفيد المجرم من جريمته ، ومن حلقات السلسلة في مكافحة الجريمة مكافحة أي فوائد تعود من إرتكابها على المجرم أو المحرض عليها ، من هذا المنطلق فإن الإستفادة من الأموال المتأتية من الجريمة يعد مخالفا للقوانين وقواعد العدالة الجنائية ، ومحبط لكل إجراءات مكافحة الجريمة ، ولا ينكر أحد أن بعض الجرائم تدر عائدات مالية طائلة لا يمكن أن يترك موضوع الإستفادة منها للمجرمين الذين يقومون بها ومن يساعدهم عليها ومن المتفق عليه فيما بين المهتمين بها بالشأن القانوني أن تقدم الزمن والمستجدات في حياة الأفراد على صعيد الخدمات المتبادلة والعلاقات الإنسانية يسهم وبشكل كبير وواضح في خلق أنماط جديدة من السلوك البشرى وبالتالي ظهور جرائم جديدة لم تكن معروفة في السابق ، ومن هذا القبيل موضوع جريمة تبييض الأموال.
 
أولا : تعريف تبييض الأموال : نستنتج من خلال المادة الثانية من قانون تبيض الأموال والمادة 389 مكرر من قانون العقوبات أن المشرع الجزائري قد عرف تبييض الأموال بأنه "تحويل أو نقل الممتلكات مع العلم أن هذه الممتلكات نشأت  عن جريمة ما، وهذا بهدف إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع لهذه الممتلكات، أو بهدف مساعدة أي شخص آخر متورط في إرتكاب الجريمة الأصلية (مصدر الأموال القذرة) ، وذلك من أجل تجنب النتائج القانونية المترتبة عن أفعاله التي إرتكبها ، وهو أيضا إخفاء وتمويه الطبيعة الحقيقية للممتلكات إن مصدرها أو موقعها أو حركتها أو حقوق ملكيتها مع العلم بأن هذه الممتلكات تولدت عن جريمة ما وهو أيضا الحصول على أملاك و الإحتفاظ بها  أو إستخدامها مع العلم التام وقت تسلمها بأنها نشأت عن نشاط إجرامي ، وهو أيضا المشاركة في إرتكاب أي من الجرائم السالفة الذكر أو التوطئ أو التآمر على إرتكابها أو محاولة إرتكابها والمساس أو التحريض على ذلك وتسهيله وإسراء المشورة بشأنه.
 
ثانيا : أركانها
* الركن المادي : لا يمكن تصور جريمة دون ركن مادي لها والذي يمثل المظهر الخارجي لها ، وبه يتحقق الإعتداء على المصلحة المحمية قانونا ، وعن طريقه تقع الأعمال التنفيذية للجريمة ، وعليه فإن التحقق من توافر الركن المادي هو الشرط الأساسي للبحث في وجود الجريمة من عدمه.
 
ويتمثل الركن المادي لجريمة تبييض الأموال بصفة عامة في كل فعل يساهم في إخفاء أو تمويه مصدر الأموال أو المداخيل الناتجة بصورة مباشرة عن جميع الجرائم دون حصر وهذا ما ذهب إليه المشرع الجزائري.
 
عناصر الركن المادي :
أ)- السلوك المكون له أو فعل الإخفاء :
1- حيازة أو إكتساب أو إستخدام الأموال المحصلة من أي جريمة.
2- تحويل الأموال ، ويتمثل في نقل الأموال أو عائدات أي جريمة بهدف إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع لهذه العائدات ، قصد مساعدة أي شخص متورط في إرتكاب مثل هذه الجرائم.
3- إخفاء أو تمويه حقيقة الأموال المحصلة عن جريمة بحيث يشمل كل تمويه ينصب على حقيقة الأموال متحصلات النشاط غير المشروع.
4- المشاركة في إرتكاب أي فعل من الأفعال المذكورة أو التواطؤ أو التآمر على إرتكابها أو المساعدة أو التحريض على ذلك وتسهيله وإسداء المشورة بشأنه.
وتجدر الإشارة إلى أنه يجب عدم  التقيد بالمعنى اللغوي لمصطلح الإخفاء ، لأن ذلك من شأنه التضييق من دائرة العقاب على نحو لا يحقق المصلحة العامة ، فإن كان تاما وترتبت عليه نتيجة كانت الجريمة تامة وإذا أوقف عند حد أو لم تتحقق النتيجة المقصودة كانت الجريمة غير تامة أو شرع فيها ، لهذا وجب فهم الإخفاء على أنه يشمل كل عمل من شأنه منع كشف حقيقة المصدر غير المشروع ، وبأي شكل كان وبأي وسيلة ، سواء كان هذا الإخفاء سريا أو علنيا فلا عبرة إذا بكون الإخفاء قد جرى سرا ، كما لا يهم سبب الإخفاء حتى ولو كان بطريقة مشروعة كشراء الشئ المتحصل عن السرقة أو إكتساب الأموال غير المشروعة بطريق الهبة أو الوديعة أو المقايضة...الخ.
 
ب)- المحل الذي يرد عليه السلوك : يتمثل هذا  المحل في حقيقة الأموال أو مصدرها أو مكانها أو طريقة التصرف فيها أو حركتها أو الحقوق المتعلقة بها أو ملكيتها ، هذه الأموال غير المشروعة تشمل الأموال المنقولة وغير المنقولة ، كالأموال المادية مثل المجوهرات ، الأموال ذات محتوى معنوي يتجسد في شكل ظاهري مادي.
 
ج)- الجريمة الأولية مصدر العائدات : إن جريمة تبييض الأموال هي جريمة تبعية وهي تفترض بالضرورة وقوع جريمة أولية سابقة لها هي تلك التي تحصلت عنها الأموال غير المشروعة لذلك يجب أن تكون الأموال محل التبييض ذات مصدر غير مشروع.
 
الركن المعنوي : جاء في نص المادة 389 ق.ع أن يكون الفعل بقصد إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع مما يبين أن هذه الجريمة تقتضي أن يكون القصد بهدف إخفاء أو تمويه مصدر الأموال الناتجة عن فعل إجرامي ، وهذا ما يوضع أن جريمة تبييض الأموال لا تكتفي بالقصد العام ، بل تتطلب قصدا خاصا ، وهو إرادة إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع للأموال ، فتكون بذلك جريمة تبييض الأموال جريمة عمدية ، لا يكفي لقيامها مجرد تواجد الإهمال أو الخطأ غير المقصود ، وينبغي لقيام المسؤولية الجنائية أن يتوافر لدى الفاعل القصد العام والقصد الخاص ، وبالتالي فإن الركن المعنوي للجريمة يتجلى بوجهتين هما :
 
أ)- القصد العام : هو إرادة الجاني في إقتراف الفعل المادي للجريمة مع العلم به وبالعناصر التي يتطلبها القانون وبذلك فالقصد العام لهذه الجريمة هو :
 
1- العلم بالمصدر غير المشروع : ينبغي أن يتوفر لدى مبيض الأموال العلم بحقيقة المصدر غير المشروع للأموال ، أي العلم الواقعي يكون هذه الأموال محصلة من جريمة ، فلا يكفي إذا إعتقاد الشخص خطأ وعلى خلاف الواقع بالمصدر غير المشرع للأموال ، إذ لا يعاقب على الجريمة الضنية التي لا تقوم إلا في ذهن فاعليها ، وبالتالي فإن الركن المعنوي لجريمة غسل الأموال ينتهي متى ثبت انتفاء العلم بالمصدر غير المشروع للأموال.
 
2- إرادة السلوك لتبييض الأموال : يجب أن يكون سلوكا تبييض الأموال سلوكا إراديا حتى يتحقق الركن المعنوي للجريمة ، وأن يكون هذا السلوك معبرا عن إرادة واعية وحرة من جانب الفاعل ، فإذا إنتفت إرادة السلوك إنتفى بالتالي الركن المعنوي أو القصد الجنائي لدى الفاعل.
 
ب)- القصد الخاص (نية إخفاء أو تمويه مصدر الأموال) : إن القصد الخاص هو نية تنحرف إلى غرض معين أو يدفعها إلى الفعل باعث معين ، وفي جريمة تبييض الأموال فإن القصد الخاص يتحقق عند التثبت من إرادة إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع للأموال المنقولة أو غير المنقولة أو الموارد الناتجة عن الجرائم المختلفة ، وبالتالي يجب أن تنصرف نية الفاعل إلى الإخفاء أو التمويه.
 
 
ثالثا : مراحل عملية تبييض الأموال :
 
تعتمد عملية تبييض الأموال على ثلاثة مراحل رئيسية :
 
1-          مرحلة الإيداع : ويتم فيها إبعاد الأموال عن الارتباط المباشر مع النشاط الإجرامي وذلك بنقلها من مكان إلى آخر والقصد من ذلك هو إخفاء مصدرها غير المشروع ، وتستهدف هذه المرحلة التي يعبر عنها البعض بمرحلة التوظيف أو التخلص من النقود العينية تقديم المال في صورة تجارة مشروعة وهي عبارة عن التصرف المادي في كمية الدخل النقدي بهدف إزالته من مكان إكتسابه ليجنب لفت الأنظار وذلك بالسعي إلى تحضير دمج هذا الدخل وإدخاله في مناطق عمل تجارية يكون من السهل فيها التخفي وتعتبر مرحلة الإيداع هي المرحلة الأساسية لأنها تمثل عملية نفاذ الدخل إلى مؤسسة بنكية أو نقدية ، وتعتبر هذه المرحلة نقطة الضعف الرئيسية في عملية تبييض الأموال ، كما تعتبر المنطلق المناسب لمراقبة وكشف المجرمين من قبل المصالح المكلفة بذلك.
 
  2- مرحلة التعتيم أو التغطية : إذا نجح الغاسل في وضع أمواله في إطار دائرة النظام المالي ، ينتقل بعد ذلك إلى الخطوة الثانية والمعروفة بمرحلة التعتيم ، ويتم فيها فصل الدخل عن أصله وذلك عن طريق خلق طبقات من الصفقات المالية تهدف إلى إخفاء معالم مصدر المال ، وإبعاده قدر الإمكان عن إمكانية تتبع الحركة الحسابية له ، والواقع أنه إذا نجح المال في تخطى المرحلة الأولى فإن الكشف عنه في هذه المرحلة يكون أكثر صعوبة ومن أمثلة التعتيم هناك إعادة بيع أو تصدير رأس المال ، الذي يتم الحصول عليه في المرحلة الأولى والمقابل للبيع أو الشئ المصدر يأخذ صورة دفع نقدي وهو ما يجعل شخصية المشتري أكثر وضوحا ودون خوف، كما يجعل رأس المال أكثر مرونة في الحركة.
 
3- مرحلة الدمج : تكفل هذه المرحلة الغطاء النهائي للمظهر الشرعي للثروات ذات المصدر غير المشروع حيث يتم في هذه العملية وضع الأموال المبيضة مرة أخرى في دائرة الإقتصاد ، وذلك بطريقة يبدو معها أنه تشغيل عادي لمال من مصدر نظيف ، وفي هذه المرحلة يصعب إلى حد بعيد التمييز بين الثروة ذات المصدر المشروع والثروة ذات المصدر غير المشروع ، ولا يمكن الكشف عن عملية التبييض في هذه المرحلة إلا من خلال البحث السري والمساعدة غير الرسمية من خلال المخبرين أو بالصدفة.
 
رابعا : إجراءات المتابعة : جاء في المادة الخامسة من القانون المذكور أنه لا يمكن إتخاذ إجراءات المتابعة الجزائية من أجل تبييض الأموال إلا إذا كانت الأفعال الأصلية (الجرائم مصدر الأموال القذرة) المرتكبة في الخارج تكتسي طابعا إجراميا في قانون البلد الذي إرتكبت فيه وفي القانون الجزائري.
وقد أسند المشرع إلى هيئة متخصصة وهي خلية معالجة الإستعلام المالي صلاحية تحليل ومعالجة المعلومات التي ترد إليها من قبل السلطات المؤهلة وكذلك الإخطارات بالشبهة التي يخضع لواجبها :
- البنوك والمؤسسات المالية والمصالح المالية لبريد الجزائر والمؤسسات المالية المشابهة وشركات التأمين ومكاتب الصرف والتعاضديات والرهانات والألعاب والكازينوهات.
 
- كل شخص طبيعي أو معنوي يقوم في إطار مهنته بالإستثمار أو بإجراء عمليات إيداع أو مبادلات أو تحويلات أو أية حركة رؤوس الأموال ، لا سيما على مستوى المهن الحرة المنظمة وخصوصا مهن المحامين والموثقين ومحافظ البيع بالمزاد وخبراء المحاسبة ومحافظي الحسابات والسماسرة والوكلاء الجمركيين وأعوان الصرف والوسطاء في عمليات البورصة والأعوان العقاريين ومؤسسات البنوك وكذا تجار الأحجار الكريمة والمعادن الثمينة والأشياء الأثرية والتحف الفنية.
 
ويتعين على كل شخص من الأشخاص المذكورين أعلاه إبلاغ الهيئة المتخصصة بكل عملية تتعلق بأموال يشتبه أنها متحصلة من جناية أو جنحة لاسيما الجريمة المنظمة أو المتاجرة بالمخدرات والمؤثرات العقلية ، ويتعين القيام بهذا الأخطار بمجرد وجود الشبهة حتى ولو تعذر تأجيل تنفيذ تلك العمليات أو بعد إنجازها.
 
وترسل مصالح الضرائب والجمارك بصفة عاجلة تقريرا سريا إلى الهيئة المتخصصة فور إكتشافها ، خلال قيامها بمهامها الخاصة بالتحقيق والمراقبة وجود أموال أو عمليات يشبه أنها متحصلة من جناية أو جنحة.
 
وتستلم الهيئة المختصة وصل الأخطار بالشبهة وتقوم بجمع كل المعلومات والبيانات التي تسمح باكتشاف مصدر الأموال أو الطبيعة الحقيقية للعمليات موضوع الأخطار وتقوم بإرسال  الملف لوكيل الجمهورية المختص.
 
كما يمكن لهذه الهيئة أن تعترض بصفة تحفظية ولمدة أقصاها 72 ساعة على تنفيذ أية عملية بنكية لأي شخص طبيعي أو معنوي تقع عليه شبهات قوية لتبييض الأموال ، ولا يمكن الإبقاء على التدابير التحفظية هذه بعد إنقضاء المدة إلا بقرار قضائي.
 
ويمكن لرئيس محكمة الجزائر بناءا على طلب الهيئة المتخصصة وبعد إستطلاع رأي وكيل الجمهورية لدى محكمة الجزائر أن يمدد الأجل المحدد أعلاه ، أو يأمر بالحراسة القضائية الموقعة على الأموال والحسابات والسندات موضوع الأخطار، كما يمكن لوكيل الجمهورية لدى محكمة الجزائر تقديم عريضة لنفس العرض.
 
وأخيرا وإذا لم يتضمن الإشعار بإستلام وصل الأخطار بالشبهة التدابير التحفظية المنصوص عليها أعلاه أو لم يبلغ أي قرار صادر عن رئيس محكمة الجزائر أو قاضي التحقيق الجاري أمامه التحقيق عند الإقتضاء للأشخاص والهيئات المذكورة سابقا في أجل أقصاه 72 ساعة فإنه يمكنهم تنفيذ العملية موضوع الأخطار.
 
 
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه