نتائـج سمـو القواعـد الاتفاقيـة الدوليـة في القانون الجزائري

0
نتـائـج تـدرج القـواعـد القانـونيـة الأخـرى
توصلنا في المبحث الأول إلى أن القواعد القانونية ما عدا القواعد الدستورية تتدرج وفق للشكل   التالي: اتفاقيات دولية، قوانين عضوية، قوانين عادية، وبعدها اللوائح، وهو الترتيب الذي ينجم عنه   نتيجة أساسية مفادها خضوع القاعدة الأدنى للقاعدة الأعلى، أي خضوع كل القواعد التشريـعـيــة
-العضوية والعادية- واللوائح للاتفاقيات الدولية، وخضوع القوانين العادية للقوانين العضوية، وخضوع اللوائح للقوانين بنوعيها العادية والعضوية، ولذلك يتوجب تحديد نتائج سمو القواعد الاتفاقية الدولية على القواعد القانونية الأخرى( الفرع الأول) ثم نتائج المرتبة الإلزامية للقواعد التشريعية واللائحية (الفرع الثاني) .
الفرع الأول
نتائـج سمـو القواعـد الاتفاقيـة الدوليـة
 بعد أن تبين لنا من خلال إعمال نص المادة 132 من الدستور، والموقف القضائي و الفقهي الثابت حول مكانة القواعد الاتفاقية الدولية طبقا لمبدأ تدرج القواعد القانونية، والتي تأتي مباشرة بعد القواعد الدستورية، فإنه ينتج عن تلك المرتبة خضوع السلطة التشريعية (أولا) والتنفيذية (ثانيا) والقضائية (ثالثا) لتلك القواعد الدولية .
أولا: خضوع السلطة التشريعية للقواعد الاتفاقية الدولية :
إن سمـو المعـاهدات يقـود إلى جملة من النتائج يجب على السلطة التشريعية النزول عند مقتضياتها، سواء أثناء سنها التشريعات (I)  أو بالنسبة للتشريعات السارية والتي صارت باطلة لمخالفتها معاهدة صادقت عليها الجزائر لاحقا (II)  .
I- التقيد بالقواعد الاتفاقية الدولية أثناء سن التشريعات: يجب على السلطة التشريعية احترام مضمون المعاهدات التي صادقت عليها الجزائر، وذلك أثناء سن التشريعات فهاته الأخيرة يجب أن لا تتعارض مع الاتفاقيات الدولية المصادق عليها نصا وروحا، وأن هذا التعارض يعتبر خرقا لمبدأ سمو المعاهدات، وخروجا عن مبدأ تدرج القوانين، وقد يرتب المسؤولية الدولية للجزائر. وقد كرس المجلس الدستوري الجزائري([1]) هذا الالتزام بمناسبة إخطاره من قبل رئيس الجمهورية للنطق بدستورية بعض أحكام قانون الانتخابات لسنة 1989 وقد ابتدع المجلس الدستوري قواعد غير مسبوقة، ومنها انه قرر اختصاصه برقابة مطابقة القانون للمعاهدات، باعتبارها تندرج ضمن الكتلة الدستورية فيصير القانون المخالف لهـا غيـر دستوري، اعتمادا على كون مبدأ سمو المعاهدة على القـانون يمثل مبدأ دستوريا، وبفعله هذا يكون المجلس الدستوري كرس مبدأ عدم جواز مخالفة القانون الجديد لمعاهدة مصادق عليها قبل سنه، إضافة لمبدأ أن المخالفة تمثل عيب عدم الدستورية .
II- تعديل القوانين المخالفة للمعاهدات اللاحقة: بالنسبة للقوانين السابقة على نفاذ المعاهدة والتي أصبح مضمونها يتنافى معها، فإن مبدأ التدرج وسمو المعاهدة، يفرض على السلطة التشريعية أن تحين هذه القوانين، بأن تدخل عليها التعديلات اللازمة التي تكفل تماشيها مع القواعد الاتفاقية الدولية، وإلا شابها ما يطلق عليه في فقه القانون العام بعيب عدم الاتفاقية أو عيب عدم المطابقة (le vice d’inconditionnalité des lois).
وقد كرس القضاء الجزائري هذه النتيجة في الملف رقم 654633([2]) قرار بتاريخ 5/09/2001 بخصوص الإكراه البدني في الإلتزمات التعاقدية استنادا للمادة 407 من قانون الإجراءات المدنية التي شرعت بتاريخ 08/06/1966 والتي لم تحين بعد المصادقة على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وقد جاء في الحيثيات: "وبعد الإطلاع على أحكام المادة 11 من الاتفاقية المذكورة والمنشورة بالجريدة الرسمية عدد 11 المؤرخ في 26/02/1997 والتي جاء فيها (لا يجوز سجن أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي ) وتبعا لذلك أصبح من غير الجائز توقيع الإكراه البدني لعدم تنفيذ التزام تعاقدي" بل ذهبت المحكمة العليا لما هو أكثر جرأة وخطورة حيث قررت تطبيق نص في معاهدة دولية يتعلق بالعقاب على جريمة المخدرات بعقوبة تكميلية، لما لم يتدخل المشرع الجزائري لإدراجها في قانون العقوبات بعد المصادقة على المعاهدة، إذ جاء في القرار المؤرخ في 22/02/2000([3]) تحت رقم 167921 : " فإن مصادرة المبالغ المالية التي تحصل عليها من المتاجرة غير المشروعة في المخدرات ...تعد إجراء قانوني في حد ذاته .... " وهذا اعتمادا على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار بالمخدرات والمؤثرات العقلية، والتي صادقت عليها الجزائر بموجب المرسوم الرئاسي 95/41 المؤرخ في 28/01/1995 .
ثانيا: خضوع السلطة التنفيذية للقواعد الاتفاقية الدولية: 
 إن مبدأ سمو المعاهدات يفرض على السلطة التنفيذية أن تخضع لأحكامها طالما صارت نافذة بالمصادقة عليها ونشرها، وهذا الخضوع يمثل التزاما على السلطة التنفيذية ولو خالفت القانون، وذلك لكون مبدأ تدرج القواعد القانونية يجعل القانون المخالف لها باطلا ولا إلزامية له، وبالتالي يتعين على السلطة التنفيذية أن تكون أعمالها مطابقة لأحكام المعاهدة وإلا جاءت غير مشروعة، وجاز للأفراد الطعن فيها أمام القضاء وطلب إلغائها، وهذا الخضوع لا يجد أساسه فحسب في مبدأ سمو المعاهدات بل واحتراما لالتزامات الجزائر الدولية التي إن أخلت بها ترتب على ذلك مسؤوليتها الدولية، وعلى ذلك فيجب على السلطة التنفيذية أن تخضع للمعاهدات النافذة سواء أثناء مشاركتها في العمل التشريعي (I) أو أثناء سنها القواعد اللائحية (II)
I-الخضوع للقواعد الاتفاقية الدولية أثناء المشاركة في سن التشريع: لقد اعترف الدستور للسلطة التنفيذية بدور كبير في سن القواعد التشريعية، إذا تتدخل في إعداد القوانين والتصويت عليها وفي إصدارها ونشرها في ما بعد، وفي هذه التدخلات يتوجب على السلطة التنفيذية أن تحرص على احترام أحكام المعاهدات النافذة في الجزائر، وذلك أثناء إعداد مشاريع القوانين التي تحرص السلطة التنفيذية على أن تتماشى هذه المشاريع نصا وروحا مع المعاهدات، كما يتوجب عليها أن تبادر بإعداد مشاريع القوانين الكفيلة بتعديل التشريعات السابقة على ضوء أحكام المعاهدات التي صادقت أو قد تصادق عليها الجزائر، وتسارع بعرضها على البرلمان للمصادقة عليها، وبالنسبة لرئيس الجمهورية فإن سمو المعاهدات يفرض عليه التدخل وفقا للسلطات المخولة له دستوريا بمنع صدور القوانين التي تتعارض مع التزامات الجزائر الدولية المؤطرة بمعاهدات، إذ يمكنه في هذا الإطار اللجوء إلى آلية طلب إجراء مداولة ثانية على القانون المصوت عليه طبقا للمادة 127/07 من الدستور، كما يمكنه اللجوء إلى إخطار المجلس الدستوري الذي أعلن اختصاصه برقابة مطابقة القوانين للمعاهدات الدولية باعتبارها جزء من الكتلة الدستورية حسب قراره رقم 01/89 سالف الذكر. وغني عن الذكر أن رئيس الجمهورية وهو يصدر أوامره التشريعية يجب عليه التقيد بالمعاهدات التي صادقت عليها الجزائر .
-II الخضوع للقواعد الاتفاقية الدولية أثناء سن القواعد اللائحية: يجب أن تكون كل اللوائح الصادرة عن السلطة التنفيذية- سواء في الظروف العادية أو غير العادية- متفقة مع المعاهدات الدولية، وإلا كانت غير مشروعة ويحكم القضاء الإداري بإلغائها وحتى ترتيب المسؤولية الإدارية عن الأضرار التي تسببها، وقد توصل القضاء الفرنسي إلى وجوب امتناع الإدارة عن إصدار اللوائح التنفيذية لقوانين متعارضة مع المعاهدة،  وهو ما جاء ذلك في قرار مجلس الدولة الفرنسي في 24/02/1999 في قضية :
 « association de patients de la médecin d’orientation authnoposophique                                              et autre »    
 حيث ذهب المجلس إلى إن السلطة التنظيمية يقع على عاتقها الالتزام بان تترك الأحكام التشريعية المتعارضة مع اتفاقية تأسيس الإتحاد الأوربي:
 «  le pouvoir réglementaire avait l’obligation de laisser de coté les dispositions législatives incompatibles avec le droit communautaire »
وقد برر مفوض الحكومة امتناع هذه الأخيرة عن إصدار النصوص التنظيمية المتعلقة بتنفيذ المادة 601/4 من قانون الصحة بأنها قد التزمت بالقيد المفروض عليها في المادة 55 من الدستور:
« Le gouvernement s’est conformé aussi qu’ il y était tenu a la hiérarchie des normes dans l’ordre juridique interne telles découlent de l’article 55 de la constitution »
ثالثا: خضوع السلطة القضائية للقواعد الاتفاقية الدولية:
  إن الاعتراف الدستوري للمعاهدات بمكانة أسمى من القانون، يستتبع صيرورتها جزء من النظام القانوني الداخلي، فتكون واجبة النشر للنفاذ في مواجهة المخاطبين بأحكامها، وواجبة التطبيق بذاتها متى استوفت الإجراءات المقررة، فيلتزم القاضي بتطبيقها من تلقاء نفسه دون انتظار طلب الخصوم لذلك، ويخضع في هذا الشأن لرقابة المحكمة العليا كحاله في سائر مسائل القانون، لكون المعاهدة تعتبر مصدرا للمشروعية والحقوق، وبالإمكان رفع دعوى إلغاء استنادا إليها، ومعنى ذلك أن المعاهدات تكون واجبة التطبيق أمام القضاء، ويمكن للخصوم الاستناد إليها لتأسيس دعواهم، وهذا ما أكده المجلس الدستوري الجزائري في قراره الأول لسنة 1989([4]) الذي جاء فيه: "ونظرا لكون أية اتفاقية بعد المصادقة عليها ونشرها تندرج في القانون الوطني، وتكتسب بمقتضى المادة 123من الدستور –لسنة 1989 المقابلة للمادة 132 من دستور 1996- سلطة السمو على القوانين وتخول كل مواطن أن يتذرع بها أمام الجهات القضائية .." وعلى ذلك يتوجب على القضاء الخضوع لأحكام المعاهدات وتطبيقها للفصل في النزاعات طالما كانت قابلة للتطبيق المباشر دونما حاجة إلى قوانين أو تنظيمات داخلية تكفل لها ذلك.
ومن زاوية أخرى، فإن القضاء يجب عليه الاضطلاع بصلاحية إعمال مبدأ أولوية تطبيق المعاهدات على القوانين في حالة التعارض، حيث يقوم القاضي بترجيح المعاهدات الدولية على كل القوانين واللوائح في حالة التعارض كنتيجة يفرضها عليه مبدأ التدرج([5])، بل ويمكن للقضاء الإداري إلغاء اللوائح المتعارضة مع المعاهدات النافذة في الجزائر، باعتبارها تكون غير مشروعة لمخالفتها المعاهدات التي صارت بالمصادقة عليها عنصرا من عناصر المشروعية ومصدرا من مصادر القواعد القانونية([6]).
الفرع الثاني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه