دور الدليل المادي في كشف الجريمة والإدانة الجنائية

0

دور الدليل المادي في كشف الجريمة والإدانة الجنائية

        من المعروف أن أي جسم سواء كان إنسان أو أداة أو مادة ينفرد بصفات خاصة تميزه عن الأخر حتى و لو كان من نفس الطراز و مثال على ذلك : (2)

ـ كل إنسان له البصمة الخاصة به سواء كانت بصمة الأصابع أو بصمة الحمض النووي أو بصمة الأسنان .

ـ الأسلحة النارية ذات السدود و الخدود من عيار واحد و المصنعة في مصنع واحد تترك أثار مادية مختلفة على الرصاصة تعتبر بمثابة البصمة لكل سلاح.

ـ الأتربة تختلف أيضا من مكان إلى أخر في التركيب والمكونات والكثافة النوعية، وبناء على ذلك يمكن تحقيق ذاتية الآثار المادية المتخلفة في مسرح الحادث أو على جسم كل من الجاني أو المجني عليه و إرجاعها إلى أصلها و بهذا يتم ربط الأثر المادي بمصدره الذاتي :

ـ طبقا لنظرية المبادلة فانه في جرائم السرقة و القتل و الاغتصاب و غيرها يحدث تبادل بين كل من جسم و ملابس الجاني و المجني عليه و مسرح الجريمة مما ينتج عنه وجود أثار مادية مثل : الدم ـ الشعر ـ المني ـ اللعاب على بقايا مأكولات و إعقاب السجائر و في العض الآدمي ـ أنسجة بشرية أو أي مخلفات أدمية بمسرح الجريمة .

 

وقد لا تخضع كل الآثار المادية لتحقيق ذاتيتها و مصدرها و يتوقف الإثبات في بعض الآثار عند المرحلة العامة فقط فلا يكتمل بها الدليل المادي وعلى أي حال فان توقف الإثبات عند حد المرحلة العامة فقط لتحقيق ذاتية الأثر يفيد المحقق في تضييق دائرة البحث ، كما يعتبر قرينة يمكن للقاضي استكمالها بقرائن أو أدلة معنوية أو مادية أخرى حيث انه لا يجوز استكمال الدليل استنتاجا أو استنباطا عند توقف الإثبات عند مرحلة المميزات العامة فقط . (1)

 

في الشريعة الإسلامية أدلة كثيرة على أهمية الأخذ بالقرائن في القضاء موجودة بالقران الكريم و السنة النبوية فمثلا في القران تدل قصة سيدنا يوسف عليه السلام على إمكانية الحكم في القضاء بالقرائن كما في قوله تعالى " و جاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل و الله المستعان على ما تصفون " يوسف 18 .

 

وهذه قصة سيدنا يوسف عليه السلام وإخوته وكيدهم له وحقدهم عليه و كذبهم على أبيهم يعقوب وادعاؤهم كذبا أن الذئب قد أكل أخاهم يوسف وتفحص سيدنا يعقوب ملابس سيدنا يوسف بما عليها من دم كذب ولم يجد فيها اثر لتمزقات في الملابس بسبب أنياب الذئب كما ادعوا وهذه قرينة قوية على كذب روايتهم فاستنتج أن ما جاءوا به من دم على ملابس سيدنا يوسف ما هو إلا دم كذب، هكذا يعلمنا القران بما يقصه علينا من قصص أهمية القرائن في الحكم والقضاء كذلك في قوله تعالى : " قال هي راودتني عن نفسي " ـ  " و شهد شاهد من أهلها ان كان قميصه قد من قبل فصدقت و هو من الكاذبين " ـ يوسف ، 26 ، 29 .

 

        وفي هذه القصة ادعاء امرأة العزيز على سيدنا يوسف عليه السلام كذبا بأنه حاول الاعتداء عليها، ولكن شهد شاهد من أهلها و بفحص الملابس وجد أنها قد قدت من دبر من الخلف وليس من قبل وكان هذه قرينة قوية على براءة سيدنا يوسف عليه السلام بما اتهم به .

 

       و هناك قضايا عديدة عرضت على الرسول و حكم فيها بناء على القرائن و كذلك كان الخلفاء الراشدون و الأئمة الصالحون يعتمدون في حكمهم على القرائن .  (2)

 

المطلب الأول: البقع والتلوثات

         في كثير من الجرائم توجد بقع وتلوثات بمكان الجريمة أو الملابس و جسم المجني عليه أو المتهم بإشكال و صور مختلفة و ألوان متباينة و يمكن عن طريق فحص هذه البقع والتلوثات معرفة كيفية وقوع الجريمة من هذه البقع واتجاه سقوطها ومصدرها ومادتها، وأيضا عن طريق إجراء بعض الاختبارات المخبرية يمكن إرجاع هذه البقع إلى مصدرها يساعد على التعرف على المجرمين . 

 

أنواع البقع والتلوثات

        من أهم البقع الحيوية المنشأ أي التي مصدرها جسم الإنسان ما يلي :

ـ البقع والتلوثات الدموية.

ـ البقع والتلوثات المنوية.

ـ البقع والتلوثات اللعابية.

ـ البقع العرقية ، القيء ، البول ، البراز .


الأهمية الفنية الجنائية لفحص البقع و التلوثات الدموية

        التعرف على المجرمين في العديد من الجرائم المختلفة : مثل القتل، الاغتصاب، حوادث السيارات، يتم ذلك بتحديد الفصائل الدموية و بصمة الحمض النووي للبقعة الدموية ومقارنتها بدم المتهمين و المشتبه فيهم، وهذه وسيلة إثبات أو نفي.

معرفة سبب الوفاة: حيث يعطي الدم صورة واضحة عن العديد من الأمراض التي تسبب الوفاة، الكشف عن المواد السامة والمخدرة والمنومة، وبيان حدوث أن الوفاة قبل أو بعد الحريق:

ـ الكشف عن الكحول و نسبته بالدم : في سائقي السيارات المشتبه فيهم و في حوادث السيارات

ـ الفصل في قضايا البنوة المتنازع عليها : أي إثبات إن هذا الابن من هذا الأب أم عملية النسب فهي كما في الشرع الابن للفراش، حيث أن بصمة الحمض النووي تورث من الآباء إلى الأبناء طبقا لقواعد ثابتة ويمكننا تحديد الأبوة بنسبة 100%.

أشكال البقع الدموية في مسرح الجريمة : تدل على موضع الجثة أو تحريكها من مكانها أو حالتها عند تلقي الإصابة .

 

الأهمية الفنية الجنائية لفحص البقع المنوية

ـ إثبات وقوع الجرائم الجنسية : مثل جرائم الاغتصاب ، القتل الجنسي ، اللواط و ذلك بإثبات وجود السائل المنوي بالمجني عليها أو المجني عليه .

ـ التعرف على المجرمين في الجرائم الجنسية : عن طريق تحديد الفصائل الدموية و بصمة الحمض النووي للسائل المنوي الذي يرفع من على ملابس المجني عليها أو المجني عليه أو من على فراش المواقعة أو فرج الأنثى و دبر الرجل و مقارنتها بفصائل وبصمة الحمض النووي مني المشتبه فيهم و هذا دليل إثبات أو نفي 100 %

 

الأهمية الفنية الجنائية لفحص البقع و التلوثات اللعابية

         التعرف على المجرمين في العديد من الجرائم المختلفة مثل جرائم السرقة ، القتل، الاغتصاب عن طريق بصمة الحمض النووي التي يمكن تحديدها من فحص التلوثات اللعابية الموجودة بمسرح الجريمة أو بالمجني عليه و مقارنتها ببصمة الحمض النووي لمتهم أو المشتبه فيهم ، و هذه وسيلة نفي أو إثبات بنسبة 100 %  .

 

المطلب الثاني: الأسنان وأثارها

الأهمية الفنية الجنائية لفحص الأسنان و أثارها

        التعرف على المجرمين في العديد من الجرائم مثل جرائم الاغتصاب و اللواط، والسرقة و ذلك عن طريق فحص أثار الأسنان التي يتركها الجاني على المجني عليه في صورة عضة أدمية أو في مسرح الجريمة على بقايا المأكولات والفواكه أو التي قد يتركها المجني عليه على الجاني أثناء المقاومة و مقارنتها بقالب أسنان المتهم والمشتبه فيهم أو المجني عليه وهذه وسيلة إثبات ونفي لا تقبل الشك حيث أن لكل إنسان بصمة أسنان تميزه عن غيره. التعرف على الجثث المجهولة في كثير من الحوادث مثل :

ـ حوادث القتل الجنائي التي يقوم فيها الجاني بتشويه الجثة أو التمثيل بها و تقطيعها إلى أشلاء أو القيام بحرقها لإخفاء معالم الجريمة ، أو العثور على الجثة في حالة تعفن و تحلل.
ـ حوادث الطيران أو القطارات أو الحرائق والكوارث الطبيعية حيث تشوه الجثث بفعل الحريق أو بتناثر أجزائها . (
1)

وفي مثل هذه التدويد : حيث يصعب التعرف على أصحاب الجثث المتعفنة أو المتناثرة أو المتفحمة عن طريق الأوصاف الجسدية وبصمات الأصابع، لكن يمكن التعرف على مثل هذا النوع الجثث عن طريق الأسنان وهذه الوسيلة تأكيدية حيث إن الأسنان تقاوم التعفن والتحلل كما أنها تتحمل درجات الحرارة العالية .

وعن طريق فحص الأسنان يمكن التعرف على صاحب الجثة من خلال معرفة المعلومات الآتية .( 2)

ا ـ تقدير عمر الجثة : عن طريق ظهور الأسنان اللبنية والأسنان الدائمة ومدى تأكل الأسنان وجذورها .

ب ـ تحديد فصيلة الدم و بصمة الحمض النووي للجثة من خلايا النخاع و الرجوع إلى كل من له مفقود يمكن معرفة صاحب الجثة ، و يعتبر استخدام الأسنان و العظام عامة كمصدر للحمض النووي أمر حديث حيث يمكن استخراجه بنجاح من عينات يرجع عمرها إلى القدم
ج ـ تحديد بعض التشوهات الخلقية و المعلومات الوراثية لأسنان الجثة .

د ـ معرفة بعض العلامات المطبوعة على طاقم الأسنان و التركيبات السنية والحشوات والتيجان التي تثبت على الأسنان و تعتبر مميزة للشخص عن غيره و هناك أمثلة كثيرة تبين أهمية الأسنان بالاستعراف على الجثث المحترقة أو المشوهة بالتعفن و التحلل و التمزق منها : . (1)

ـ التعرف على بقايا جثة أدولف هتلر و زوجته ايفا براون ا عن طريق فحص الأسنان

ـ التعرف على جثة الدكتور بار كمان عالم الطب الذي قتله زميله و قطع جثته و إحراقها في فرن المعمل .

ـ التعرف على جثة لأمريكية في حادث طائرة عن طريق طقم أسنانها و المطبوع عليه الحروف الأولى للطبيب الذي قام بعمل الطقم لها.

ـ معرفة سبب الوفاة في حالات التسمم المزمن بالسموم المعدنية مثل : الزرنيخ، الرصاص، الزئبق، النحاس، الراديوم، حيث تترسب هذه السموم باللثة وجذور الأسنان وتترك اثر يدل عليها أما بالتحليل أو باللون، ولا تتأثر هذه السموم بالتعفن ويمكن الكشف عنها بالأسنان بعد مرور مئات السنين.

 

الأهمية الفنية الجنائية لفحص الأظافر وأثارها

 

ـ لتعرف على المجرمين في العديد من الجرائم مثل اقتل، الاغتصاب، جرائم التسمم والمخدرات وإتلاف المزروعات، وكذلك بمقارنة الآثار العالقة بأظافر المتهم أو المشتبه فيهم والمجني عليه.

ـ التعرف على نوع الجريمة من شكل و مكان وجود أثار الأظافر، فمثلا :

ا ـ وجود سحجات الأظافر الهلالية الشكل حول فم وانف المجني عليه يدل على جريمة كتم النفس .

ب ـ أما وجودها حول عنق المجني عليه فيدل على جريمة خنق باليد أو اليدين .
ج ـ وجودها حول الأعضاء التناسلية و بين الفخذين للأنثى قد يدل على جريمة اغتصاب بالقوة مع استعمال العنف .

 

المطلب الثالث: فحص الملابس وأهميتها

 

الأهمية الفنية الجنائية لفحص الملابس

ا ـ الاستعراف : فحص الملابس ذو أهمية في التعرف على الأشخاص المتوفين مجهولي الهوية وكذا الأحياء فقد يعثر بها على ما يدل على شخصيته أو يستدل منها على :ـ الجنسية ـ البنية والقامة ـ الطبقة الاجتماعية .)


ب ـ التعرف على نوع الحادث : من الممكن ان يعثر بجيب المجني عليه على حافظة أوراقه والنقود أو رسالة بخط يده يشير فيها إلى الانتحار أو خطاب تهديد بالقتل من طرف شخص أخر، أو أثار تدل على العنف و المقاومة كدليل على القتل الجنائي .(
1)

 

ج ـ الاستدلال على نقل الجثة و تحريكها من خلال أثار الجر و السحب على الملابس .

 

أهمية فحص التلوثات الموجودة بالملابس :

        إن شكلها و اتجاهها و مكانها بالملابس يدل على حالة المجني عليه أو المصاب أثناء الإصابة فمثلا انتشارها من الأعلى إلى الأسفل على هيئة خيوط من الدم يشير إلى بقائه واقفا أو جالسا لفترة بعد حدوث الإصابة ، أما تركيزها بغزارة حول موضع الإصابة فيشير إلى حدوث الإصابة و هو مستلقي على ظهره أو بطنه أو انه سقط على الأرض فور إصابته .

 

التلوثات المنوية : وجودها بملابس أنثى دليل على المواقعة الجنسية أما إثبات وجودها بملابس المتهم فقد يكون استمناء و لا يثبت التهمة عليه إلا إذا كان المني الموجود على ملابس الأنثى يعود إلى المتهم ( بصمة الحمض النووي ) .

 

أهمية فحص الملابس في حالات الإصابات النارية :

ا ـ التفرقة بين فتحة الدخول و الخروج ، و معرفة عدد كل منهم و هل تتفق الإصابات بالملابس مع الإصابات الموجودة بالجثة أو لا ، من خلال القطر ، انقلاب الحواف ، الاحتراق او الاسوداد المحيط بالثقب .

ب ـ التعرف على نوع السلاح الناري .

ج ـ تحديد مسافة الإطلاق عن طريق علامات قرب الإطلاق مثل الاسوداد و الاحتراق و مدى انتشار الرش في حالة بنادق صيد .

د ـ تحديد اتجاه الإطلاق لمعرفة موضع الجاني من المجني عليـه عن طريق رسم خط وهمي بين ثقبي فتحة الدخول و الخروج فيكون امتداده هو اتجاه الإطلاق ، و عن طريق معرفة شـكل الاسوداد أو المسحة الرصاصية بالملابس فان كانت دائرية كان الإطــلاق عموديا وإن كانت هلالية كان الإطلاق مائلا .

أهمية فحص الملابس في حالات الإصابة بالة حادة او راضه : من خلال فحص التمزقات الموجودة بالملابس معرفة الآلة المسببة فمثلا وجود تقطعات حادة منتظمة الشكل بالملابس المقابلة للإصابة بالجلد دليل على أن الآلة حادة أما وجود تمزقات غير منتظمة فالأداة راضه، كما يمكن معرفة هل الآلة نصل حاد أو ذات نصلين حادين .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



) د ـ إبراهيم صادق الجندي ـ أهمية الطب الشرعي في التحقيقات الجنائية ـ ص181 و ما بعدها2 (
(1) د ـ عبد الكريم درويش ـ التحقيق و البحث الجنائي ـ ص 156
(2) صحيح مسلم بشرح النووي 12/28 الفايز 1403 ـ ص 96 ـ الطرق الحكيمة لابن فرحون 1406 2/120 ـ بلوغ المرام من أدلة الأحكام ـ ص 292  
) د ـ محمد نيازي حتاتةـ  مقال مجرم العصر الحديث مجلة الامن العام ـ ع24 س1969 ـ ص231(
) د ـ عبد الحميد المنشاوي الطب الشرعي ـ ص 2152(
) د ـ إبراهيم صادق الجندي ـ مرجع سابق ـ ص 3321 (
) د ـ عبد الحميد المنشاوي ـ لطب الشرعي ـ ص 30 و ما بعدها 1 (

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه