تعريف أمر الأداء في القانون الجزائري

0

تعريف أمر الأداء

    لم يحظ أمر الأداء بتعريف من طرف المشرع الجزائري ،وإنما اكتفى فقط بالتطرق إلى شروطه وإجراءات إصداره ، غير أن بعضا من الفقه حاول تعريفه على أنه : "نظام مختصر لا تتبع فيه الإجراءات المعتادة للخصومة القضائية لاستيفاء بعض الحقوق التي لا تثير بطبيعتها في الغالب نــزاع "[1].

        ولقد نصت المادة 174 من قانون الإجراءات المدنية الجزائري على أنه : " خلافا للقواعد العامة في رفع الدعاوى أمام الجهات القضائية المختصة يجوز تتبع الأحكام الواردة في هذا الباب عند المطالبة بدين من النقود ،ثابت بالكتابة ،حال الأداء ومعين المقدار."

       إن هذه المادة التي حافظت على صياغتها الأولى عند صدور قانون الإجراءات المدنية[2]  تجد مصدرها التاريخي في القانون الفرنسي الذي كان مطبقا خلال المرحلة الاستعمارية من قبل المحاكم الفرنسية وهو القانون الذي مدد العمل به في الميدان التطبيقي بموجب القانون 31/12/1962 الذي أجاز العمل بالقوانين الموروثة من العهد الاستعماري إلى غاية تعويضها بقوانين وطنيــة.

     تاريخيا يعود لجوء المشرع الفرنسي إلى تدابير أمر الأداء كرد فعل منه على طـول إجراءات التقاضي وتعقدها إذ أصدر في البداية مرسوما مؤرخا في 25/08/1937 سمح فيه بتبسيط تحصيل بعض "الديون التجارية الصغيرة " استجابة لمطالب غرف التجارة التي كانت دائما تنادي باتخاذ إجراء  مشابه لما كان سائدا وقتذاك عند جارتها ألمانيا وهو ما يسمى Mabenserfharen ولدى جارتها الأخرى إيطاليا ما يدعى Procedimento  و لقد كانت الإرادة الاقتصادية إذن هي الكاملة وراء اللجوء إلى هذا الإصلاح المتمثل في إجراءات سريعة ومبسطة ،حيث كانت السندات التجارية مثل الكمبيالات " السفتجــات

Les lettres de change  " والسندات الأذنية " السندات لأمر les billets à ordre " تعاني من عدم فاعلية تغطيتها وتحصيل مقابلها من النقود السائلـة .

    ولقد كان المشرع الفرنسي حذرا منذ البداية عند ما حصر الدافع في السندات التجارية فقط ، كما اقتصر الإجراء على تغطية الديون التجارية دون غيرها ،محددا الدفع بتلك الوسائل فحسب وبعد ذلك تطور الوضع و أصبحت جميع الديون التجارية يمكن أن يطبق عليها إجراء أمر الأداء متى كانت ثابتة بالكتابة ،مهما كانت هذه الكتابة أي سندات تجارية أم عقودا رسمية أم عقودا عرفية أم غيرها من الكتابات ، كما تم رفع مبالغ ذلك الدين المطالب به بواسطة إجراء أمر الأداء على مراحل من سنة1941 إلى سنة 1959 بعد ما كان لا يعني سوى مبالغ زهيدة نسبيا ،إلى أن صدر مرسوم مؤرخ في 03/09/1959 ألغى في بعض نصوصه ،كل تحديد لمبلغ الدين التجاري  واشترط فقط وجوب ثبوته بالكتابة مهما كان مقــداره[3].

   ولقد عرفت إجراءات أوامر الأداء توسعا على المستوى الأفقي عندما صدر مرسوم أخر في 04/07/1957 سمح بتطبيق تلك الإجراءات على الديون المدنية أيضا ، وعندها ظهرت ازدواجية التقاضي في أوامر الأداء أمام محاكم الدعـاوى "tribunaux d instances "  إلـى جانب المحاكم التجارية "T . de commerce " بحيث أصبح من الممكن اللجوء إلى كل محكمة حسب طبيعة الدين ، ما إذا كان مدنيا أم تجاريا ، وأخيرا أصدر المشرع الفرنسي القانون رقم 72/790 المؤرخ في 28/08/1972 مكرسا هذا الاتجاه و منظما بصورة عامة كيفية وفاء الديون المعينة المقدار والثابتة بالكتابة أيا كانت قيمتها ومهما كانت طبيعتها مدنية أم تجارية كانت.

    ويقرر التشريع الإيطالي الصادر في 09/07/1922 قاعدة أساسية مقتضاها جواز استصدار أمر بالأداء إذا كان الدين تجاريــا ثابتـا بموجب كمبيالة أو سنـد إذن .

    ويجيز القانون اللبناني الصادر 04/05/1968 التنفيذ المباشر بمقتضى السندات العرفية ولم يجعل هذا النظام مقصورا " الدين النقدي " وإنما جعله جائزا أيا كانت طبيعة الحق المطالب به ، وسواء كان حقا شخصيا أم عينيا ،ومهما كان موضوع الحق أو محله  وسواء أكان مطالبة بمبلغ مالي من النقود أم بأي أمر أخـــر[4].

    وقد استحدث المشرع المصري في قانون المرافعات الصادر سنة 1949 نظام أمر الأداء حيث كان يجيز استيفاء الديون الصغيرة الثابتة بالكتابة والتي لا يتعدى مبلغها خمسين جنيها  وقد قصد المشرع أن يقتصر هذا النظام على الديون الصغيرة التي يغلب عقدها في المدن دون الأرياف "يكون الدائن فيها عادة بقالا أو خبازا أو مؤجرا ...الخ " إذ كان المدينون غالبا ما يتعمدون التخلف عن دفع ما عليهم كسبا للوقت. فرأى القانون وقتذاك النص على جواز استصدار أمر الأداء المشار إليه بدل عرض النزاع على المحكمة لإثقال كاهلها وتعطيل نظر القضايا الأخــرى.

   غير أن المشرع المصري رأى أن النظام الذي وضعه لم يأت بالثمرة التي كانت مرجوة منه ويرجع ذلك من ناحية إلى الرخصة الجوازية التي أعطيت للدائن  بإتباع هذا الإجراء  ومن ناحية أخرى إلى القيود التي فرضها المشرع آنذاك بجعله مقصورا على المناطق الحضرية، لذلك صدر القانون رقم 265 لسنة 1953 رقم 485 لسنــة 1953 يجبران الدائن على سلوك مسلك إجراءات أمر الأداء وجوبيا مهما كانت قيمة الدين إلى أن صدر القانون رقم 100 لسنة 1962 معدلا قانون المرافعات في بعض نصوصه، من بينها الأحكام الخاصة بأمر الأداء ،وبعدئذ صدر قانون المرافعات لسنة 1968 محدثا تعديلات أهمها تطبيق هذا النظام كذلك على المنقولات المعينة بنوعها ومقدارها مثل الثمار والمحاصيل الزراعية إلى جانب تطبيقه على الديون النقديــة .

    وفي الجزائر ظلت تلك الإجراءات المذكورة مطبقة أمام المحاكم الموروثة عن التنظيم القضائي للاحتلال إلى غاية تعويضها بالتنظيم القضائي الوطني الصادر بموجب الأمر رقم 65 المؤرخ في 16/11/1965 والذي بدأ سريان العمل به مع قانون الإجراءات المدنية في يوم واحــد.

    فقد ألغى قانون التنظيم القضائي الجزائري ما كان يعرف بمحاكم الدعاوى ومحاكم الدعاوى الكبرى والمحاكم التجارية، وأحدث ما يسمى بالمحكمة كجهة قضائية قاعدية مشكلة من عدة أقسام منها القسم المدني والقسم التجـــاري.

    وبذلك صارت إجراءات أمر الأداء، ترفع أمام رئيس تلك الجهة القضائية أي رئيس المحكمة بغض النظر عن طبيعة الدين فلا يهم إذا كان مدنيا أو تجاريا، ليتم النظر في العريضة وتقدير مدى توفر الشـروط التي يتطلبهـا قـانون الإجــراءات المدنيــة في أمــر الأداء [5].

    وتجدر الإشـارة إلى أن أمر الأداء ذا طبيعة قضائية كونه يتضمن قضاءا قطعيا بإلزام المدين بدفع الدين، فهو يتضمن قضاءا فاصلا في خصومة رفعت إلى القضاء بطريق استثنائي، وهو لا يستند إلى سلطة القاضي الولائية بل إلى سلطته القضائية، ولقد ذهب بعض الفقه إلى القول أن أمر الأداء ذا طبيعة ولائية كون القاضي المختص به يباشر وظيفة ولائية وهو يصدر أمرا لا حكما وذهب البعض الأخـر إلى اعتبـار أمر الأداء ذا طبيعة مزدوجة لكونه صادرا على عريضة في مسألة غير ولائية ، بل في مطالبة قضائية، فهو من حيث الشكل أمر على عريضة ومن حيث الموضوع يشبه الحكم الغيابي، و أساس أمر الأداء هو نفسه أساس العمل القضائي الذي يحتوي على عنصري التقرير والإلزام، ومن جهة أخرى فإنــه يتبع في إصداره إجراءات مختصرة  لذلك فهو يشبه العمل الولائي.

     يشتمل أمر الأداء على قضاء في أصل الحق، ومن ثم فهو يحوز حجية فيه ومنه لا يجوز للخصوم معاودة طرح نفس الموضوع على قاضي الأمر طالما لم يسقط الأمر الذي            أصدره، كما يكون للقاضي في هذه الحالة الامتناع عن إصدار أمر جديد لحجية الأمر السابق[6].

 

 

 

 




[1] نبيل إسماعيل عمر : الأوامر على العرائض ونظامها القانوني في المرافعات المدنية والتجارية، منشأة المعارف الإسكندرية ، ص : 68 .
[2] صدر قانون الإجراءات المدنية بموجب الأمر رقم 66/154 مؤرخ في 08/06/1966 .
 
[3] كانت الديون التجارية محددة في البداية بمبلغ 1500 فرنك فرنسي ، ثم رفعت سنة 1941 إلى 6000 ف.ف. ثم رفعت سنة 1951 إلى 60000 ف.ف. ثم رفعت إلى 250000 ف.ف. سنة 1953 .
[4] عبد العزيز نوري :أمر الأداء، المجلة القضائية لسنة 2003  ، عدد 01 ،  ص: 97 - 98 . 
[5] عبد العزيز نوري : المرجع السابق ، ص : 99 .
[6] مصطفى مجدي هرجة : الأوامر على العرائض ، دار المطبوعات الجامعية ،الإسكندرية، سنة 1990 ،ص: 09.  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه