نتائـج مرتبـة القواعـد التشريعيـة واللائحيـة في الثانون الجزائري

0

نتائـج مرتبـة القواعـد التشريعيـة واللائحيـة
 سبق وأن أوضحنا انه بعد القواعد الدستورية وما يلحق بها من مبادئ قانونية عامة، وبعد القواعد الاتفاقية الدولية تأتي القواعد التشريعية بنوعيها العضوية والعادية، وبعدها تأتي القواعد اللائحية بنوعيها أيضا الصادرة في الظروف الاستثنائية أو في الظروف العادية، وعلى ذلك فالقواعد التشريعية أسمى من القواعد اللائحية من جهة كما تسمو القوانين العضوية على القوانين العادية، وتترتب نتائج قانونية عدة على المرتبة الإلزامية للقوانين العضوية (أولا) ونتائج على سمو القواعد التشريعية على القواعد اللائحية (ثانيا)
أولا : نتائج المرتبة الإلزامية للقوانين العضوية:
 إذا كانت القواعد التشريعية تنقسم في ظل دستور 1996 إلى مجموعتين متباينتين من حيث المرتبة الإلزامية، إذ تسمو القواعد التشريعية العضوية على القواعد التشريعية العادية، وذلك إعمالا للمعيار الشكلي، وهو ما يؤدي بنا على ضوء مبدأ تدرج القواعد القانونية إلى خضوع القانون العادي للقانون العضوي نصا وروحا، شكلا ومضمونا ([7])، لكن طالما كان لكل من القانون والقانون العادي مجالا محجوزا دستوريا فكيف يتصور مخالفة القانون العادي للقانون العضوي ؟
تتخذ هذه المخالفة شكلين فقد تكون مخالفة شكلية (I) وقد تكون موضوعية (II) .
I- المخـالفة الشكـلية: وذلك حيـنما يتم التـشريع بقـانون عادي في مجال القـانون العضـوي أو العكس، إذ يشكـل ذلك مخالفة صريحة للدستور من حيث الإجراءات ويكون التشريع غير دستوري، ومثاله ما جرى بالنسبة للقانون الأساسي للقضاء باعتباره قانون عضوي إذ ضمن فيه البرلمان أحكاما تنشئ فروعا قضائية جديدة تسمى الأقطاب المتخصصة وبعد إخطار المجلس الدستوري قرر عدم مطابقة تلك المواد للدستور لكونها تندرج ضمن مجال القانون العادي وليس القانون العضوي([8]) .
II- المخالفة الموضوعية: وتتجسد هذه الصورة من خلال صدور قوانين عادية تتعارض في نصها أو فحواها مع القوانين العضوية، فالقانون العادي لا يمكنه أن يلغي أو يعدل أحكام متضمنة في قانون عضوي، وإلا كان غير دستوري، فإذا كان الدستور مثلا قد خول التشريع بقانون عضوي في مجال القانون الإطار المتعلق بقوانين المالية طبقا لنص المادة 123 من الدستور فإنه قد نص على اختصاص البرلمان في التصويت على الميزانية وإحداث الضرائب والجبايات والرسوم والحقوق المختلفة وتحديد أساسها ونسبها وذلك بموجب قوانين عادية طبقا لنص المادة 122 من الدستور، فإذا تضمنت قوانين المالية مخالفة للقانون الإطار فحين ذاك تكون تلك القوانين مخالفة لمبدأ المشروعية لمخالفتها قواعد قانونية أسمى منها، والمفروض أن قوانين المالية تمتاز بخصوصية أن قواعدها تتعلق فقط بالجانب المالي، لكن الحكومات صارت تغتنم قصر مدة مناقشتها لتضمنها قواعد تشريعية عادية يصعب تمريرها في شكل قوانين منفصلة عن قوانين المالية وهو ما يشكل خرقا بينا لإرادة المؤسس الدستوري خصوصا وأنها قد تضمنها مخالفات صريحة للقانون الإطار للقوانين المالية.
ولا شك أن إيجاب خضوع القانون العادي للقانون العضوي سيقود إلى نتيجة أخرى وهي ضرورة فرض آليات رقابية لكفالة هذا الخضوع، وتختلف هذه الآليات حسب وجه التعارض بين القانونين، فإذا كان التعارض يتعلق بمجال الاختصاص فإن ذلك يشكل مخالفة مباشرة لنص الدستور مما يجعل القانون المتجاوز مشوبا بعيب عدم الدستورية، وهو الوجه الذي يختص برقابته المجلس الدستوري في إطار الرقابة على دستورية القوانين، وإذا كان التعارض موضوعيا من القاعدة التشريعية العادية للقانون العضوي فإن المجلس الدستوري لم يعلن صراحة أن القوانين العضوية تنتمي إلى الكتلة الدستورية وهو ما يقودنا إلى نتيجة غاية في الأهمية هي انه لا يمكن اعتماد القوانين العضوية كقواعد مرجعية للرقابة على دستورية القوانين، وبالتالي يتوجب التساؤل عن طبيعة العيب الذي يلحق القاعدة القانونية العادية المخالفة لقانون عضوي؟
 نظرا لعدم تصريح المجلس الدستوري بموقفه من هذه المسألة في أرائه وقراراته منذ 1996، خلافا للمجلس الدستوري الفرنسي الذي اعتمد القوانين العضوية كمرجع للرقابة على الدستورية، وذلك في قراره رقم 60/08 الصادر بتاريخ 11/08/1960، وهو الموقف الذي سايره فيه بعض الفقه، ويترتب على ذلك أن التـشريع العادي الذي يخالف أو يتجاهل أحكاما منصوصا عـليها في قـوانين عضوية أو يتجاوز حدود الاختصاص، يجب أن يصرح بكونه قانونا غير دستوري، وهو الاختصاص الذي يحتكره المجلس الدستوري، ولكن مع ذلك فإن هذه النتائج لم ترق مرتبة القوانين العضوية لتعادل مرتبة الدستور وقد عبر عن ذلك الأستاذ : Hubert Aruiel :
«la référence aux lois organiques considérés comme les égales de la constitution ne peut être retenue , sans doute le conseil constitutionnel les vise il l’ors qu’il contrôle la conformité d’une  loi a la constitution sons doute les lois organique doivent elles être d’une plus grand respect que lois ordinaires , Mais cela ne suffit pas a les éleres au range constitutionnel à les intégrés a la constitution   »
وقد عرضت هذه المسالة على مجلس الدولة الفرنسي أثناء تحضير مشروع دستور 1958، وتوصل إلى أن مخالفة مشروع قانون عادي للقانون العضوي لا تعتبر مخالفة للدستور، لكنها قد ترتب أثارا سيئة على سير المؤسسات في الدولة .
ثانيا: نتائج سمو القواعد التشريعية على القواعد اللائحية :
يجب على السلطة التنفيذية أن تخضع أثناء سن اللوائح  للقواعد ذات القيمة التشريعية، سواء صدرت تلك اللوائح في الظروف العادية (I) أو غير العادية (II).
I- خضوع اللوائح للقواعد التشريعية في الحالة العادية: ويتخذ هذا الخضوع مظهرين أساسيين:
1-    ضرورة إصدار اللوائح التنفيذية: توصلنا فيما سبق إلى أن السلطة التنفيذية تستمد صلاحية إصدار اللوائح من الدستور، وان أثر الدعوة التشريعية لإصدارها إنما يقتصر على جعل سلطة الحكومة مقيدة فيجب عليها أن تتدخل لإصدار هذه اللوائح في آجال معقولة، ولا شك إن مخالفة الحكومة لهذا الالتزام يشكل مخالفة لمبدأ المشروعية عموما، وخرقا خطيرا لمبدأ تدرج القواعد القانونية على وجه الخصوص، كونه يجعل من القواعد التشريعية مجرد حبر على ورق، ولا شك أن الواقع الجزائري شهد وجود مئات النصوص التشريعية ضلت معطلة النفاذ نتيجة عدم صدور النصوص التنفيذية، ومما يزيد الوضع سواء انه لا يوجد أي نص قانوني يحدد للحكومة أجلا تلتزم فيه بإصدار هذه المراسيم، ولذلك يقترح الفقه على المؤسس الدستوري التدخل للنص على أجل محدد يلي صدور القانون تلتزم الحكومة خلاله بإصدار المراسيم التنفيذية، وبدون ذلك فإن صدور القانون لن يترتب عليه سوى إثخان كتلة المشروعية، وينقلنا ذلك من إطار دولة القانون إلى ما يسمى بدولة القوانين .
2-احترام اللوائح التنفيذية لمضمون القواعد التشريعية: وهنا يطرح السؤال: متى ينتهي مجال القانون ويبدأ مجال اللائحة طبقا لمبدأ فصل السلطات ؟
لقد استقر الفقه والقضاء المقارن على أن مجال اللوائح التنفيذية يشمل كل ما هو لازم لتنفيذ القانون دون الخروج عنه أو تعديله أو إلغائه، وهذا يعد من مقتضيات مبدأ المشروعية وتدرج القواعد القانونية، فتكون سلطة رئيس الحكومة في إصدار المراسيم التنفيذية سلطة مقيدة، لكن الحدود بين اللوائح التنفيذية والقوانين ليست دوما بهذا الوضوح، وهو ما أدى إلى ظهور عدة أفكار وتطبيقات قضائية أهمها :
أ- فكرة التمييز بين القواعد الموضوعية والقواعد الإجرائية: وقد جاء بها الفقيهان (دوجي) و (بونار) ومفادها أن حدود ومجال اللوائح يقتصر على القواعد والأحكام الإجرائية فقط .
ب- فكرة الطبيعة الإدارية والتنفيذية: وجاء بها الفقيهان (فيدل) و (إيزنمان) وتقوم على أن قيمة وجوهر اللوائح التنفيذية هي التي يعول عليها في تحديد مجال وحدود هذه القرارات وطبيعة علاقتها بالقانون الذي تنفذه في الواقع العملي، و بذلك فإن تطبيق نظام تدرج القواعد القانونية يفرض تبيان الشروط و الأساليب الإدارية اللازمة لتطبيق القانون بصورة فعالة و مشروعة.
ج- فكرة القضاء الإداري الفرنسي: و الذي ميز بين حالتين:
-حالة صدور اللوائح بعد دعوة تشريعية: و فيها أجاز القضاء لهذه القرارات أن تخلق قواعد موضوعية عامة مكملة للقانون و مساعدة على تنفيذه بصورة كاملة سليمة.
-حالة صدور اللوائح دون دعوة تشريعية: هنا ضيق القضاء الإداري الفرنسي من مجالها، وقصره على الأحكام والإجراءات التطبيقية للقانون.
 ونخلص من عرض هذه الاتجاهات، إلى أن دور المـراسيم التنفيذية يجب أن ينحصر في وضع الأحكام التفصيلية التي تسـاعد على تجسيد القواعد التشريعية وتطبيقها على الحالات الفردية، دون تناقض أو تعديل- صريحا كان أو ضمنيا - لإرادة المشرع المعبر عنها بالنص القانوني .
وللملاحظة فإن كل ما سبق ذكره يتعلق باللوائح التنفيذية، أما اللوائح المستقلة فرغم أنها تعتبر قرارات إدارية، فإن القواعد التشريعية تختفي، و تظهر مكانها المبادئ العامة للقانون إضافة إلى القواعد الدستورية، و إذا خالفتها صارت غير مشروعة كنتيجة منطقية لمبدأ التدرج .   
-IIخضوع اللوائح للقواعد التشريعية في الحالة غير العادية:
 سبق و أن حددنا قيمة اللوائح و الأوامر الصادرة في الظروف غير العادية بكونها تكتسب قوة القانون نتيجة هذه الظروف، و بالتالي فيجوز لها مخالفة القواعد التشريعية، و كذلك الشأن للمبادئ العامة للقانون، و لكن رغم ذلك تبقى أعمالا إدارية طبقا للمعيار العضوي فتخضع للرقابة القضائية، التي ينبغي أن تتكفل بإخضاعها لما يسميه الفقه بالشرعية الاستثنائية، التي تمثل الحد الأدنى من القيود على السلطة التنفيذية وذلك حماية الحقوق والحريات. 






[1] - قرار رقم01 السنة 1989 سالف الذكر (الملحق رقم 01 ).
[2] - المحكمة العليا ، ملف رقم  254633 قرار بتاريخ : 05/09/2001 ، قرار غير منشور سلم للطلبة القضاة السنة الثانية في مقياس علاقة القاضي الداخلي بالمعاهدات الدولية في التطبيقات لسنة 2004/2005 (ملحق 03)
[3] - المحكمة العليا ، الغرفة الجزائية ، ملف رقم 167921 قرار بتاريخ : 22/02/2000 قضية (م ع) ومن معه ضد (ن ع)  المجلة القضائية ، العدد 2/2000 ص 206 وما بعدها(ملحق02)
[4] - قرار المجلس الدستوري رقم 01 المؤرخ في 20/08/1989 سالف الذكر (ملحق 01)
[5] - انظر ، قرار المحكمة العليا ، الغرفة المدنية ، ملف رقم 288587، قرار بتاريخ 11/12/2002 قضية (ي ي) ضد (خ ب )، المجلة القضائية عدد 1/2003 (ملحق 04)
[6] - محمد فؤاد عبد الباسط ، المرجع السابق ، ص 6 وما بعدها .
[7] Froncis Hamon et Michel droper , droit constitutionnel , op. cit. , p 49 et 
[8] -أنظر قرار المجلس الدستوري بخصوص مراقبة مطابقة القانون العضوي 0411الذي يتضمن القانون الأساسي للقضاء للدستور (ملحق 11)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه