شروط اختصاص القضاء الإستعجالــي

0

شروط اختصاص القضاء الإستعجالــي

       للدعوى الإستعجالية شروطا عامة ،وهي الشروط المطلوبة في الدعاوى العادية وشروطا خاصة يجب توافرها ليعقد الاختصاص للقضاء المستعجل .

1-الشروط العامة لرفع الدعوى الاستعجالية :

    الدعوى الإستعجالية مثلها مثل الدعاوى العادية يشترط لقبولها توافر الشروط الواردة بالمادة 459 من قانون الإجراءات المدنية والتي نصت على أنه :" لا يجوز لأحد أن يرفع دعوى أمام القضاء ما لم يكن حائزا لصفة وأهلية التقاضي وله مصلحة في ذلك ، ويقرر القاضي من تلقاء نفسه انعدام الصفة أو الأهلية ،كما يقرر من تلقاء نفسه عدم وجود إذن برفع الدعوى إذا كان هذا الإذن لازما . "

أ-الصــفة:

     لكي تكون الدعوى الإستعجالية مقبولة فإنه لا بد من توافر شرط الصفة، حيث لا تمنح الحماية القضائية إلا لصاحب الحق أو المركز القانوني المعتدى عليه ويجب أن ترفع الدعوى من ذي صفة على ذي صفة ،أي يجب أن يقع تطابقا بين المركز القانوني للشخص رافــع الدعوى والمركز القانوني لمن يوجد الحق في مواجهته وبالتالي لا بد أن تكون له مصلحـة شخصية ومباشرة، أي حائزا لصفة التقاضي[1].

   إلا أنه قد ترفع الدعوى استثناءا من غير ذي صفة لوجود استحالة قانونية أو مادية تمنع صاحب الحق من مباشرة الدعوى بنفسه، كالقاصر الذي يرفع دعواه بواسطة ممثله القانوني وهو الولي ،الوصي أو القيم ،والغائب الذي يجب أن ترفع الدعوى عنه بواسطة وكيلا عنه لأنه يوجد في استحالة مادية ،وكذلك الشخص المعنوي لا يستطيع مباشرة دعواه بنفسه وبالتالي ترفع بواسطة ممثله القانوني ،وتبعا لذلك يكمن التمييز بين الصفة في الدعوى والصفة الإجرائية  لكون الأولى لا  تثبت إلا لصاحب الحق في الدعوى والثانية تكمن في صلاحية الشخص لمباشرة الإجراءات القضائية باسم غيره وذلك لكون صاحب الصفة الإجرائية في الدعوى أصبح في استحالة مادية أو قانونية تمنعه من مباشرتها بنفسه .

   والقضاء المستعجل حينما يبحث في شرط الصفة فإنه يكتفي بأن يتثبت من وجودها حسب ظاهر الأوراق دون التعمق في صميم الموضوع أو تفسير العقود أو ما إلى ذلك توصلا إلى تحديد الصفة ،وفي هذا يختلف القضاء المستعجل عن قضاء الموضوع الذي يتعمق في تحري الصفة ليقطع في أمرها برأي حاسم [2].

ب -الأهليـــة :

   يقتضي لصحة المطالبـة القضائية توافـر شرط أهلية الاختصـام، والأهلية يعرفها القانون المدني على أنها صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات وهي على نوعين: أهلية وجوب وأهلية أداء وهذه الأخيرة هي صلاحيـة الشخص لإبـرام التصرفات القانونية والتي يترتب عنها أثارا قانونيـة، والمتقـاضي يجب أن تتوفر فيـه أهلية الأداء سواء كان مدعيا أو مدعى عليه.

   إن عدم توافر شرط الأهلية يترتب عنه بطلان الإجراءات[3] ويمكن الدفـع بعدم توافرها في أية حالة كانت عليها الدعوى، كما يتعين على القاضي إثارتها من تلقاء نفسـه لكون هذا الدفع يتعلق بالنظام الـــعام.

   غير أن الفقه والقضاء لا يشترطان أن تتوفر في الدعوى الاستعجالية الشروط اللازمة لأهلية التقاضي، بل يكفي أن تكون لرافع الدعوى مصلحة محققة وحالة في الإجراء المطلوب والسبب في ذلك يعود إلى أمرين  أولهما يتعلق بطبيعة الاستعجال وما يجب له من إجراءات سريعة لدرء الخطر الطارئ الذي قد يتعارض مع المطالبة بأهلية التقاضي العادي والتي يلزم لها شروطا معينة ولبعضها أثر أخص من هيئات خاصة قد تستغرق وقتا طويلا للحصول عليها ,والثاني هو عدم تأثير الأحكام المستعجلة في الموضوع أو أصل الحق الذي يبقى دائما بالرغم من صدورها .

 

جـ- المصلــحة :

     إن رفع الدعوى الإستعجالية يقتضي وجوب توافر شرط المصلحة في رافعها، فهي مناط الدعوى وبغيرها لا تكون مقبولة، والمصلحة تعني في المفهوم الإجرائي الفائدة أو المنفعة التي يسعى المدعي إلى تحقيقها والحكم له بما يطلبه .

   والمصلحة يجب أن تكون قانونية، أي مصلحة يحميها القانون، وقائمة وحالة حتى تكون الدعوى مقبولة ،غير أن هناك بعض الحالات التي أجيز فيها رفع الدعوى والمصلحة مستقبلية ،حيث نصت المادة 187 من قانون الإجراءات المـدنية عـلى أنه: " يجوز لرئيس الهيئة المختصة بالقضاء المستعجل باتفاق الخصوم أن يأمر باتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق يكون ضروريـا للفصل في نـزاع يحتمــل وقوعـه."

    كما أجاز القانون استثناءا رغم أن المصلحة محتملة رفع دعوى وقف الأعمـــال الجديدة ولو أنها لا تشكل خطرا حالا وهذا لأنها لو استمرت لشكلت في المستقبل تعرضا كــذلك دعوى إثبات حالة مستعجلة، فقد أجاز المشرع قبولها رغم أن المنازعة الموضوعية لم تحدث فعلا خشية أن يؤدي فوات الوقت إلى حين رفع دعوى في الموضوع إلى ضياع المعالم المراد إثباتها .

     إن الدفع بعدم توافر شرط المصلحة أمام قاضي الموضوع يجعله يتعمق في بحثه ويتغلغل في فحص المستندات حتى يبت فعليا فيه ،أما قاضي الاستعجال فإنه يكتفي بأن يتثبت من أن ظواهر الأمور والأوراق التي تشير إلى وجود  مصلحة في رفع الدعوى دون التغلغل في بحث الأوراق وفي صميم الموضوع[4] .

2-الشروط الخاصة بدعوى الاستعجال:

أ-شرط الاستعجال:

    يعد هذا الشرط عنصرا جوهريا لإصدار الأوامر الاستعجالية، وقد حضي بتعريفات عدة فمنهم من يرى بأنه الضرورة التي لا تحتمل التأخير، أو أنه الخطر المباشر الذي لا يكفي في اتقائه رفع الدعوى بالطريق المعتاد حتى مع تقصير المواعيد.وقد عرفه آخرون بأنه الخطر الحقيقي المحدق والذي يلزم درؤه بسرعة لا تكون عادة في التقاضي العادي ولو قصرت مواعيده، ومنهم من ذكر أن القضاء المستعجل يحقق ضمانة أساسية إذ يمكن من تهدد مصالحه وحقوقه من الحصول على الحماية السريعة ضد الخطر الداهـــم [5].

    وبالتالي إذا توفرت في الدعوى حالة الاستعجال على هذا النحو فإن الطلب فيها يكون مستعجلا وهو اتخاذ إجراء وقتي يبرره خطر داهم أو أمر يتضمن ضررا يتـعذر أو يصعب

إزالته إذا لجأ الخصوم إلى المحاكم بإجراءات الدعـوى العادية .


   يعتبر عنصر الاستعجال من النظام العام، فلا يجوز للأطراف الاتفاق على وجوده من عدمه ولا يجوز لقاضي الاستعجال أن يأمر بأي إجراء ما لم يكن هذا الأمـر مسببا على أساس توافر عنصر الاستعجال .

      والاستعجال معيار أو وصف مرن يستخلص من ظروف النزاع، متروك لتقدير القاضي وهو عنصر يتطور بتطور الزمان والمكان، فما لا يعد استعجالا في الوقت الفارط قد يعد كذلك في وقت لا حق.

       وفي عملية إنزال الوصف نكون بصدد مسألة قانونية تخضع لرقابة المحكمة العليا، أما من حيث ثبوت هذه الوقائع فإنها مسألة موضوعية لا تخضع لرقابتها. والاستعجال كشرط للاختصاص بالدعوى فإنه يعد شرطا مستمرا لا يلزم توافره عند رفع الدعوى فحسب، وإنما يلزم وجوده كذلك وقت صدور الحكم ويجوز إثارة عنصر الاستعجال في أي مرحلة تكون عليها الدعوى حتى أمام محاكم الدرجة الثانية ،ولا يجوز إثارته لأول مرة أمام المحكمة العليا إذا لم يدفع به الخصم أمام محكمة الموضوع باعتبار أن وجود الاستعجال من عدمه من المسائل الموضوعية[6] .

       إن انعدام عنصر الاستعجال في قضية ما وعرضت على قاضي الأمور المستعجلة فإن ذلك يجعله غير مختص نوعيا بنظرها وعليه أن يأمر بعدم اختصاصه النوعي وعليه فإن اختصاصه يكون مرهونا بتوفر حالة الاستعجال التي يستخلصها من ملابسات وظروف القضية، فإذا ما عاينها فإن عليه أن يأمر باتخاذ تدبير يهدف إلى المحافظة على حقوق الأطراف دون المساس بموضوع الحق الذي يخرج عن اختصاصه.

 

 

ب-شرط عدم المساس بأصل الحق: 

     إن القضاء المستعجل لا يفصل في صميم النزاع وإنما يحكم بصفة مؤقتة، فيقضي بتدبير وقائي أو إجراء وقتي لا يعتبر حسما للحق المتنازع عليه في صميمه طبقا لما نصت عليه المادة 186 من قانون الإجراءات المدنية والتي جاء فيها أن: " الأوامر التي تصدر في المواد المستعجلة لا تمس أصل الحق." وليس لقاضي الاستعجال أن يتعمق في فحص مستندات الخصوم وإنما يكتفي بتصفحها ليضمن من يبدو لأول وهلة أنـه أجدر بالحماية من الخصوم، وليس له كذلك أن يجري تحقيقات واسعة عن حقوق الخصوم مما يتنافى مع الاستعجال وفي هذا الصدد تقول الدكتورة أمينة النمر:"ومن مقتضاه إسعاف الخصوم بأحكام سريعة قابلة للتنفيذ الجبري، هذه الأحكام تضع الخصوم في مركز مؤقت ريثما يفصل في أصل الحق"[7].

   ويعد عدم المساس بأصل الحق أهم شرط لانعقاد اختصاص قاضي الاستعجال ومرد ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى الاختصاص النوعي المقرر له والمتعلق بالنظام العام والذي يمكن الأطراف كما يمكن القاضي نفسه إثارته في أي مرحلة تكون عليها الدعوى ، ولا يمكن السكوت عنه ما دام يتمتع بهذه الصفــة .

    وبالتالي فإن الأوامر التي تصدر في المواد المستعجلة لا تمس أصل الحق ويجب على قاضي الأمور المستعجلة أن يطبق هذا المبدأ الأساسي الذي أقرته المادة 186 من قانون الإجراءات المدنية وأن لا يبتعد عنه مهما كانت المبررات .

     ويجب هنا عدم الخلط بين عدم المساس بأصل الحق والضرر، فيسوغ لقاضي الاستعجال اتخاذ كل تدبير يراه صالحا حتى ولو كان من المحتمل أن ينتج عنه ضررا لأحد الأطراف، وكل ما عليه إلا أن يترك للجهة القضائية المعتادة حق الفصل في أصل النزاع وقد يترتب ضررا عن التدابير المتخذة في الاستعجال قد لا يعوض لأحد الخصوم والذي يصعب على المحكمة إزالته بحكم لا حق ،وفي هذا الشأن تظهر السلطات الواسعة والخطيرة التي أسندها المشرع لقاضي الأمور المستعجلة، الشيء الذي يتطلب منه كل التحفظ في استعمالها، فقد يلجأ إلى تغيير أو تعديل التدبير الذي سبق أن اتخذه إذا طرأت وقائــع جديــدة [8] .

     وعليه فإن القضاء المستعجل لا يتعمق في فحص المستندات كما ذكرنا ولا يفصل في الدعوى التي تتسم بالجدية ولا يعتمد على تفحص الوثائق المتصلة اتصالا مباشرا بوقائع الدعوى[9].

     ولقد جاء عن المحكمة العليا في قرارها المؤرخ في 23/07/1999 الحامل لرقم 681 196 أنه: "ولما ثبت - في قضية الحال - أن قضاة المجلس لما قضوا بإلزام المؤجر بتسليم مفاتيح المحل للمستأجر لتمكينه من مزاولة نشاطه التجاري فإنهم لم يخرقوا المادة 186 من قانون الإجراءات المدنية ولم يمسوا بأصل الحق ما دام أن عقد الإيجار لا زال ساريا و بإمكان المؤجر استعمال الإجراءات المنصوص عليها في المادة 177من القانـون التجاري لاسترجاع محلـــه"[10].

    وفي قرار أخر مؤرخ في 24/06/1997 تحت رقم 919 جاء فيه:" إن الأمر الاستعجالي الصادر بالطرد من العقار يعتبر سابق لأوانه ويمس بأصل الحق طالما أن هناك دعوى موازية أمام قاضي الموضوع "[11].

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 




[1]  قرار رقم 644 .566 مؤرخ في 27/12/1989، أورده حمدي باشا عمر في مؤلفه "مبادئ الاجتهاد القضائي في مادة الإجراءات المدنية " ،دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع،الجزائر،طبعة:2002، ص:39و40 .
[2] أ  زودة عمر : المحاضرات الملقاة على طلبة السنة الأولى ، سنة 2003 ، المدرسة العليا للقضـاء.
[3] نصت المادة 459 /02 في شطرها الأول من قانون الإجراءات المدنية على أنه: "ويقرر القاضي من تلقاء نفسه انعدام الصفة أو الأهلية ."
 
[4] الندوة الوطنية للقضاء الاستعجالي ،المرجع السابق ،ص : 65 .
[5] الغوثي بن ملحة : القانون القضائي الجزائري ،الديوان الوطني للأشغال التربوية ،طبعة: 02 سنة 2000، ص : 314  .
[6] قرار رقم 385 . 35 مؤرخ في 01/06/1985 ، المجلة القضائية لسنة 1989 ، عدد 02 ، ص : 122
[7] الغوثي بن ملحة : المرجع الأسبق ،  ص :  315 .      
[8] محمد إبراهيمي : المرجع السابق ,  ص : 140.
[9] قرار رقم 22098 مؤرخ في 16/03/1981 أورده حمدي باشا عمر ,المرجع السابق ,ص : 77
[10] المجلة القضائية لسنة 2000 ، عدد 01 ، ص : 133 .
[11] المجلة القضائية لسنة 1998، عدد 53، ص  : 64 .                                                                                    
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه