الخـــــــــــــــبرة في القانون الجزائري

0

: الخـــــــــــــــبرة

            قد يتعذر على القاضي في بعض القضايا المطروحة عليه أن يباشر بنفسه تحقيق في كل أو بعض وقائع الدعوى ، سيما إذا كان التحقيق فيها يتطلب الإلمام بمعلومات فنية دقيقة وهي خارجة نوعا ما عن معارف القاضي ، ولذا يجوز له أن يستعين بالخبراء المختصين في كل المسائل التي يستلزم الفصل فيها استيعاب نقطة فنية معينة، أو كان الفصل في النزاع يتوقف على معرفة معلومات فنية في أي فرع من فروع المعرفة إذ ليس على القاضي أن يكون خبيرا في كل المواد والأمور التقنية المطروحة عليه بل يفترض فيه أن يكون ملما بالمبادئ القانونية والقواعد الفقهية والأحكام القضائية التي هي من صميم وظيفته لذا يمكنه تعيين خبير ولكن هذا لا يمكن أن يكون في أي حال من الأحوال منح من صلاحيات القاضي للخبراء مثل سماع الشهود أو إجراء تحقيق (1) فللقاضي الحرية في ندب الخبراء وبأي عدد يحدده وفي أي مجال من المجالات التي يراها مناسبة دون التنازل لهم عن صلاحياته المخولة قانونا وذلك ما جاءت به صريح المادة : 48 من قانون الإجراءات المدنية " يعين القاضي الخبير إما من تلقاء نفسه أو بناءا على إتفاق الخصوم ".

        وقد جاء في عديد من قرارات المحكمة العليا ما يلي بيانه " من المقرر قانونا أن المهمة التي يكلف بها الخبراء المنتدبين من جهة قضائية معينة تنحصر في جمع المعلومات الفنية التي تساعد القاضي على حسم النزاع وتصور له القضية بصفة أعم وأشمل ، وانه لا يمكن أن تتحول هذه المهمة إلى منح الخبير صلاحيات القاضي مثل سماع الشهود وإجراء التحقيق ولما كان كذلك فان القضاء بما يخالف هذا المبدأ يعد خرقا للقانون" (2) وجاء في قرار آخر " من المقرر قانونا وقضاءا أن يأمر القاضي بإجراء الخبرة  وتعيين الخبير مع توضيح مهمته التي تكتسي طابعا فنيا بحتا مع مراعاة عدم التخلي عن صلاحيات القاضي لفائدة الخبير" (3)  .                                                                                


 


1- الدكتور الغوثي بن ملحة : المرجع السابق الصفة 124.

2- ويلاحظ في الوقت الحالي كثرة لجوء القضاة إلى تعيين الخبراء حتى لأمور لا تستوجب ذلك .

3- قرار مؤرخ في 20/11/1985 ملف رقم 34653 المجلة القضائية لسنة 1989 العدد 04 الصفحة 71 .


                                                                                               أولا : سلطة القاضي في تعيين الخبير

         للقاضي الحق في تعيين خبير في الدعوى متى تبين له ذلك فله وحده تقدير لزوم أو عدم لزوم هذا الإجراء ، ولا معقب عليه في ذلك متى كان رفضه لتعيين خبير طلبه أحد الخصوم جاء لأسباب مبررة

        مع الإشارة أن هناك  من الحالات التي يلزم  فيها القانون تعيين خبير و في الغالب  تبقى السلطة التقديرية للقاضي في غير هذه الحالات المحددة قانونا، هي الأساس و من الحالات التي ألزم فيها المشرع القاضي بالرجوع إلى خبير لحسم النزاع مثل الحالات المنصوص عليها في المادة  358 من القانون المدني الخاص بالغبن الذي يزيد عن الخمس والمادة 724 من نفس القانون الخاص بقسمة المال بين الشركاء وكذا حالات طلب رفع بدل الإيجار المنصوص عليها في المادة : 124 من القانون التجاري وكذلك الحالات الخاصة بالتعويض عن حوادث المرور وحوادث الشغل وغيرها من الحالات التي لا تملك فيها المحكمة وسيلة أخرى غير الخبرة للفصل في القضايا المطروحة عليها .                           

      والخبرة هنا تصبح مسألة قانونية لا بد من مراقبتها من طرف المحكمة العليا وكل إخلال بها يترتب عليه نقض القرار، وإذا كان قاضي الموضوع لا يخضع لرقابة المحكمة العليا بصدد عدم الاستجابة لطلب ندب خبير فانه يجب أن يكون رفضه قائما على أسباب مبررة أما إذا كان حكمه غير مسبب أو دون ذكر سبب معقول فيه لرفض الخبرة ودون أن يكون للمدعي وسيلة أخرى لإثبات ما يدعيه يكون القاضي بهذا قد أخل بحقوق دفاع الخصم الذي يعتبرها الوسيلة الوحيدة في الإثبات والتي هي حق لا يسمح القانون بحرمانه منه (1).                                                                                                            










 


1. الدكتور عبد الوهاب العشماني:  نفس المرجع الصفة 226-227 .



                                      

ثانيا : موقف القاضي من تقرير الخبرة

       مبدئيا القاضي غير ملزم برأي الخبير (1) إذ يكون لقاضي الموضوع الحرية التامة في تقدير عمل الخبير الذي ندبه فله إن يأخذ برأيه إذا تبين له أن الحق في جانب هذا الرأي الذي وصل إليه الخبير في تقرير خبرته سيما إذا لم يعترض أحد الخصوم على ما يشير إليه تقرير الخبرة ، كما لقاضي الموضوع أن لا يأخذ برأي الخبير إذا رأى أن تقريره يشوبه البطلان أو أن استنتاجه غير صحيح أو مخالف للواقع أو متناقض مع الوثائق التي قدمها الخصوم في الدعوى ذلك أن القاضي هو خبير الخبراء إذا لم يقتنع الاقتناع الكامل له أن يجري خبرة جديدة ولقد تأكد مبدأ حرية القاضي في تقرير الخبرة في نص المادة 54 الفقرة الثانية من قانون الإجراءات المدنية حيث جاء فيها " إذا رأى القاضي أن العناصر التي بني عليها الخبير تقريره غير وافية فله أن يتخذ جميع الإجراءات اللازمة وله على الأخص أن يأمر باستكمال التحقيق أو أن يستدعي الخبير أمامه ليحصل منه على الإيضاحات والمعلومات الضرورية والقاضي غير ملزم برأي الخبير" .

       وبذلك فان المادة 54 من قانون الإجراءات المدنية قد أوضحت بعضا من المواقف التي قد يأخذها القاضي وهو يدرس و يتمحص تقرير الخبرة فإما أن يقتنع برأي الخبير ويراه مناسبا ومقنعا ومتناسقا مع بعضه البعض  وبالتالي فهو يتبنى رأي الخبير ويحكم بالموافقة على جميع ما جاء بالتقرير " من المقرر قانونا أنه إذا كانت المسألة محل الخبرة فنية تخرج عن اختصاص القاضي فان هذا الأخير يلتزم برأي الخبير فإذا حدد الطبيب نسبة مئوية لعجز شخص معين فلا يجوز للقاضي أن يخفض هذه النسبة إلا إذا استند إلى خبرة طبية أخرى (2) وإما أن يرفض الخبرة كلية.                              

        كما قد يرى القاضي أن بعض النقاط في التقرير جاءت غامضة وبالتالي لا يمكن الموافقة على الخبرة  إلا بعد أن توضح تلك النقاط الغامضة كما يجوز للقاضي أن يأمر الخبير باستكمال النقص الموجود في التقرير ويجوز له في المقابل أن يجزأ رأي الخبير.                    

       وفي كل الأحوال يجب على القاضي أن يعلل حكمه وإلا كان مشوبا بالقصور فلا يمكن للقاضي أن يؤسس رفضه لتقرير الخبير على مجرد التخميم أو الجهل .

 



 


1- قرار رقم 49302 المؤرخ في 11/04/1988 المجلة القضائية لسنة 1992 عدد 02 الصفحة 40.

2- الدكتور آدم وهيب الندوي نفس المرجع  السابق الصفحة 211.


        ومن بين أهم القيود التي ترد على سلطة المحكمة في تقدير رأي الخبير ما يلي :

1. دراسة الخبرة المقدمة بعمق ومحاولة جمع ما لديها من قوة وعدم التسرع في تقديرها.

2.عدم تشويه أو تغيير طبيعة التقرير عند تفسيره .

3.على القاضي تسبيب حكمه سواء كان قد صادق على تقرير الخبرة أو أخذ بما يخالفه ، وسواء أجريت خبرة واحدة أو عدة خبرات .

        وللإشارة فان تقرير الخبرة لا بد أن يقدم محررا وموقعا عليه من طرف الخبير ، كما يمكن أن يقدم شفويا إذا طلبت هيئة المحكمة ذلك ولابد أن ينجز التقرير في المدة التي حددها القاضي ويودع كتابة الضبط في المدة المحددة.                                                                                                  

        وان عين عدة خبراء  فيقومون بتقرير واحد إذا اتفقوا أما إذا لم يتفقوا فيقدم كل واحد منهم تقريره ويبدي رأيه مع التعليل  (1).

        وتقرير الخبرة لابد أن يتضمن جزأين فالجزء الأول يحتوي على تاريخ ومنطوق الحكم الذي عين به الخبير والمهام المحددة له واستدعاء الخصوم والسماع لهم ، أما الجزء الثاني يتضمن رأي الخبير وعادة ما يقفل المحضر بذكر التاريخ والمكان وبإمضاء الخبير(2) .                                            

       وتقرير الخبرة حجة بما اشتمل عليه من تاريخ وحضور الخصوم أو غيابهم أما فيما يتعلق بما أبداه الخصوم من الأقوال فقد كان القضاء الفرنسي يعتبره  حجة بما تضمنه .

      ولكن الأحكام الحديثة تميل إلى إطلاق سلطة المحكمة في تقديرها عند تكوين اعتقادها وأما ما استنبطه الخبير فليس له هذه القوة وللخصوم أن يدحضوه وأن يظهروا خطأه أو عدم مطابقته للوقائع بكل طرق الإثبات.                                                                                                               

      ولابد من الإشارة في نفس السياق أنه  لا يصح الاحتجاج على تقرير الخبير إذا كان هذا الاحتجاج صادر من طرف  لم يكن  خصما في الدعوى التي ندب فيها هذا الخبير(3) .                                  


 


1.  محمود توفيق اسكندر:  الخبرة القضائية -  دار هومة -   طبعة 2002 -   صفحة 72 / 73

 2. الدكتور عبد الوهاب العشماوي : المرجع السابق صفحة 223 .





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه