إثبات النسب بالطرق العلمية البيولوجية الحديثة في القانون الجزائري

0

إثبات النسب بالطرق العلمية البيولوجية الحديثة

وسّع المشرع الجزائري من دائرة إثبات النسب بالنص على الخبرة الطبية كوسيلة شرعية للإثبات أو للنفي وفقا لنص المادة 40 فقرة 2 من قانون الأسرة المعدّل بموجب الأمر رقم: 05/02، و بذلك يكون المشرع قد حل إشكالية عويصة كانت مطروحة على مستوى أنظمة القضاء في الدول العربية حيث غالبا ما كان يرفض القضاء الإثبات عن طريق الخبرة العلمية على أنها ليست من الوسائل المقررة شرعا لإثبات النسب(1) و لقد كان  هذا الإجتهاد منتقدا بشدة لكونه لا يخدم المصلحة الفضلى للطفل، لذلك كان أغلب الفقه يدعو القضاء على ضرورة الأخذ بنتائج البحث العلمي لإثبات النسب أو نفيه، كما أنه من الناحية الشرعية فقد ثبت أن كبار الأئمة عملوا بالقيّافة، التي هي وسيلة تقوم على الحدس و الفراسة و إمكانية التشبيه، فما بالنا بخبرة يقينية.

و لقد تنوّعت هذه الطرق العلمية فبعد أن كان العالم بأكمله يخضع لطريقة واحدة للدلالات الوراثية في مجال البحث الجنائي، و ذلك حتى أواخر الستينات و هي الطريقة التي تعرف بخلايا الدم الحمراء (A B O)، تلا هذا الإكتشاف تحليل الحامض النووي أو ما يسمى بالبصمة الوراثية (A D N)، إضافة إلى أنظمة بيولوجية أخرى لا تزال قيد الإكتشاف. و هدا ما سأتناول دراسته في هذا الفصل موضحة درجة تفاوت هذه الطرق في إثبات النسب أو نفيه مع التطرق لحجيّتها و الصعوبات التي تواجه إستخدامها في المباحث الثلاثة الآتية:

المبحث الأول: نظام تحليل فصائل الدم

يشمل الدم على العديد من الصفات الوراثية الموروثة من الأب و الأم، حيث يأخذ الولد نصف الصفات من أبيه الحقيقي و النصف الآخر من أمه عن طريق الحيوان المنوي للرجل و البويضة للأنثى. و من العلامات الوراثية الموجودة في الدم فصائل الدم الرئيسية.

المطلب الأول: النتائج العلمية لفحص الدّم

الفرع الأول: نظام ABO

بفضل التجارب التي قام بها العالم الألماني (كارل لاند ستابير) سنة 1905 الذي فصل خلايا الدم عن البلازما الدموية لأحد الأشخاص ثم قام بعد ذلك بمزج الخلايا بالبلازما مرة أخرى فلاحظ إتحادهما ببطء و عودة

 


(1)- القرار الصادر عن المجلس الأعلى المغربي بستّ غرف بتاريخ: 30/12/2004 في الملف الشرعي عدد 556/2/1/2003.

     -  الإجتهاد القضائي لغرفة الأحوال الشخصية – القرار رقم: 222674 المؤرخ في: 15/06/1999  ص 88.

 

الدم إلى الشكل الطبيعي، و عندما قام بمزج خلايا دم أحد الأشخاص بالبلازما الدموية لشخص آخر فلاحظ إما

أن الإتحاد يتم ببطء و يعود الدم إلى شكله الطبيعي كما كانت الخلايا و البلازما يتبعان لشخص واحد، و أن الإتحاد لا يتم و ينتج عن ذلك تجلّط الدم (blood agglutination) و بناءا على ذلك و جد العالم (لاند ستابير) أنه يصنف دم الإنسان إلى أربعة  فصائل رئيسية يرمز لها كما يلي: O – AB – B –A، و تشبه فصائل الدم بصمات الأصابع فهي غير قابلة للتغيير منذ الولادة حتى الموت.

و من جهة أخرى يحتوي غشاء الكريات الدموية على بروتينات سكرية خاصة و التي بها تحدد الفصائل الدموية الأربعة المعروفة، تسمى هذه البروتينات الغشائية بمولدات الضد (antigènes) كما توجد أجسام مقابلة تعرف بالأجسام المضادة (anti bodies) في بلازما الدم، و يولد الطفل بمولدات الضد في خلاياه لكن الأجسام المضادة تتطور خلال الشهور القليلة بعد الولادة(1).

و فيما يلي جدول يوضح العلاقة بين مولدات الضد و الأجسام المضادة في مجاميع الدم المختلفة، و التراكيب الجينية التي تقابلها:

الفصيلة
مولدات الضد في كريات الدم الحمراء
الأجسام المضادة في البلازما
التراكيب الجينية
A
A
مضاد B (بيتا)
نفي AA
هجين AO
B
B
مضاد A (ألفا)
نفي BB
هجين BO
AB
AB
------
AB
O
------
مضاد A (ألفا)
مضاد B (بيتا)
OO

 

 

 

 


(1)- الدكتور جلال الجابري – الطب الشرعي و السموم – الطبعة الأولى / الإصدار الأول 2002 –  الدار العلمية الدولية للنشر و

       التوزيع – عمان ص 186.

 

و أشير في هذا الصدد إلى نظرية برنستين في وراثة فصائل  الدم  التي تعتبر  أن هناك  03 عوامل  موروثـــة

(O, B, A) حيث (B, A) سائدة، بينما (O) متنحية و كل نسل له إثنين من هذه الثلاث واحد من كل والد.

مثال: طفل فصيلة دمه A قد تكون AA أو AO، طفل فصيلة دمه B قد تكون BB أو BO و إذا ورث عاملين متنحيّين سيكون O و إذا ورث عاملين سائدين سيكون AB.

و قد دعمت نظرية برنستين بالحقائق التالية:

-        أب O لا يمكن أن يكون له طفل AB.

-        أب AB لا يمكن أن يكون له طفل O.

-        أب A تزوج بأم B يمكن أن يكون لديهما كل الفصائل الأربعة.

و فيما يلي جدول يوضح فصائل الوالدين و فصائل الأطفال الممكنة و الغير الممكنة(1).

 

فصــائل الوالـديــــــــــن
فصيـلـــة الطفــــــــــــل
ممكن
غير ممكن
O X O
O
AB, B, A
A X A
O, A
AB, B
O X A
O, A
AB, B
B X B
O, B
AB, A
B X A
O, AB, B, A
------
AB X AB
AB, B, A
O
O X AB
B, A
AB, O

 

 

 

 

 


(1)- د. جلال الجابري – نفس المرجع السابق ص 188 ص 189.

 

لفرع الثاني: نظام RH

لقد ثبت علميّا أن %80 من البشر يوجد في خلاياهم الحمراء مولدات الضد  و  هي  ذات  6 نمـاذج

e, d, c, E, D,C . الثلاثة الأولى سائدة و الثلاثة الأخيرة متنحية، و إذا كان لشخص واحد أو أكثر من الثلاثة السائدة الأولى فإنه يعتبر ve (ve : vaginal examination)

مثال: …cde, cde, CDE و إذا كان لديه cde فإنه يعتبر ve (%15 من الناس) و من كل مولدات الضد هذه فإن مولد الضد   D هو الأكثر أهمية لأنه إذا دخل إلى شخص لا يملكه فإنه سيؤدي إلى إنتاج عيار عالي من الأجسام المضادة لذلك يصنف الناس عادة إلى ve أو ve إذا كان مولد الضد هذا موجود في خلاياهم الحمراء أم لا. و يساعد عامل Rh في النزاع حول الأبوة، فإذا كان كلا الوالدين سلبيين فإن الطفل لا يكون إيجابيا أبدا.

الفرع الثالث: نظام MN

إذا كانت مولدات الضد B, A موجودة في كريات الدم الحمراء في الوقت نفسه فإن الأجسام المضادة ألفا و بيتا موجودة في المصل، فإن مولدات الضد MN موجودة في كريات الدم الحمراء مع عدم وجود أجسام مضادة مطابقة في المصل و بالتالي فإن واحد أو كل مولدات الضد يجب أن يكون موجودا في كريات الدم الحمراء، و هذا يساعد في التفريق بين شخصين من نفس مجموعة ABO(1)، و لتوضيح المسألة نعطي هذا  المثال:

إذا كانت الام (M+, N+)، الإبن (M-, N+) و الأب المفترض (M+, N-) ففي هذه الحالة يستحيل ثبوت النسب لأن الإبن حصل على N+ من أمه و بالتالي M- من أبيه.

الفرع الرابع: نظام HLA

يهتم علم المناعة بدراسة كل الآليات التي تمكن الجسم من تمييز كل ما  هو  ذاتي  و  الحفاظ  عليه، و غير لذاتي للتخلص منه كالجراثيم و الأعضاء و الأنسجة الأجنبية عن الجسم، و العامل  المحدد  لكل  ما  هو  ذاتي هو الجينوم و الذي يتكون من مورثات تتحكم في تركيب البروتينات، و قد أدّت  الأبحاث  إلى  إكتشاف  بروتينات توجد على الغشاء السيتوبلازمي تتدخل في تحديد كل ما هو  ذاتي  و  سميت  بنظـام:

HLA (Human leukocyte antigen) و كل إنسان يحصل على مركبين HLA مختلفين واحـد من

 


(1)- د. جلال الجابري – نفس المرجع السابق ص 186 ص 187.

 

الأب و الآخر من الأم، مما يعطي له الفعّالية في مجال النسب نفيا أو إثباتا إلا أن ذلك لا يجد نفعا في حالة الزواج العائلي.

المطلب الثاني: فحص فصائل الدم دليل مؤكّد للنفي أو للإثبات

إن كل إنسان يرث صفاته من أبيه و أمه مناصفة سواء كان دم الأبوين من فصيلة واحدة أو من فصيلتين مختلفين، ففي حالة توافق الفصائل بين الطفل و مدّعيه، فإن هذا ليس قطعيا في إثبات نسبه لأن الفصيلة الواحدة قد يشترك فيها أناس كثيرون يحتمل أن يكون أبو الطفل واحد منهم.

مثال: لو ولدت إمرأتان في مستشفى و إختلط الولدان و تعذّر تمييزهما فيمكن عن طريق تحليل الدم معرفة نسب الولد الصحيح(1) بعد أن تحدّد فصيلة دم كل من الطفل و الرجل و الأم و التراكيب الجينية المحتملة ثم يقارن التركيب الجيني لفصيلة الطفل مع فصيلة الرجل، فإذا شارك أحد جيني فصيلة الرجل في التركيب الجيني لفصيلة الطفل فإنه في هذه الحالة تحتمل البنوّة لكن لا يمكن إثبات النسب إستنادا إلى فحص فصائل الدم فقط لذلك تستدعي الحاجة فحص آخر أكثر دقّة(2)، أما في حالة إستحالة مشاركة التركيب الجيني للرجل في التركيب الجيني لفصيلة الولد، ففي هذه الحالة تنتفي البنوّة تماما، وما يمكن إستخلاصه أن وراثة فصائل الدم لا تعطي أكثر من 40 % في مجال إثبات النسب و تصلح كدليل لنفي النسب بنسبة 100 %(3) لذلك تصنّف ضمن الطرق العلمية ذات الحجيّة الظنّية و قد أفرز التطور البيولوجي أكثر من 20 نظام لفحص الدم تعد بمثابة قرينة قاطعة في نفي النسب دون إثباته.

و بفضل التقدم البيولوجي في مجال الوراثة فلم يعد فحص الدم قاصرا على دوره التقليدي و هو كونه دليلا مؤكدا على نفي البنوّة و إنما أصبح له دور حديث إذ صار دليلا على إثبات البنوّة و بطريقة لا تقبل الشك و هذا ما سوف نراه في المبحث الآتي.

 

 

 


(1)- مقال للدكتور  إبراهيم بن ناصر الحمود –  أستاذ مشارك بالمعهد العالي للقضاء بمصر – منشور على موقع

      www.islamtoday.net بتاريخ: 05/10/2005.  

(2)- أنظر الفصل الثاني – المبحث الثاني من هذه المذكّرة.

(3)- أ. خليفة علي الكعبي – المرجع السابق ص 173.

 

المبحث الثاني: نظام البصمة الوراثية

تعتبر مسالة البصمة الوراثية من القضايا المستجدّة التي إختلف فيها فقهاء العصر و تنازعوا في المجالات التي يستفاد منها، و تعتبر فيها حجة يعتمد عليها كليا أو جزئيا و قد شاع إستعمال البصمة الوراثية في الدول الغربية، و قبلت بها عدد من المحاكم الأوربية و بدأ الإعتماد عليها مؤخرا في البلاد الإسلامية لذلك يجدر بنا معرفة حقيقة البصمة الوراثية و تبيان الشروط و الضوابط الشرعية لتكون قرينة لإثبات النسب أو نفيه. و هذا ما سأدرسه في المطلب الأول و من جهة أخرى فإن إعتبار بصمة الـ ADN قدم صدق في إثبات النسب قد يبدو في بعض الأحيان مناقضا للأحكام الشرعية كقضايا اللّعان لذلك تقتضي الدراسة التعرّض لموقف البصمة الوراثية من الأدلة الشرعية لثبوت النسب و مكانتها من اللّعان في مطلب ثاني كما يلي:

المطلب الأول: شروط العمل بالبصمة الوراثية و ضوابطها

و يجدر بنا قبل التطرّق لدراسة مضمون هذا المطلب إعطاء  بعض  المفاهيم  حول  البصمة  الوراثيــة:

فالبصمة لغة: هي لفظ عامّي يعني العلامة و هي مشتقّة من البصم و هو ما بين طرف الخنصر إلى طرف البنصر و هي أيضا أثر الختم بالإصبع.

و الوراثة: هي علم يبحث في إنتقال صفات الكائن الحي من جيل إلى آخر و تفسير الظواهر المتعلقة بهذا الإنتقال.

و البصمة الوراثية في معناها الإصطلاحي، فقد عرفها الدكتور سعد الدين الهلالي بأنها العلامة أو الأثر الذي ينتقل من الأصول إلى الفروع أي أنها المادة الحاملة للعوامل الوراثية و الجينات في الكائنات الحية(1)

و قد إرتضى المجمع الفقهي بمكة المكرمة لسنة 1998 التعريف الآتي: "البصمة الوراثية هي البنية الجينية، نسبة إلى الجينات أي المورثات التي تدل على هوية كل إنسان بعينه" و يعود إكتشافها على يد البروفيسور إليك جفري سنة 1985 و جاء الدكتور إريك لاندر ليطلق على هذا الإصطلاح: محقق الهوية الأخبر.

و تعتبر النواة الموجودة في كل خلية في جسم الإنسان ما عدى كريات الدم الحمراء مستودع المادة الوراثية التي توجد على الكروموزومات أو الصبغيات و التي تختلف من كائن إلى آخر و عددها عند الإنسان 46 كروموزوم خلافا للكروموزومات الجنسيةّ(2).

 


(1)- د. سعد الدين الهلالي – البصمة الوراثية و علائقها الشرعية–مكتبة الكويت الوطنية الكويت، الطبعة الأولى 2001 ص 25.

(2)-د. إبراهيم بن ناصر الحمود - مقال حول البصمة الوراثية على موقع www.islamtoday.net  

 

و يتركب الكروموزوم من سلسلة طويلة من المادة الوراثية ADN، و يعرف بالحامض النووي الرّيبوزي اللاّأكسجيني و يتركب من قواعد الأدنين (A) و التايمين (T) و الجوانين (G) و السايتوزين (C) بالإضافة إلى السكر الخماسي و الفوسفور، و بعد إتصال هذه القواعد ببعضها لتكوين الـ (ADN) تلتفّ بصورة سلالم حلزونية حول بعضها(1) مشكلة سلسلتين ملولبتين تمثل إحدى السلسلتين الصفات الوراثية من الأب و تمثل السلسلة الأخرى الصفات الوراثية من الأم و من مجموع السلسلتين يتميز الإنسان بصفات تميزه عن غيره من البشر(2) و هي التي تكوّن ما يسمى بالشفرة الوراثية (genetic code) و من التطبيقات العملية لإستخدامات الهندسة الوراثية في مجال إثبات النسب و نفيه، لأنّ المادة الوراثية للطفل تتكوّن من الأبوين مناصفة فالعدد الصبغي و الكروموزومات الموجودة في كل خلية في الطفل هي ستة و أربعون، ثلاثة و عشرون من نطفة الأب و ثلاثة و عشرون من بويضة الأم.

و لإثبات أو نفي بنّوة طفل إلى أب معين أو إلى أم معينة يدّعي أحدهما أو كلاهما نفي أو إثبات نسب الطفل إليه، نأخذ عيّنات من ADN لكل من الأب المزعوم و الأم المزعومة و الطفل لإجراء المطابقة، فإذا كان أحد الوالدين المزعومين أبا لهذا الطفل فإن نصف ADN للطفل سيطابق مع ADN الأب و بهذا يتم إثبات النسب بوجه علمي دقيق، و نفس الأمر بالنسبة للأم، أما عندما يختلف الـ ADN للطّفل مع ADN الأبوين فإنهما  بالقطع ليسا والدي لهذا الطفل، و بهذا يمكن نفي نسب الطفل لهذين الأبوين(3).

و بناءا على ما تقدّم فقد أصبح الإعتماد على الشفرة الوراثية في مجال إثبات النسب و نفيه يعتمد على أساس متين لا يتطرق إليه الشّك و حتى تكون كذلك فلا بد أن تتوافر فيها الشروط و الضوابط العلمية المعتبرة محليا و عالميا في هذا المجال.

 

 

 


(1)- د. عصام أحمد البهجي – تعويض الأضرار الناتجة عن تطبيقات الهندسة الوراثية في ضوء قواعد المسؤولية المدنية – دار 

        الجامعة الجديدة للنش، طبعة 2006 ص 33.

(2)- د. سعد الدين مسعد الهلالي – المرجع السابق ص 26.

    - د. سعد الدين مسعد الهلالي – حجيّة البصمة الوراثية لإثبات البنوة من أعمال الحلقة النّقاشية حول حجيّة البصم الوراثية بمكة

       المكرمة سنة 2000 ص 26،  27. 

(3)- د. إبراهيم بن ناصر الحمود – نفس المرجع السابق ص 48.

 

الفرع الأول: شروط العمل بالبصمة الوراثية

نظرا لأهمية البصمة الوراثية في كونها تمثّل دليلا حسيّا علميّا قطعيّا مبنيّا على التحليل و المشاهدة و أنها تساهم مساهمة كبيرة في إظهار الحقيقة فإنّها بحكم الأصل مباحة شرعا لحصول النفع بها في إقرار الحقوق و إقامة العدل و مع ذلك فإنه يشترط للعمل بها و إعتبارها دليلا شرعيا عدة شروط(1) منها:

-        أن تمنع الدولة إجراء الفحص الخاص بالبصمة الوراثية إلّا بطلب من القضاء و أن تكون المختبرات والمعامل

الفنية تابعة للدولة و تحت رقابتها، حتى لا يتم التلاعب فيها لمجرد المصالح الشخصية و الأهواء الدنيوية و بالتالي يكون النسب عرضة للضياع.

-        أن تكون هذه المختبرات و المعامل الفنية مزوّدة بأحسن الأجهزة ذات التقنيات العالمية و  المواصفات  الفنّية

القابلة للإستمرارية و التفاعل مع العيّنات و الظروف المحيطة بها في الدولة مع وضع آليات دقيقة لمنع الغش و منع التلوث و كل ما يتعلق بالجهد البشري في حقل مختبرات البصمة الوراثية حتى تكون النتائج مطابقة للواقع.

-        أن يكون العاملون في هذه المختبرات من خبراء و فنّيين ممن يتّصفون و يتّسمون بصفات  الأمانة و الخلـق

الحسن و العدل في العمل، و كل ما يتطلبه الشرع في سبيل درء المفاسد و جلب المنافع و ألّا يكون أي منهم ذا صلة أو قرابة أو عداوة أو منفعة بأحد المتداعين أو حكم عليه بحكم مخل بالشرف أو الأمانة حسب توصيات مجمع الفقه الإسلامي في دورته السادسة عشر.

-        أن يكون العاملون على البصمة الوراثية من أصحاب الخبرة العالية و المستوى الرفيع و  ممن  يشهد لهــم

بالتقدم العلمي و التقني حتى لا يؤدّي عدم ذلك إلى تدهور النتائج الفنية و بالتالي ضياع الحقوق  من أصحابها(2).

-        تكوين لجنة خاصة بالبصمة الوراثية في كل دولة يشترك فيها المتخصّصون الشرعيّون و الأطباء و الإداريون

و تكون مهمتها الإشراف على نتائج البصمة الوراثية و إعتماد نتائجها.

-        توثيق كل خطوة من خطوات تحليل البصمة الوراثية بدءا من نقل العينات إلى ظهور النتائج النهائية حرصا

على سلامة تلك العينات و ضمانا لصحة نتائجها مع حفظ هذه الوثائق للرجوع إليها عند الحاجة.

 


(1)- مقال للدكتور نصر فريد واصل – مفتي الديار المصرية – على موقع الأنترنيت www.islamtoday.net

(2)- من توصيات الحلقة النقاشية لمجمّع الفقه الإسلامي بالموقع www.islam.Net.com  

     - مقال بجريدة الشرق الأوسط بتاريخ: الموافق لـ 11 يناير 2002 حول موضوع البصمة الوراثية و مجالات الإستفادة منها.

 

 

-        شرط التعدد بين المؤيّدين و المعارضين: و المقصود بالتعدد هو تعدّد الخبراء الفنيّين القائمين على العمـل في

البصمة الوراثية. فهل فعلا البصمة الوراثية تحتاج خبراء أم يكفي خبير واحد؟

لقد إنقسم العلماء في ذلك إلى عدة آراء:

·         هناك من إشترط أن يكون العاملون على البصمة الوراثية أكثر من خبير قياسا على الشهادة.

·         و هناك من يرى جواز عمل الخبير الواحد قياسا على القيّافة، على أن الفقهاء القدامى أجازوا الإعتماد على

قول القائف الواحد المسلم العدل، فمن باب أولى أن يكون العمل بالبصمة الوراثية بخبير واحد فقط لأنها أوثق من القيافة. فأين هي معرفة القافة أمام دقّة مايصل إليه التحليل الجيني.

·         وهناك من أرجع مسألة تعدد الخبراء إلى القاضي، و هو الرأي الراجح بإعتبار القاضي سيد القضية و الخبير

الأعلى لتقيّيم الأدلة الفنية العلمية المطروحة أمام عدالة المحكمة متى رأي في قول الخبير الثقة و الأمانة و الطمأنينة و إذا ما شكك في صحة النتائج، فإنه لا حرج من أن يكرّر التحليل البيولوجي مرة أخرى، وهذا ما ورد أيضا في توصيات المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية إبان ندوتها الحادية عشر التي عقدت في دولة الكويت في يومي 28/29 محرم 1421 الموافقة لـ 3/4 ماي 2000.

الفرع الثاني: الضوابط الشرعية للعمل بالبصمة الوراثية

و أهم هذه الضوابط مايلي:

-        ألا تخالف نتائج البصمة الوراثية صدق  النصوص  الشرعية الثابتة من الكتاب و السنّة، حتى لا  يؤدي ذلك

إلى أهمال النصوص الشرعية المقطوع بصحتها و من ثمة لا يجوز إستخدامها بقصد التأكد من صحة الأنساب الثابتة شرعا و زعزعة الثقة بين الزوجين، و يجب على الجهات المختصة منعه و فرض العقوبات الزاجرة لأن في ذلك المنع حماية لأعراض الناس و صونا لأنسابهم.

-        أن تستعمل التحاليل الفنية للبصمة الوراثية في الحالات التي يجوز فيها التأكد من إثبات النسب لعدم ضياعه

و المحافظة عليه كلما دعت الضرورة إلى ذلك وتتمثل هذه الحالات في:

أ‌-      حالات التنازع على مجهول النسب بمختلف صور التنازع التي ذكرها الفقهاء سواء كان التنازع  علــى

مجهول النسب بسبب إنتفاء الأدلة أو تساويها أم كان بسبب الإشتراك في وطء الشبهة و نحوه.

ب‌-حالات الإشتباه في المواليد في المستشفيات و مراكز رعاية الطفولة و نحوها و كذا  الإشتباه في أطفــال

الأنابيب.

 

ج-حالات ضياع الأطفال و إختلاطهم بسبب الحوادث أو الكوارث أو الحروب و تعذّر معرفة  أهلهــم أووجود جثث لم يمكن التعرف على هويتها أو بقصد التحقق من هوية أسرى الحروب و المفقودين(1).

-        يجب أن لا تخالف تحاليل البصمة الوراثية العقل و المنطق و الحس و الواقع، فلا يمكن أن  تثبت البصمــة

الوراثية نسب من لا يولد لمثله لصغر سنه أو لكونه مقطوع الذكر أو الإنثيين، إذ من لا يولد لمثله لا يعقل أن يأتي بولد وبالتالي تكون البصمة الوراثية قد إعتراها الخطأ و التلاعب و خالفت العقل و الواقع وهو ما يتعين رفضـه.

-        منع القطاع الخاص و الشركات التجارية ذات المصالح من المتاجرة فيها و فرض العقوبات الزاجرة والرّادعة

لكل من تسول له نفسه التلاعب بالجينات البشرية أو التعرض للأسرة المسلمة و تحطيم دعائمها المستقرة.

وتجدر الإشارة إلى أنه بتوافر الضوابط و الشروط السابقة، فلا خلاف بين فقهاء الشريعة الإسلامية حول جواز إستخدام البصمة الوراثية في مجال إثبات أو نفي النسب، لكن لاحظنا أن هناك خلاف فقهي بشأن جواز أن يثبت ولد الزنا من المرأة غير المتزوجة إلى الزنا حيث أجازه عدد من علماء الأزهر بإعتبار أن ذلك سيقلل من جرائم الزنا إلا أن الدكتور علي جمعة –مفتي مصر الحالي– يرى عدم جواز الإستعانة  بتحليل البصمة الوراثية لإثبات ولد الزنا ويؤيّده الدكتور يوسف القرضاوي –رئيس الإتحاد العالمي للعلماء المسلمين– بقوله: "إن علماء الفقه الإسلامي إتفقوا على إثبات النسب للأم بالميلاد أما الأب فلا بد أن يتم ذلك عن طريق الوسائل الشرعية وإعتبار إثبات ولدالزنا من خلال  الإستعانة  بتحليل  البصمة  الوراثية  مردودا  عليه لأنّه فعل مجــــرم"(2).

المطلب الثاني: موقف البصمة الوراثية من الأدلة الشرعية لثبوت النسب ونفيه

و أتناول في هذا المطلب موقف البصمة الوراثية من الأدلّة الشرعية لثبوت النسب المتمثلة في الفراش، الإقرار، البيّنة، و مدى التعارض بين تحاليل البصمة الوراثية و إجراء اللّعان في نفي نسب الولد.

الفرع الأول: موقف البصمة الوراثية من الأدلّة الشرعية لثبوت النسب

أولا: موقف البصمة الوراثية من الفراش

لقد اجمع الفقهاء على أن الفراش يعتبر أقوى الأدلة و لا يعلو عليه شيء من الأدلة سوى اللّعان و لا يلجأ إلى البصمة الوراثية إلا عند التنازع في الإثبات و في هذا الصدد يقول الدكتور  نصر  فريــد واصــــل:

 


(1)- من قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورته السادسة عشر.


 

"و على ذلك فإن أدلة ثبوت النّسب من الفراش و البينة و الشهادة و الإقرار إذا وجدت كلها أو بعضها فإنها تقدم على البصمة الوراثية"(1).

و لقد وضع الفقهاء بعض الحالات التي يرون فيها جواز إستعمال البصمة الوراثية أثناء قيام الفراش و هذه الحالات تتمثّل في:

-        الحالة الأولى: إذا شكّ الزوج عند وضع زوجته هل توافرت أقل مدة الحمل و هي ستة أشهر أو  أكثر و لم

يستطع الجزم، و بالتالي فإن له اللجوء إلى البصمة الوراثية بأن تؤخذ عيّنة دم من الجنين و يتم مطابقتها مع الصفات الوراثية بالنسبة للأم و الأب(2).

-        الحالة الثانية: حالة نسب الولد الناتج عن الوطء بالشبهة أو من النكاح الفاسد أو أن تتزوج المطلقــة أو

الأرملة قبل إنقضاء عدّتها، فهل ينسب ولدها إلى زوجها الثاني أم إلى السابق.

-        الحالة الثالثة: و هي تتبع الحالة الثانية و ذلك إذا تساوت البيّنات أو تعارضت  الأدلّة كالشهود و غيرهـم،

كما تلعب البصمة الوراثية دورها في حسم النّزاع الدائر بين الزوج و الزوجة فيما إذا إدّعت المرأة أنّ الولد على فراش و كان زوجها قد سافر و حضر بعد زمن طويل فوجدها ولدت، فأنكر هذا الولد.

لكن من جهة أخرى فإن هناك إتّجاه من الفقهاء يرى أن البصمة الوراثية لا يجوز إستعمالها في فراش الزوجية، و يقول الشوكاني في كتابه السيل الجرّار: "متى كان الفراش ثابت شرعا، كان الولد لاحقا قطعا"(3).

إلا أننا نرى تبعا لقاعدة "إحياء الولد و عدم تضييعه" فإن النّسب يلحق بالفراش، صحيحا أو فاسدا أو وطء شبهة و لا داعي لإدخال البصمة الوراثية فيه إلّا عند الضرورة القصوى لأنّ ذلك يزعزع الثقة بين الزوجين.

و أمام عدم توضيح المشرع الجزائري للطرق المشروعة لنفي النسب فقد أعطت الشريعة الإسلامية طريقا وحيدا لنفي النسب و هو اللّعان و الذي هو أقوى من الفراش(4).

ثانيا: موقف البصمة الوراثية من البيّنة

يرى أغلب الفقهاء المسلمين أن الشهادة تقدم على البصمة الوراثية عند التعارض و ذلك للأسباب الآتية:

 


(1)- د. نصر فريد واصل – البصمة الوراثية و مجالات الإستفادة منها ص 26.

(2)- د. وهبة الزحيلي – البصمة الوراثية و مجالات الإستفادة منها ص 6.

(3)- خليفة علي الكعبي – المرجع السابق ص 148.

(4)- إبن القيم – المرجع السابق ص 164.

 

-        ثبوت الشهادة  في  القرآن و السنة و ا لإجماع  بحجتها و  العمل  عليها  في  قوله  تعالى: "و إستشهـدوا

شهيدين من رجالكم ..."[ البقرة الآية 282].

-        لا ينبغي تعطيل النّصوص الشرعية الصحيحة بمجرد دليل علمي حديث قد يشوبه الخطأ و التلاعب. كمـا

أن الشهادة قد تكون مهزوزة في حالات شهادة الزور، فإن تقارير البصمة الوراثية قد تكون مزوّرة أيضا إذا كانت لمصالح شخصية لأنها شهادة من غير يمين بخلاف الشهادة الشرعية التي تقام بعد القسم على كتاب الله.

ويبقى فيصل النزاع هو القاضي، فقد يستشفّ من البصمة الوراثية قرينة يطمئن بها قلبه و تدعم  الشهادة  و قد يكون عكس ذلك. و من جهة أخرى فقد وضّح بعض العلماء المعاصرين البعض من الحالات التي تدخل فيها البصمة الوراثية مع الشهادة و هي:

 الحالة الأولى: حالة التنازع على نسب اللقيط و كان لكل واحد منهما بيّنة تعارض بيّنة الآخر أو حالة المستلحقين للولد الذين لا بيّنة لهم فإن الفاصل في هذه الحالة هو البصمة الوراثية، و كما هو معروف سابقا فإنه عند التعارض في البيّنات و لم يمكن الترجيح بينهما تستخدم القافة كدليل ترجيح، و تبقى البصمة الوراثية كعلم حديث لا يتعارض مع نصوص الشرع إذا أستخدمت بشكل صحيح، في ما يخدم مصالح الناس.

الحالة الثانية: إذا إدّعى شخص عنده بينة "أي شهود" نسب طفل عند آخر قد نسب إليه بلا بيّنة.

ثالثا: موقف البصمة الوراثية من الإقرار

من المقرر شرعا يعتبر الإقرار أحد الطرق الشرعية لإثبات النسب بالإجماع(1)، و قد أجمع العلماء  علـى

تقديم الإقرار على البصمة الوراثية و ذلك بتوافر الشروط المعتبرة شرعا و بذلك فإن البصمة الوراثية لا مجال لها في بعض الحالات المتعلقة بإثبات النسب بالإقرار.

الحالة الأولى: إذا أقر الرجل بنسب مجهول النسب و توافرت شروط الإقرار فإنه يلحق به بالإجماع بمجرد الإستلحاق مع الإمكان، فلا يجوز الإحتكام إلى البصمة الوراثية إذا عبر المقرّ عن إرادته و صادق عليها بالإقرار، إلّا أنه هناك من يجيز الإحتكام إلى البصمة الوراثية إذا كذّب المقر له المقر، بإعتبار أن النسب حق للولد فينبغي على الأب أن يثبته بأي دليل و الذي تحل محله البصمة الوراثية في ظل غياب أي دليل آخر بشرط رضى المقر له بالنسب بإجراء البصمة الوراثية(2)

(1)- إبن القيم – المرجع السابق ص 158.

(2)- الدكتور وهبة الزحيلي – المرجع السابق ص 15.

 

الحالة الثانية: إقرار بعض الإخوة بالنسب لا يكون حجة على باقي الإخوة و لا يثبت به نسب و تقتصر آثاره على المقرّ في حدود نصيبه من الإرث لأن من الشروط المعتبرة للإقرار المحمول على الغير هو إتّفاق جميع الورثة على الإقرار بالنسب، و في حالة عدم تحقق ذلك فلا مجال للبصمة الوراثية في هذه الحالة.

و تجدر الإشارة في خاتمة هذا الفرع إلى أن أئمة الفقهاء السابقين أخذوا بالقرعة و القافة عند تعارض البيّنات و لم يمكن ترجيح إحداها على الأخرى دفعا للشبهات و ردا للحقوق لأصحابها، فإنّ لكل عصر طريقته الخاصة به لمعرفة نسب المولود المتنازع عليه، شريطة أن تكون هذه الطريقة موافقة لأصول الشرع و تخدم مصالح الناس كافة و بالتالي من باب أولى اللجوء إلى البصمة الوراثية كدليل مادي محسوس لكشف غموض واقعة النسب المراد التحقق منها.

الفرع الثاني: موقف البصمة الوراثية من الدّليل الشرعي لنفي النسب (اللّعان)

إذا كان اللّعان حكم شرعي ثابت من الكتاب و السنة لدرء الحد عن الزوج إذا قذف زوجته و لم تكن له بيّنة، و أيضا حماية و صيانة لعرض الزوجة و دفعا للحد عنها بحيث يفترق بموجبه الزوجان و ينسب الولد إلى أمه و قد ستر على المرأة فلم يعرف إن كانت هي الكاذبة أو هو الكاذب و لم يعرف إن كان الولد إبنه حقيقة أو لم يكن إبنه. و بعد أن ظهرت البصمة الوراثية و أصبح ممكنا معها تحليل الدم و معرفة نسب الولد إن كان من صلب هذا الرجل أم لا، فهل يصح نفي النسب بالبصمة الوراثية إذا جاءت النتائج تؤكد ذلك و يكتفي بها أم لا بدّ من اللعان أيضا؟

و هل يمكن للقاضي الذي أجرى الملاعنة بين الزوجين أن يعطّل أثر اللّعان في نفي النسب و يأمر بخضوع الأطراف لإجراء تحاليل البصمة الوراثية بناءا على طلب من الزوج أو الزوجة؟.

أولا: هل ينفى النسب بالبصمة الوراثية دون اللعان

لقد إختلف الفقهاء المعاصرون في صحة نفي النسب بالبصمة الوراثية فقط دون اللّعان و يمكن تلخيص آرائهم على النحو الآتي:

الفريق الأول: لا ينتفي النسب الشرعي الثابت بالفراش إلا باللّعان فقط و لا يجوز تقديم البصمة الوراثية على اللّعان(1) و هو موقف عامة الفقهاء المسلمين و الذي إستقر عليه قرار المجمع الإسلامي بالرباط  الذي  جاء فيـه:

 


(1)- الدكتور سعد الدين مسعد الهلالي - المرجع السابق ص 351.

 

"لا يجوز شرعا الإعتماد على البصمة الوراثية في نفي النّسب و لا يجوز تقديمها على اللّعان" و هذا إستنادا إلى قوله تعالى: "و الذين يرمون المحصنات و لم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربعة شهادات بالله أنه لمن الصادقين ..."[النّور الآية 6-9].

أي أن الآية ذكرت أن الزوج إذا لم يملك الشهادة إلّا نفسه فيلجأ للّعان و إحداث البصمة بعد الآية يعتبر تزّيد على كتاب الله(1)، و بالتالي فلا يمكن الإعتماد على البصمة الوراثية فحسب لإقامة حد الزنا، بل لا بد من البيّنة، فكيف تقدم البصمة على اللّعان و لا نقدمها على الحد، و كيف يجوز إلغاء حكم شرعي بناءا على نظريات طبية مظنونة(2).

الفريق الثاني: يمكن الإستغناء عن اللّعان و الإكتفاء بنتيجة البصمة الوراثية لأن نتائجها يقينيّة، فإن أثبتت أن الولد ليس من الزوج ينتفي النسب بالبصمة الوراثية دون اللّعان(3) و قد إستند أصحاب هذا الإتجاه و من بينهم الدكتور يوسف القرضاوي إلى أن البصمة الوراثية من قبيل الشهادة و ليس هناك موجب للّعان أصلا لإختلال الشرط الوارد في الآية و هو إنعدام الشهود لقوله تعالى: "و الذين يرمون أزواجهم و لم يكن لهم شهداء إلّا أنفسهم ..."، كما أن الآية ذكرت درء العذاب و لم تذكر نفي النسب و لا تلازم بين اللّعان و نفي النسب، فيمكن أن يلاعن الرجل و يدرأ عن نفسه العذاب و لا يمنع أن ينسب الطفل إليه إذا ثبت ذلك بالبصمة  الوراثية.

و بالتالي فإن الطفل لا ينفى نسبه باللّعان، إذا جاءت البصمة الوراثية تؤكّد صحة نسبه للزوج و لو لاعن، و ينفى النسب باللّعان فقط إذا جاءت البصمة تؤكّد قوله و تعتبر دليلا تكميليا لأن نتائج البصمة الوراثية يقينيّة مبنية على الحس، فإذا أجرينا تحليل البصمة الوراثية، و ثبت أن الطفل من الزوج و أراد أن ينفيه، فكيف نقطع النسب و نكذّب الحس و نخالف العقل، و لا يمكن أن يتعارض الشرع مع العقل، و بالتالي فإن إنكار الزوج و طلبه للّعان بعد ظهور النتيجة يعد نوعا من التعسف.كما أن الشرع يتشوق إلى إثبات النسب رعاية لحق الولد و مخالفة البصمة لقول الزوج في النفي يتنافى مع أصول الشريعة في حفظ الأنساب، ونفاذ اللعان مع مخالفة البصمة لقول الزوج يعد باعث كيد للزوجة يوجب عدم نفي نسب الطفل(4).

 


(1)- من مناقشات حول البصمة الوراثية بالمجمع الفقهي بالرّابطة في دورته السادسة عشر 422/هـ.

(2)- محمد الأشقر – بحث حول إثبات النسب بالبصمة الوراثية ص 455 على الموقع www.islamtoday.net  

(3)- خليفة علي الكعبي – المرجع السابق ص 301.

(4)-د. نصر فريد واصل – المرجع السابق ص 30.

 

و قبل ذكرنا للقول الراجح يجدر بنا الإشارة أنه لا خلاف بين الفقهاء في المسائل الآتية:

-        إذا لاعن الزوج و نفى نسب الطفل و جاءت النتيجة تؤكّد قوله، فإن النسب ينتفي و يفرّق بين  الزوجين،

لكن الزوجة لا تحدّ لوجود شبهة اللّعان طبقا للمبدأ الذي مفاده أن "الحدود تدرأ بالشبهات".

-        إذا رضي الزوجان بإجراء البصمة قبل اللّعان للتأكد  و إزالة  الشبهة  فإن  ذلك يجوز في حقهمــا و قد

إستحسن الفقهاء عرض ذلك على الزوجين قبل اللّعان(1).

و إنطلاقا ممّا سبق فإن الرأي الراجح يمكن إستنباطه  من  القاعدة الآتية : قطع  النسب ليس من لزوم اللّعــان.

ثانيا: قطع النسب ليس من لزوم اللّعان

و معنى هذه القاعدة أن البصمة الوراثية إذا جاءت مخالفة لقول الزوج فلا يلتفت لدعواه بنفـي النسب و

إن لاعن أو طلب اللّعان و أن نسب الطفل يثبت للزوج و تجري عليه أحكام الولد و لا يعد ذلك تناقضا مع أحكام الشرع، ذلك أن الشريعة أعظم من أن تبنى أحكامها على مخالفة الحس و الواقع. و للتوضيح أعطي المثال الآتي: لو أن رجلا أقر بمن يساويه في السن و إدّعى أنه أبوه فإننا نرفض ذلك لمخالفنه للعقل و الحس، حيث لا يمكن أن يتساوى أب و إبن في السن مع أن الإقرار في الأصل مشروع.

كما أن آية اللّعان قيّدت إجراؤه بعدم و جود أي شاهد إلا الزوج، و بالتالي لو كان هناك بيّنة من شهود، فإنه لا يجري اللّعان، بل يثبت ما رمى به الزوج زوجته و من البديهي لو كانت هناك بيّنة أخرى غير الشهادة، فلا وجه لإجراء اللّعان بإقرار الزوجة بما رماها زوجها من الزنا، فإذا منعنا وقوع اللّعان لوجود سبب  مانع لـه، فما وجه إجرائه مع وجود بينة قطعية (البصمة الوراثية) تخالف دعوى الزوج و حتى لو أصرّ الزوج عليه  في هذه الحالة فإنّ الولد يثبت نسبه إليه دون أن يتعارض ذلك مع بقاء اللّعان كسبب للفرقة بين الزوجين(2). و ما يؤكّـد ذلك أيضا أن الزوج إذا كذّب نفسه بعد الملاعنة فإنه يترتب على ذلك ثبوت النسب منه و يزول أثر اللّعان في نفي النسب، و يعود للولد نسبه من الملاعن مع إستمرار اللّعان كسبب للفرقة بين الزوجين أيضا(3).

و بالتالي يتضح أن نفي النسب كأثر للعان يقوم على الشك لا على اليقين ذلك أن قول الزوج في اللّعان متساوي

 

 



(2)- د. محد أبو زيد - دور التقدم البيولوجي في إثبات النسب – مجلة الحقوق، العدد الثاني، طبعة 1996، ص 287.

(3)- د- محمد أبو زيد – المرجع السابق ص 232.

 

الطرفين في الصّدق أو الكذب أي بنسبة 50 %، لأنه إمّا أن يكون صادقا أو تكون الزوجة صادقة، فهل من الصدق أن ندع بيّنة قطعية تصل إلى 99,9 % تؤكّد كذب الزوج و نأخذ بما هو محتمل الصدق بنسبة 50 % و ننسب ذلك للشريعة؟! و على قول الإمام إبن القيم: "فأيّ طريق أستخرج بها العدل و القسط فهي من الدين، ليست مخالفة له..."(1).

و في هذا الصدد أفتى الدكتور يوسف القرضاوي(2) قائلا: أنه من العدل أن يستجاب للزوجة إذا طلبت الإحتكام إلى البصمة الوراثية على أساس أنّها لا تفعل ذلك إلّا إذا كانت مستيقنة من براءتها و تطلب اللّجوء إلى وسيلة علمية مقطوع بها، فهي تطلب الإحتكام إلى البصمة الوراثية لإثبات أمور ثلاثة في غاية الأهمية شرعا.

أولّها: براءة نفسها من التهمة المنسوبة إليها و هذا أمر يحرص عليه الشارع بألاّ يتهم بريء بما ليس فيه.

ثانيها: إثبات نسب الولد من أبيه و هذا حق للولد بإعتبار أن حفظ الأنساب من الضرورات الشرعية  الخمـس.

ثالثها: إزاحة الشك من قلب الزوج بعد أن يثبت له بالدليل العلمي القطعي بأن الولد الذي أتهمها بنفيه منه هو إبنه حقا و بذلك يحل اليقين في نفسه محل الشك. و من جهة أخرى يرى القرضاوي أن الزوج لا يستجاب لطلبه الإحتكام للبصمة الوراثية إلا إذا وافقت الزوجة لأن ذلك يضيع حقّها في الستر وفقا للّعان.

و خلاصة لما سبق فإن القاضي يمكن له إجراء الملاعنة دون أن يمنعه ذلك من الإستجابة لإجراء فحص الدم، فإذا جاءت البصمة الوراثية و أثبتت شرعية الولد سواء قبل اللّعان أو بعده يحكم بلزوم النسب، دون أن يتعارض ذلك مع بقاء اللّعان كسبب للفرقة بين الزوجين. و أرى أنه يستحسن للقاضي أن يعرض التحليل البيولوجي سواء من تلقاء نفسه(3)، أو بناءا على طلب أحد الزوجين الماثلين أمامه و تأخير اللّعان إلى حين التأكد من شرعية الولد أم لا. و يبقى الأخذ بهذه التقنية يحقق مقصود الشرع في حفظ الأنساب من الضياع و يلعب دورا هاما في تدعيم و تقوية قاعدة الولد للفراش.

 


(1)- إبن القيم الجوزيّة – الطرق الحكيمة في السياسة الشرعية – دار الجيل بيروت، الطبعة 1998 ص 19.

(2)- من فتوى الدكتور يوسف القرضاوي حول أحقيّة أحد الزوجين في اللجوء إلى إستخدام البصمة الوراثية المنشورة في جريدة الأهرام 

       العربي– تاريخ: 28/04/2006.   

(3)- كما حدث في قضية الرياض حيث تقدم شخص إلى قاضي محكمة الرياض يطلب اللعان من زوجته لنفي نسب بنت ولـــدت       

        على فراشه فأحال القاضي الزوجين مع البنت إلى الجهة المختصة لإجراء إختبارات الفحص الوراثي، فجاءت نتائج الفحص بإثبات

       أبوة هذا الزوج للبنت إثباتا قطعيّا فكان ذلك مدعاة لعدول الزوج عن اللّعان و زوال شكوكه - من البحث الذي قدّمه د. عمر 

       السبيل  إلى المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرّمة في دورته 16.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه