تطور النظام القضائي و الإجرائي خلال الإحتلال الفرنسي للجزائر

0
تطور النظام القضائي و الإجرائي خلال الإحتلال الفرنسي للجزائر:
منذ الإحتلال الفرنسي للجدزائر، عرف النظام الإجرائي القضائي تطورا ملحوظا ، حيث جاء بأفكار سياسية تهدف للسيطرة على زمام الأمور وفرض الهيمنة الفرنسية على الأراضي المحتلة، وإتسمت هذه المرحلة بقمع الحركات التحررية ،التي لم تتمكن الدولة الفرنسية من إخمادها مطلقا، وهذا ما دفع السلطات الفرنسية إلى إصدار نصوص تشريعية تخول للقاضي الفرنسي إتخاذ جميع الصلاحيات والسلطات التشريعية و التنظيمية، ومن هنا ظهر نظام الإزدواجية بوجود قضاء خاص بالفرنسيين ويحترم كل الضمانات القانونية الموجودة، وآخر خاص بالجزائريين، وهذا رغم وحدة المؤسسات القضائية والناظرة في نفس المواضيع المطروحة، أما بالنسبة للنظام القانوني والإجرائي الإسلامي ،فلم يطبق إلا في الأحوال الشخصية.
(1): د محمد محدة ، المرجع السابق،ص125
(2): د محمد محدة ، المرجع نفسه، ص126
(3): دمحمد محدة ، المرجع نفسه، ص145





7
الفرع الأول: الإختلافات التمييزية بين الأوروبيين والجزائريين في التجريم والعقاب:
إن هذه الإختلافات نتناولها في جزئين: جزء خاص بالتجريم ، وجزء آخر يخص العقاب على إنتهاك النصوص التجريمية.
أولا: الإختلافات المتعلقة بالتجريم: إن قانون الإنديجينا ، والذي إشتمل على مجموعة من المخالفات التي يتابع عليها الأهالي بالحبس من 05 أيام،و 15فرنك كغرامة كحد أدنى ، وهي أفعال مجرمة في القانون الفرنسي دون أن يتسع تطبيقها أوتتميز بالعمومية ، بل هي مجرد قواعد عقابية خاصة تؤكد وجود سلطة إستعمارية بالجزائر(1).
ثانيا: الإختلافات المتعلقة بالعقاب: إن الإختلاف الموضوعي من ناحية العقوبة أنه لم يطبق القانون الفرنسي مبدأ الشرعية في الجزائر ،وكذلك مبدأشخصية العقوبة، وغيرها من المبادئ، وهذا ما يدل عليه القرار التغريمي الذي أصدره أحد مرشالات القيادة العسكرية الفرنسية بالجرائر في 22 جانفي1844، والقاضي بتغريم الأهالي سواء منهم الأبرياء أو المذنبين ،في حالة حرق الغابات ، لكنه ألغي في عهد الإمبراطور نابوليون الثالث، ليعود العمل به بصدور المنشور الوزاري في 08 مارس 1859(2).
الفرع الثاني: الإختلافات المتعلقة بالإجراءات والتنظيم:
لإبراز وجود التفرقة ضمن تلك الإجراءات لابد من الإشارة إلى الإختلافات الشكلية والإجرائية وذلك فيما يلي:
أولا :الإختلافات الإجرائية: إن الإجراءات المطبقة على الجزائريين والفرنسيين هي من الأوجه البارزة في التمييز والتفرقة، وما يدل على هذا ، هو تلك الإجراءات المطبقة على الفرنسيين والتي تفصل بين جهة التحريات والنيابة ،من جانب ،ومن جانب آخر الفصل بين سلطة الإتهام(النيابة العامة) وسلطة التحقيق المجسدة في قاضي التحقيق الذي يحضى بإستقلال كامل، وكل هذا من أجل الحفاظ على حقوق المتهمين، ولتوفير أكبر قسط ممكن من العدالة ما لم تثبت الإدانة، بينما يتجرد الجزائريين من كل هذه الحقوق، والحامي الوحيد لحقوقهم وحرياتهم هو مأمور الضبط القضائي المتمتع بكامل الصلاحيات، كما أعتبرت كل الجرائم المرتكبة من الجزائريين متلبس بها ،وبالتالي تخضع للقضاء السريع(3).


(1): د محمد محدة ، المرجع السابق،ص173
(2): د محمد محدة، المرجع نفسه ، ص176-177-178
(3): د محمد محدة ، المرجع نفسه ،ص 180







9
ثانيا: الإختلافات الشكلية: وهذه الإختلافات نجدها في تشكيلات المحاكم الجزائية التي تنظر في الجنح والمخالفات المرتكبة من المواطنين الجزائريين، بحيث تتكون من قاض فرنسي رئيسا وعضوين جزائريين ،يعينان خاصة ممن ليس لديهم معرفة ودراية بالقانون ، وهذا ما يحصل أيضا بمحكمة الجنايات الخاصة بالجزائريين ، و قد  أثر  على نتائج الإحصاءات الخاصة بالمحاكم ومايصدر عنها من أحكام، ومن ثم كانت الإحصاءات التي أجريت ما بين سنتي 1903و1913 في مقارنة بين أحكام محاكم  الجنايات التي تعرض عليها أحوال المسلمين و أحكام محاكم الجنايات التي يتابع أمامها الأوروبيين كالآتي:
نسبة البراءة 17% بالنسبة للمحاكم الجنائية التي يتابع فيها المسلمين، مقارنة بـ44% بالنسبة للمحاكم الجنائية التي يتابع أمامها الأوروبيين.
كما أن المناطق المدنية كانت المحاكم تطبق فيها أشد العقوبات والإجراءات على الجزائريين مهما كانت المرحلة التي تمر بها الدعوى ، أما المناطق العسكرية بالجنوب وغيرها ، فكان فض المنازعات وتوقيع العقاب من إختصاص الجيش ،
وهذا ما جاء بإنعكاسات سلبية ، وما يلاحظ أيضا أن هناك جهاز إداري يقوم بتوقيع الجزاءات على الأشخاص رغم أنه لا يمد بأي صلة إلى الجهاز القضائي المختص أصلا بذلك ومن ذلك (1) :
1-   الحاكم العام: ويستطيع أن يوقع عقوبة الحبس إضافة إلى غرامة مالية قدرها 1000 فرنك فرنسي ، وهذا على مستوى الأراضي المدنية.   
أما المناطق العسكرية وأراضي الجنوب ،فإن اللجان الزجرية العسكرية هي التي توقع تلك العقوبة.      
2-   لجنة الدائرة : وتوقع عقوبة تصل إلى شهرين حبسا وغرامة تقدر بمائة ألف فرنك ، وقد يقوم بهذا أيضا قائد الغرفة العسكرية.
3-   قائد إقليمي : ويوقع عقوبة شهر حبسا و ثلاثمائة  فرنك كغرامة.
4-   قائد مركزي : ويستطيع توقيع عقوبة ثمانية أيام حبسا وثلاثين فرنك كغرامة.
5-   قادة محليون : مهما علت درجتهم يستطعون توقيع عقوبة عشرين فرنك كغرامة لكن لا تنفذ إلا بعد مصادقة السلطات الفرنسية.
و أمام هذه الوضعية المزرية قامت جبهة التحرير بإيجاد لجان سمتها بـ: اللجان الشرعية للمثول أمامها كجهاز قضائي بدلا من المثول أمام الجهاز القضائي الفرنسي والتعرض لأعماله التعسفية الظالمة، وقد كانت هذه الجان تقضي وفقا لقانون وضعته جبهة التحرير الوطني ليتماشى مع أخلاق وعادات الجزائريين.
وكانت كل الأعمال والأقضية التي تتناولها اللجان الثورية تسجل في إستمارات خاصة، أما إذا وجدت نفسها عاجزة عن حل قضية ما ، فإنها ترسلها إلى السلطات الأعلى منها ، لتقوم هي بدورها بالبحث فيها لترسل في النهاية  نسخة من الحكم إلى نفس الجهة أو اللجنة المعنية بالأمر لتبلغ الحكم الصادر لهم أو عليهم ، لتنفذه بنفسها.
(1)            : د محمد محدة ، المرجع السابق ، ص184




10
و ما يميز هذه الأحكام  الصادرة ، أنها غبر قابلة لأي نقض أو إستئناف ،كما أنها تكون دائما مسبوقة بعملية صلح (1).
ورغم بساطة الجهاز القضائي الموجود إبان الثورة التحريرية ، وقلة قوانينه وإجراءاته إلا أنه كان محافظا على حقوق الخصوم محققا بقضائه وفصله في المنازاعات العدل والإنصاف الذي لم تبلغه أجهزة القضاء الفرنسي يكل ترسانتها القانونية ، وهذا ما يدل عليه ما كان من حق ناله المتهم في أن يختار مدافعا عنه، بشرط أن يطلع على ملفه بثلاثة أيام قبل المحاكمة ، كما يمكن لهذا المدافع طرح الأسئلة على الشهود ومناقشتهم .
ونتيجة لهذا كله نالت أحكامها رغم بساطة أجهزتها ثقة الجزائريين والمتقاضين الشئ الذي سهل عملها في كثير من الأحيان(2).





















(1)            : محمد محدة ،المرجع نفسه ، ص185
(2)            : محمد محدة ، المرجع نفسه ، ص186








11   

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه