إجراءات أمر الأداء

1

إجراءات أمر الأداء

   إن إجراءات استصدار أمر الأداء عبارة عن إجراءات سهلة بالمقارنة مع إجراءات التقاضي العادية ،حيث أنها تتميز بالتبسيط من أجل الحصول على مقرر قضائي تنفيذي لتحصيل الدين المطالب بــه.

الفرع الأول 

إجراءات إصدار أمر الأداء

    عمليا يقدم الدائن عريضة من نسختين إلى أمين الضبط التابع لرئاسة المحكمة المختصة محتوية على البيانات التي تطلبها القانون وهي هوية الدائن والمدين ومهنة كل واحد منهما وموطنه ومقدار المبلغ المطالب به على وجه التحديد وسببه، ويرفق المعني بعريضته جميع الوثائق الثبوتية المؤيدة لأقواله والموضحة لمقدار الدين المطلوب وبصفة خاصة جميع الكتابات الصادرة من المدين والمشار فيها إلى الاعتراف بالدين أو التعهد بالوفــاء[1] .

      يقدم أمين الضبط العريضة ومرفقاتها في شكل ملف إلى رئيس المحكمة ليتفحصها ويصدر أمره المناسب على ذيلها بالرفض أو القبول دون حاجة إلى أن يسبب أمره تسبيبا مفصلا مكتفيا بالإشارة إلى أنه اطلع على العريضة وعلى الوثائق المرفقة بها، فإذا ظهرت لرئيس تلك الجهة القضائية الابتدائية صحة الدين فإنه يصدر أمره بأسفل العريضة ووجوب إبلاغ أمر الأداء إلى المدين، وهنا يوجب القانون على أمين ضبط المحكمة أن يقدم إلى العارض مستخرجا من أمر الأداء في شكل شهادة تتضمن هوية الأطراف المذكورة في العريضة وتاريخ أمر الأداء ومبلغ الدين وسببه ورقم قيد العريضة في السجل الخاص بأوامر الأداء المعد لهذا الغرض، ومن الناحية التطبيقية يعيد أمين الضبط إلى العارض إحدى النسختين من عريضتـه مؤشـرا على ذيلـها بأمــر رئيس المحكمة لتبليغها مع ذكر رقم قيدها في السجــل.

     يقوم العارض بعد ذلك بعملية تبليغ الأمر والعريضة إلى المدين بواسطة المحضر القضائي

 الذي يقع عنوان المدين بدائرة اختصاصه، فيسلم له هذا العون القضائي الوثيقتين وينذره في محضر تبليغه بأن يسدد الدين المطالب به وملحقاته من فوائد ومصروفات والمصاريف القضائية وأتعاب المحضر ذاته وهي مبالغ ينبغي أن تذكر جميعها بالتفصيل ويجب أن يتم دفعها في ميعاد خمسة عشر (15) يوما من تاريخ ذلك التبليغ وإلا أجبر على الدفع بجميع الطرق القانونية وهذا طبقا لنص المادة 178/1و2 من قانون الإجراءات المدنية،كما ينبغي على المحضر القضائي الذي يتولى عملية تبليغ المدين أن يذكر في محضر التبليغ الذي يعده لهذا الغرض بأنه نبهه إلى أنه إذا كانت لديه أوجه دفاع مخالفة يمكنه رفع اعتراض على أمر الأداء المبلغ له خلال ميعاد الدفع المذكور "15 يوما" وأنه عليه في هذه الحالة الأخيرة أن يقوم بدفع مبلغ مصاريف لأمر المبلغ إليه (الرسوم القضائية وأتعاب المحضر والرسم على القيمة المضافة )[2].

الفرع الثاني

 طرق الطعن في أمر الأداء

      غني عن البيان أن الدائن إذا رفض طلبه لا يمكنه أن يعارض في أمر الرفض لأنه يصدر حضوريا بالنسبة إليه، أما المدين فلم يخوله المشرع حق المعارضة في ذلك الأمر الذي يصدر في غيبته ،وإنما سمح له بأن يطعن في أمر الأداء عن طريق الاعتراض عليه أمام نفس المحكمة. ويجوز استئناف الأمر أمام المجلس القضائي بتقنيات خاصة بهذا النظام الاستثنائي، فهذان الطريقان منصوص عليهما في قانون الإجراءات المدنية ويمكن للمدين أن يطعن في أمر الأداء بطريق النقض وهذا شأن مختلف فيه حسب الاجتهاد القضائي الفرنسي، كما يجوز للغير المضرور من صدور أمر الأداء أن يطعن فيه بطريق اعتراض الغير الخارج عن الخصومة ،وفقا للقواعد العامة المنظمة لهذا الطريق الغير عادي للطعــن.

1-       الاعتراض على أمـر الأداء :

    خول قانون الإجراءات المدنية إلى المطلوب الحق في رفع اعتراض عـلى أمر الأداء في المادة 179 التي نصت على أنه :" ترفع المعارضة في أمر الأداء بكتاب يسلم إلى قلم كتاب الجهة القضائية التي صدر عنها الأمر ...  ".

     تجدر الإشارة هنا في البداية إلى رفع بعض اللبس عن بعض المصطلحات الواردة في هذه المادة، فالمعارضة التي تقصدها المادة هي ترجمة خاطئة لكلمة "contredit"  التي تعني اصطلاحا "اعتراض" مثلما هو منصوص عليه في الصياغة الأصلية للنص الذي أعد سنة 1966 باللغة الفرنسية منقولا عن النص الفرنسي الموروث ،وأن كلمة "كتاب" الذي يرفع بمقتضاه الاعتراض في أمر الأداء عبارة عن عريضة أو رسالة بسيطة مثلما هو وارد في الصياغة المفرنسة للمادة بعبارة " une simple lettre "، كما أن عبـارة " قلم الكتاب" تعني كتابة الضبط.

    ويثور التساؤل بشأن نوعية الجهة القضائية التي ينبغي رفع الاعتراض أمامها ؟

    ولكن في الحقيقة والواقع أن تحفظ الشخص المطالب بدفع الدين بموجب أمر الأداء يجعل منه آخذا لموقف المدافـع وغير المعترف بالدين أو على الأقل بجزء منه سواء لأنه أوفى به أو لأنه سقط بالتقادم أو لعدم أحقية العارض فيه أصلا ومثل هذه الدفوع تناقش أصل الحق وجوهر النزاع وعليه ينبغي ترك الأمر إلى قضاء الموضوع ليمحصه سواء أمام القاضي المدني أو التجاري حسب الأحوال، وهنا تنقلب الأوضاع ويصبح المعترض على الدين مدعيا ينبغي عليه تسبيق مصاريف رفع دعواه ويصبح العارض السابق مدعي عليه، وتأخذ المنازعة مجراها الإجرائي العادي ويتبادل طرفاها مذكراتهم ومقالاتهم وطلباتهم إلى أن ينتهي النزاع بصدور حكم قضائي قابلا للاستئناف[3].

2- استئناف أمر الأداء:

    نصت المادة 181/1 من قانون الإجراءات المدنية على أنه :"إذا كان أمر الأداء قابلا للاستئناف فيسري ميعاد الاستئناف من تاريخ انتهاء ميعـاد المعارضة "الاعتـراض" أومن تاريخ النطق بالحكم الصادر برفضها ... "

     فالأمر الصادر عن رئيس المحكمة يعد حكما في مضمونه رغم أن شكله أمر ولائي و بإرادة المشرع خول لمن صدر ضده أن يستأنفه أمام الغرفة المدنية بالمجلس القضائي في حدود ما ورد بالمادة 02 من قانون الإجراءات المدنية.

     فالاستئناف يمكن رفعه من المدين وحده في الحكم الصادر في الاعتراض بعد انقضاء أجله "15 يوما من تاريخ تبليغه أمر الأداء " ويبقى ميعاد الاستئناف تحكمه القواعد العامة المنصوص عليها بالمادة 102 وهي مدة شهر من تاريخ التبليــغ.

     تجدر الإشارة إلى أن الحق في الاعتراض على أمر الأداء يسقط إذا طعن فيه مباشرة بالاستئناف لأن ذلك يعد تنازلا ضمنيا عنه، كما أن أمر الأداء الذي لم يحصل فيه اعتراضا ولم يمهر بالصيغة التنفيذية خلال سنة (06) أشهر من تاريخ صدوره يسقط تلقائيــا ولا يترتب عنه أي أثــر[4].

 3- الطعن بالنقض في أمـر الأداء:

     لقد كانت محكمة النقض الفرنسية في البداية متساهلة في قبول الطعن بالنقض في أوامر الأداء متى انتهت أجال الطعن فيها أمام قضاء الموضوع بالطرق العادية التي رسمها القانون وأعطى الاجتهاد القضائي الفرنسي أمثلة على حالات قبل فيها الطعن مثل حالة تسليم الصيغة التنفيذية لأمر الأداء قبل فوات الأجل القانوني لتشكيل الاعتراض عليه وهو مدة شهر من تاريخ التبليغ، وحالة الاستجابة إلى طلب العارض في تثبيت أمر الأداء دون مراعاة الاعتراض الذي سبق أن رفعه الطرف المقابل ، ومثل الحالة التي ينصب فيها الاعتراض على أمر متقادم.

   وقضت محكمة النقض الفرنسية بأن الطعن لا يكون له موضوعا إلا إذا كان منصبا على افتقاد المشروعية الشكلية لأمر الأداء  " نقض في 23/01/1991 ".

   ومن الأمثلة الأخرى التي قبلت فيها المحكمة العليا الفرنسية الطعن بعد ذلك، نذكرأيضا حالة وضع الصيغة التنفيذية على أمر الأداء من قبل كاتب الضبط بكيفية غير قانونية وحالة عدم احتواء أمر الأداء ذاته على بعض البيانات الأساسية مثل اسم القاضي الذي أصدره وتوقيعه " نقض في 05/04/1993 ".

     ولقد انتقد الفقه هذا القرار الأخير على أساس أنه قبل وضعية أدخلها ضمن أوجه الطعن بالنقض، وهي حالة إثارة تجريحات في أمر الأداء ذاته والتي كان من الأجدر أن تجد مكان التصدي إليها في إطار الاعتراض على أمر الأداء أو عند استئنافه، وفي مرحلة موالية استدركت محكمة النقض الوضع وأصبحت تقلص من الحالات التي يتم فيها قبول الطعن بالنقض من طرف المدين، وأصبح من الواضح التأكد على أن المدين لا يمكن أن يثير في هذا المستوى من الإجراءات "النقض" سوى غياب الشرعية الشكلية للصيغة التنفيذية.

      وهكذا قضت محكمة النقض الفرنسية بعد ذلك برفض الطعن المبني على عدم ذكر اسم رئيس المحكمة التجارية الذي أمضى على أمر الأداء " نقض في 18/12/1996 " وأن مثل هذا التجريح يدخل في إجراءات الاعتراض وحده وكذا رفض الطعون المبنية على عدم إمضاء كاتب الضبط على أوامــر الأداء[5].

4- اعتراض الغير الخارج عن الخصومة:

     يبدو أن لكل شخص مضرور من صدور أمر أداء لصالح غيره أن يطعن فيه بهذا الطريق ولقد رأى القضـاء الفرنسي أن أمر الأداء الذي يصبح قابلا للتنفيذ بصفة نهائية لا يفلت من الطعن فيه من طرف الغير، عندما قبل اعتراض الغير الخارج عن الخصومة في قضية كان قد صدر فيها أمر الأداء على مدين لـدفع مبلغ من النقود، وأن هذا الأخير لم يحرك ساكنا مفضلا أن مسألة دفع الدين تتولاه الوكالة الضامنة، بل أن هذا المدين أهمل حتى إثارة وجه التقادم الذي يحرره من الدين أصلا وبالتالي يعفي الوكالة من الضمان. في هذه القضية لم يقدم المدين الأصلي اعتراضا على أمر الأداء وإنما قامت الوكالة باستئنافه على أساس أنه أصبح في حكم المقرر القضائي الوجاهي الصادر عن الدرجة الأخيرة، ومن هذا المنطلق قبلت محكمة الاستئناف الاعتراض من طرف الوكالة باعتبارها غيرا خارجا عن الخصومة وسايرت محكمة النقض هذا التوجه بقولها أن :"غش المدين الأصلي يكفي قبول اعتراض الغير المقدم من طرف الوكالة الضامنة . " قــرار في 10/12/ 1991".


الفرع الثالث

تثبيت أمر الأداء

   نصت المادة 180 من قانون الإجراءات المدنية أنه يتم تثبيت أمر الأداء متى لم تحصل فيه معارضة في الميعاد، ويمكننا إضافة شرط أخر وهو أن تنتهي هذه المعارضة بالرفض أو الشطب مادام أن نتيجة هذين الشرطين واحدة وهو بقاء أمر الأداء.

   ويتم تثبيت أمر الأداء من طرف القاضي بناءاً على طلب يرفع إليه بعريضة من الدائن يطلب فيها تثبيته بعد أن يلفت إنتباه المحكمة بصدور أمر الأداء ضد المدين وتبليغه إليه، وعدم قيام هذا الأخير بمعارضة أو إستئناف فيه، وبالطبع تكون العريضة مرفقة بالوثائق كسند الدين ومحضر التبليغ، وبعد ذلك يصدر القاضي أمراً بتثبيت أمر الأداء ويكون بالصيغة التالية: "نأمر بتثبيت أمر الأداء طبقا للمادة 174 من قانون الإجراءات المدنية".

      ويمر أمر الأداء قبل تنفيذه بمرحلتين:

-المرحلة الأولى هي صدور أمر الأداء.

-المرحلة الثانية هي تثبيت أمر الأداء.

   ولكن لم يبين المشرع ما هو الميعاد الذي يفصل بينهما، والذي يمكن من خلاله تثبيت أمر الأداء، وبغض النظر عما يمكن قوله في ذلك فإن المادة 180 من قانون الإجراءات المدنية لا تبدو متناقضة في حكمها مع المادة 181 من ذات القانون بنصها بأنه بانتهاء مهلة المعارضة يقرر القاضي تثبيته، ومن جهة أخرى أن الأمر يمكن إستئنافه من تاريخ إنتهاء مدة المعارضة فإذا كانت المادة تقصد إستئناف الأمر الذي يبدأ من تاريخ إنتهاء مهلة المعارضة وهو يمكن أن نسجل بأن هناك خلل إذ كيف يمكن تثبيته بصيرورته حكما وإستئنافه باعتباره أمراً.

أما إذا كانت المادة 181 المذكورة تقصد إستئناف الحكم فإنها قد عبرت عنه بالأمر ولم تذكر في نصها الحكم، ويمكن في رأينا وضع نص المادة 180و181 في إطارها الصحيح والقول بأن الأمر الذي يثبت هو الأمر الصادر إبتدائيا نهائيا، أما الأمر الصادر إبتدائيا فإنه لايمكن تثبيته إلا إذا إنقضى أجل الإستئناف، وبعد تثبيت الأمر فإنه يصبح حكما حضوريا ويترتب عليه كافة أثار الحكم الحضوري.      



    يناط برئيس المحكمة إضافة للأعمال القضائية أعمالا ولائية يقوم من خلالها بإصدار أوامر تكون على ذيل العرائض، وأعمالا إدارية تخول له متابعة التنظيم والسير الحسن للمحكمة.


المبحث الأول




[1] المادة 175/2 من قانون الإجراءات المدنية تنص على: "ويرفق بالطلب جميع المستندات المؤيدة له والمعززة لوجود الدين والموضحة لمقداره وبصفة خاصة جميع الكتابات الصادرة الصادرة من المدين والمشار فيها إلى الاعتراف بالدين أو التعهد بالوفـــاء . "    
[2] نصت المادة 178/3 من قانون الإجراءات المدنية في شطرها الثاني على أنه : "وعلى المدين في هذه الحالة أن يقوم بإيداع مبلغ المصروفات. ". 
[3] عبد العزيز نوري : المرجع السابق ، ص : 108 .
[4] الطيب زروتي : تحرير العرائض والأوراق شبه القضائية ، طبعة الكاهنة ،  سنة 2000 ، ص :141 .
[5] عبد العزيز نوري : المرجع السابق ، ص: 113.

التعليقات

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه