أقسام الشرط

0
أقسام الشرط
     ينقسم الشرط إلى عدة أقسام تختلف باختلاف زوايا النظر إليها فإذا نظرنا إلى الشرط باعتبار مصـدر اشتراطه، فإنه ينقسم إلى شرط شرعي وشرط جعـلي وشرط عرفي، وباعتبار وظيفة الشرط فإنه ينقسم إلى: شرط تعليق وشرط إضافة ثم شرط التقييد، أما إذا نظرنا إلى الشرط من حيث موضعه من العقد فلا يخرج عن أن يكون شرطا متقدما أو مقارنا بالعقد أو متأخرا عنه، وسنتناول كل هذه التقسيمات في المطالب  الثلاثة التالية:
المطلب الأول: أقسام الشرط من حيث المصدر
     إن العبرة في هذا التقسيم تكون بمصدر الشرط فإما أن يكون الشرط شرعيا أو قانونيا، وإما أن يكون إراديا أو جعليا، وقد يكون شرطا عرفيا وسنتولى بيان وإيضاح ذلك في الفروع الثلاثة التالية:
الفرع الأول: الشرط الشرعي
    الشرط الشرعي أو القانوني في اصطلاح القانون الوضعي هو الذي يكون اشتراطه بحكم من الشارع أو القانون، كالشروط التي اشترطها الشارع في مختلف أنواع العقود والتصرفات من بيع وهبة... وكذا الشروط التي اشترطها في مختلف أنواع العبادات كشرط الطهارة في الصلاة وشرط الحول للزكاة وشرط الإحصان في حد الرجم.[1]
     ويعرفه الدكتور زكي الدين شعبان بأنه: ماكان توقف المشروط فيه على وجود الشرط بحكم الشارع ووضعه، لما في ذلك الشرط من الملائمة للفعل والتكميل له. حيث لا يصح الحكم بدونه كشرط الوضوء في صحة الصلاة، وكالشهود في النكاح وحولان الحول بالنسبة للزكاة، وغيرها من الأمور التي اشترطها الشارع في التصرفات الشرعية من زواج وبيع وهبة ووصية، والشروط التي اشترطها لإقامة الحدود كقطع يد السارق ورجم الزاني.[2]
    ومن أمثلة الشروط التي اشترطها القانون: شرط الأهلية لإبرام العقود، حيث تنص المادة 78 من القانون المدني الجزائري على أن: " كل شخص أهل للتعاقد مالم تسلب أهليته أو يحد منها بحكم القانون ".
 الفرع الثاني: الشرط الجعلي
      الشرط الجعلي أو الإرادي هو الذي يرجع تحديد نطاقه إلى إرادة العاقد، ولكن الشارع قيده بحدود شرعية معينة، فليس للعاقد اشتراط أي شرط يريده، بل يجب ألا يخالف حكم العقد أو التصرف، وإلا عد شرطًا لاغيًا.[3] وقال الشيخ محمد علوشيش الورثلاني: " الشرط الجعلي هو ما يشترطه المتعاقدان أو أحدهما، ويكون القصد منه تحقيق المصلحة الخاصة، كما لو اشترطت المرأة تقديم معجل المهر كله، أو اشترط المشتري نقل المبيع أو استلامه في مكان معين ".[4] 
     ويعرف الدكتور صالح غانم السدلان الشرط الجعلي بأنه: " هو الذي يكون اشتراطه بتصرف المكلف وإرادته ". [5]
    وتنقسم الشروط الجعلية من حيث مشروعيتها إلى ثلاثة أنواع:
أ- شرط لا ينافي الشرع بل هو مكمل للعقد وذلك كما لو اشترط المقرض على المقترض رهنا أو كفيلا لضمان سداد القرض.
ب- شرط غير ملائم للعقد وينافي مقتضاه، كأن يشترط الزوج في عقد الزواج عدم الإنفاق على زوجته.
ج- شرط لا ينافي العقد ويحقق مصلحة لأحد العاقدين أو كليهما، غير أن العقد لا يقتضيه، أي لا يعرف مدى ملاءمته أو عدم ملاءمته للعقد، كأن يبيع شخص منزلا على أن يسكنه البائع لفترة معلومة، واختلف الفقهاء في هذا النوع من الشروط.[6]
     ويكمن الفرق الأساسي بين الشرط الشرعي والجعلي من زاوية الأثر المترتب عنهما أنه، في حالة انتفاء الشرط ينتفي المشروط، وهذا بالنسبة للشرط الشرعي أو القانوني، فمثلاً تخلف شرط وفاة المورث ينتفي معه استحقاق الإرث، بخلاف الشرط الجعلي فإن المشروط يمكن أن يوجد من دون شرط، فلو قال الزوج لزوجته إن خرجت من الدار فأنت طالق، فلو تحقق الشرط فيبقى من الممكن أن يقع الطلاق بسبب آخر.[7]
الفرع الثالث: الشرط العرفي
     الشرط العرفي هو ما يتقيد به التصرف بناءا على ما اعتاده جمهور الناس وما ألفوه من قول أو فعل، تكرر مرة بعد أخرى حتى تمكن أثره في نفوسهم وصارت  تتلقاه عقولهم بالقبول، ومن أمثلة ذلك العرف الذي تعرفه بعض البلدان الإسلامية بتقسيم المهر إلى معجل ومؤجل بنسبة يختلف مقدارها من بلد إلى آخر، أو أن يبيع شخص لآخر سلعة بثمن معين دون أن يشترط حلول الثمن ولا تعجيله، ويكون المتعارف عليه التأجيل إلى شهر أو التقسيط على أشهر معلومة فإن الثمن يقسط على تلك الشهور المتعارفة، ويكون ذلك شرطا في البيع كالشرط الجعلي.[8]
    ويشترط في العرف حتى يكون معتبرا في نظر الشرع توافر بعض الشروط نذكر من بينها مايلي:
1- أن يكون العرف مطردا أو غالبا.
2- أن يكون العرف المراد تحكيمه في التصرفات قائما عند إنشائها.
3- ألا يعارض العرف نصا شرعيا ولا نصا قانونيا، ولا قاعدة شرعية من القواعد الأساسية، ولا حكما ثابتا بحيث يكون العمل بالعرف تعطيل له.
       وقد اختلفت آراء الفقهاء في مدى تقييد العقود والتصرفات بالشرط العرفي فذهب الحنفية إلى اعتبار العرف الصحيح وتقييد العقد به استنادا إلى بعض القواعد العامة كقاعدة " العادة محكمة "، وقاعدة "الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي"، و ذهب المالكية أيضا مذهب الحنفية في اعتبار العرف، أما الشافعية فالأصح عندهم أن العرف لا ينزل منزلة النص الصريح. [9]
      وإذا كان الشرط العرفي يجد مكاناً له ويرتب آثره في الشريعة الإسلامية على الأقل عند فقهاء الحنفية والمالكية، فإن القانون الوضعي على العكس من ذلك حيث تفرض التشريعات الوضعية قاعدة إجرائية تنظيمية تقضي بوجوب أن يكون الشرط مكتوبا في صلب العقد أو في عقد رسمي لاحق، فمن يحرص على شرط معين فيجب عليه أن يحرص على كتابته في العقد، إذا كان راغبا فعلا في ألا يفوته مضمون شرطه.[10] ولا يخفى على أحد أهمية هذه القاعدة الإجرائية في ضمان استقرار المعاملات والعقود، وتلافي المنازعات، وإلى هذا ذهب المشرع الجزائري في نص المادة 19من قانون الأسرة بغرض ضمان المشارطات التي تتم بين الزوجين وبالتالي ضمان استقرار الحياة الزوجية.
    والجدير بالذكر أن الشرط الجعلي يدخل ضمن الشرط المحض، وهو" ما يمتنع به وجود العلة فإذا وجد الشرط وجدت العلة، فيصير الوجود مضافا إلى الشرط دون الوجوب، وذلك في كل تعليق بحرف من حروف الشرط نحو إن دخلت الدار فأنت طالق ".[11]
المطلب الثاني: أقسام الشرط من حيث وظيفته
     ينقسم الشرط من حيث وظيفته وعلاقته بالشيء المشروط إلى ثلاثة أقسام، فقد يكون مقترنا بالعقد ومقيدا له ويسمى عندئذ بشرط التقييد، أو يكون العقد معلقاً عليه وهو ما اصطلح على تسميته بشرط التعليق، وقد يكون مضافا إليه ويسمى بشرط الإضافة، وسنتولى دراسة هذه الأنواع من الشروط فيما يلي: 
الفرع الأول: شرط التعليق
       إن التعليق على الشرط هو ربط حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى، أو هو ترتيب العقد على أمر سيوجد في المستقبل؛ ويفهم من هذا أنه عكس التعليق على الشرط، وعكس التنجيز الذي يكون فيه العقد مطلقا مرتبا لآثاره فور صدوره، كأن يقول الإنسان إن سافر ابني فقد وكلتك في بيع داري، أو قال إن سافر مدينك فأنا كفيل بمالك عليه فهذا تعليق للكفالة، فانعقاد الكفالة مربوط بتحقق سفر المدين. ولا يكون العقد معلقًا إلا إذا تحقق شرطان أساسيان:
أ- يجب أن يكون الشرط المعلق عليه غير موجود وقت التعاقد فإن كان موجودا فإن التعليق عندئذ يكون صورياً والعقد منجزاً.
ب- ألا يكون الشيء المعلق عليه مستحيلا و إلا كان العقد باطلا.
    ويكون التعليق بين جملتين يربط بينهما بإحدى أدوات الشرط مثل: إن وإذا ومتى وكلما.[12] 
     وخلاصة القول أن الشرط المعلق هو: كل شرط يعلق فيه العاقد تصرفه على حصول أمر من الأمور، بحيث لا يوجد أثر للعقد إلا إذا تحقق الشرط، وهذا ما يتنافى ومقتضى عقد الزواج باعتباره من العقود المنجزة غير المتراخية التنفيذ، ولهذا يكون حكم الزواج المعلق على شرط هو البطلان.[13]
      وبالتالي فإن هذا النوع من الشرط يخرج عن نطــاق بحثنا، وهذا لاختلافه عن

الشرط المقترن بعقد الزواج مناط البحث والدراسة، ويكمن هذا الاختلاف في وجهتين أساسيتين:
* الوجهة الأولى: من حيث الشكل، فالعقد المقترن بالشرط يكون خاليا من أداة الشرط كأن وإذا، بخلاف العقد المعلق على شرط فإنه يكون بإحدى أدوات الشرط.
* الوجهة الثانية: فمن حيث المعنى نجد أن العقد المعلق على شرط يتوقف وجوده على وجود الشرط المعلق عليه، فالعقد لا يكون منجزا في الحال بل عند وجود الشيء المعلق عليه. أما في حالة العقد المقتـرن بالشرط فيكون العقد منجزًا واقعا في الحـال، ولكن شمله شرط كقـول المرأة للرجل تزوجتك بشرط أن تعجل لي المهر كله، أو بشرط ألا تتزوج علي.[14]
الفرع الثاني: شرط الإضافة
     وهو الشـرط الذي يقصد به تأخير سريان أحكـام العقد إلى زمـن المستقبل.[15] ويتحقق ذلك بإضافة صيغة الإيجاب إلى المستقبل، وقد تكون هذه الصيغة مطلقة عن الاقتران بشرط، ومثال ذلك: قول أحد المتعاقدين للآخر أجرتك منزلي هذا لمدة سنتين تبدأ من الشهر القادم أو من أول العام، و يقبل بذلك المتعاقد الآخر. وعلى العكس من ذلك قد تكـون صيغة العقد المضاف مقترنة بالشرط، كـأن يقول أحد المتعاقدين للآخر: أجرتك منزلي هذا لمدة سنة تبدأ من الشهر القادم بشرط أن تدفع لي الأجرة على قسطين، ستة أشهر لكل قسط ويقبل بذلك المتعاقد الآخر.
     وبخصوص حكم العقد المضاف فإنه ينعقد في الحال، أي أنه عقد قائم بين المتعاقدين منذ إنشاء الإضافة، ولكن لا يرتب العقد حكمه وآثـاره إلا إذا جاء الوقت الذي أضيف إليه في العقد.[16] وكأن المتعاقدان قاما بتوقيف سريان آثار العقد إلـى زمن أو أجل محدد، بحيث لولا هذه الإضافة لرتب العقد أحكامه من وقت التعاقد. ولهذا نجد القوانين الوضعية تعبر عن هذا الشرط باصطلاح الأجل.[17]
    ومما تجدر الإشـارة إليه أن عقــد الزواج لا يشمله شرط الإضافة إلى زمن المستقبل، لأن عقـد الزواج يوجـب تمـليك الاستمتاع في الحـال، فلو قـال الخاطب: تزوجت ابنتك غدا أو بعد ثلاثة أشهر، ثم يقول الأب قبلت، فإن مثل هذه الصيغة لا ينعقد بها الزواج لا في الحال ولا عند حلول الزمن المضاف إليه. [18]  
الفرع الثالث: شرط التقييد
      الشرط التقييدي: " هو التزام وارد في التصرف القولي عند تكوينه زائد عن أصل مقتضاه ". [19] وعرفه الحموي بأنه" التزام أمر لم يوجد في أمر وجد بصيغة مخصوصة ". والمقصود من ذلك اقتران التصرف بالتزام أحد الطرفين أو كلاهما الوفاء بأمر زائد عن أصل التصرف، وغير موجود وقت التعاقد، ويكون ذلك بورود عبارات في العقد مثل بشرط كذا، أو على أن يكون كذا، وغيرها من الألفاظ الدالة على الاشتراط. [20]
         وانطلاقا من هذه التعاريف يختص الشرط المقيد بما يلي:
أ- كونه أمراً زائداً على أصل التصرف فهو ليس عنصرًا أساسيا في تكوين العقد
ب- كونه أمرًا مستقبلا مقرونا بالعقد.[21]
      ومما سبق يمكن إبراز الفوارق بين شرط التعليق وشرط الإضافـة وشرط التقييد، فالشرط المعلق هو ما كان بصيـغة ترتب وجوده على وجـود أمر في المستقبل، فلا تترتب آثار العقد إلا إذا وجد الأمر المعلق عليه[22]؛ ويسمى هذا الشرط في القانون الوضعي بالشرط الواقف، وإذا تخلف الأمر المعلق عليه زال الالتزام الناتج عن العقد ويسمى هذا بالشرط الفاسخ.
    وأما الشرط المقيد فهو موجود بين الطرفين، حيث يتولى المتعاقدان تعديل آثار العقد بموجب حكم زائد عن الالتزام الأصلي[23].
    ويختلف الشرط المقيد عن شرط التعليق في حالة عدم الوفاء بالشرط في كون أن الفسخ في شرط التعليق يحتاج إلى استصدار حكم من القضاء بناء على طلب صاحب الشرط، وعلى العكس من ذلك فإن الفسخ في حالة شرط التعليق يتم بمجرد تحقق الشرط أو تخلفه بحسب الاتفاق حول جعل الشرط فاسخا أو واقفا، دونما حاجة لاستصدار حكم من القضاء.[24]
    وبالنسبة لشرط الإضافة فهو ذلك الشرط الذي يجعل آثار العقد تتراخى إلى زمن معين في المستقبل على الرغم من قيام العقد ووجوده، والإضافة تشبه التعليق من جهة كون العقد المضاف لا يرتب أثره إلا إذا جاء الوقت الذي أَضيف إليه.[25]
    وفيما يخص قابلية عقد الزواج لهذه الأنواع من الشروط فالأصل في عقد الزواج التنجيز وعدم التراخي، وقد يكون مقترنا بشرط أو مجردا عنه، ولما كان عقد الزواج من العقود التي تفيد التمليك في الحال، فإنه لا يقبل بشرط الإضافة لأنه يفيد أثره في الحال؛ أي فور النطق بالصيغة، وأخيرًا فإن عقد الزواج من العقود التي لا تقبـل التعليق مطلقا، حيث اتفق الفقهاء على بطلان عقد الزواج المعلق على شرط.[26]
المطلب الثالث: أقسام الشرط من حيث موضعه
     ينقسم الشرط باعتبار مكانه من العقد إلى ثلاثة أقسام: إما أن يكون مقارنا للعقد ويذكر في أثناء العقد، وإما أن يحصل الاتفاق عليه قبل العقد ولا يجري له ذكر عند إبرام العقد، لا بالإثبات ولا بالنفي ويسمى شرطا متقدما، وإما يحصل الاتفاق عليه بعد إنشاء العقد و إبرامه، ويسمى بالشرط اللاحق أو المتأخر. ولا خلاف بين الفقهاء فيما يتعلق بثبوت الشرط المقارن للعقد وتأثيره فيه، ولكن الخلاف قائم بينهم بخصوص الشرط المتقدم والشرط المتأخر.[27]
        وسوف نتناول دراسة وتحليل مفهوم وحكم كل هذه الشروط؛ والذي يختلف باختلاف زمن الشرط في العقد على النحو الآتي:
الفرع الأول: الشرط المتقدم
      يقصد بالشرط المتقدم ذلك الشـرط الذي يشتـرطـه العـاقدان قبل إبرام العقـد، ولكنهما لا يتطرقان إليه عند إبرام العقد لا بالنص ولا بالإشارة، ويسمى أيضا بالشرط السابق. ولكن السؤال الذي يثار هنا هو: هل يلحق هذا الشرط بالعقد على الرغم من عدم إدراج المتعاقدين لهذا الشرط في العقد؟  
     ذهب المالكية والحنابلة إلى القول بالتحاق الشرط المتقدم بالشرط المقـارن للعقـد، وثبوته في العقد وتأثيره عليه. بينما يرى كل من الشافعية والإمام أحمد في رواية عنه إلى أنه لا تأثير للشرط المتقدم على العقد، بل يكون مجرد وعد غير لازم الوفاء. لأن ما قبل العقد لغو فلا يلتحق به. [28]               
    وفي هذا الصدد سئل الإمام ابن تيمية عمن شرط شرطا على زوجته بألا يخرجها من بلدها، أو ألا يتزوج عليها وكان الاتفاق على هذه الشروط واقعًا قبل العقد، ولكن العقد خلا من ذكر هذه الشروط، فهل تكون هذه الشروط صحيحة لازمة؟
    فأجاب بأنها تكون صحيحة لازمة ما لم يبطلانها، مستنداً في فتواه هذه إلى عامة النصوص الواردة في الكتاب والسنة والتي تحث على الوفاء بالعهود والعقود والشروط والنهي عن الغدر.[29]
    ويرى الإمام ابن القيم بأن الراجح من هذه الأقوال هو التسوية بين الشرط المتقدم والشرط المقارن، لأن القول بعدم التسوية بينهما يؤدي إلى فتح باب التحايل إلى الشروط المحرمة، حيث يتفق المتعاقدان على شرط غير مشروع قبل العقد ثم يسكتا عنه عند إبرام العقد ليتما غرضاهما غير المشروع. وعندئذ فلا فائدة ترجى من التفرقة بين متماثلين بسبب إفتراقهما في تقدم اللفظ وتأخره مع استواءهما في الحقيقة والمعنى.[30]
    ويبدو أن المشرع الجزائري في قانون الأسرة قد تبنى رأي الشافعية والحنفية القاضي بعدم تأثير الشرط المتقدم على العقد، وهذا ما يظهر جلياً من نص المادة 19 التي أباحت للزوجين الاشتراط في عقد الزواج أو في عقد رسمي لاحق.
    وفي رأينا فإن هذا المـوقف له ما يبرره، إذ لا يوجد ما يمنع المتعـاقدين من إدراج الشرط السـابق في صلب العقـد إلا أن يكونا قد قصدا بذلك التحايل على القانون، فالأجدر لهما النص على هذا الشرط المتقدم في العقد حتى يصبح مقترنا به وبذلك يأخذ حكم الشرط المقترن بالعقد. 
الفرع الثاني: الشرط المقارن
    وسمي بذلك لأنه يتم ذكره في أثناء العقد مقارنا ومرافقا للعقد بالصيغة الدالة عليه أي أنه ليس متأخرا عن إنشاء العقد ولا متقدما عنه.[31]  وهو شرط مرتب لآثاره في العقد، فلا خلاف بين الفقهاء حول ثبوت هذا الشرط في العقد وتأثيره فيه تأثيرا يختلف باختلاف الشرط صحة وفسادا. 
   ويعرفه الدكتور زكي الدين شعبان بأنه: " التزام أمر لم يوجد في أمر وجد بصيغة مخصوصة، أو هو التزام في التصرف القولي لا يستلزمه ذلك التصرف في حالة إطلاقه، أو أنه ما جزم فيه بالأصل وشرط فيه أمر آخر". فالشرط المقارن للعقد هو الشرط الذي لا يعلق عليه وجود الشيء أو انعدامه، وإنما هو أمر زائد يضاف إلى الشيء بحيث يقترن بالعقد بكـلمة بشرط كـذا، أو على أن يكـون كـذا، أو بشرط أن. ويكون العقد المقترن بالشرط منجزا، وليس معلقا على شيء؛ لأن معنى التقييد يدل على وجود الأمر المقيد.[32]
    فالعقد المقترن بالشرط مقيد به، والشرط المقارن هو التزام جديد زائد على أصل العقد ينشئه العاقدان ليزيدا أو يقويا التزامات العقد[33].


الفرع الثالث: الشرط المتأخر
     يقصد به الشرط الذي يشترطه المتعاقدان بعد إبرام عقدهما ولذلك سمي هذا الشرط باللاحق أو المتأخر. ولقد اختلفت آراء الفقهاء حول مدى تأثير هذا الشرط على العقد والتحاقه به كمايلي:
     ذهب فقهـاء المالكـية إلى أن الشرط المتأخر لا يلتحق بالعـقد مطلقا صحيحا كان أم فاسدا، وسواء اشترط قبل لزوم العقد أو بعد لزومه. أما الشافعية والحنابلة فذهبوا إلى القول بالتحاق الشرط المتأخر بالعقد إذا اشترط قبل لزوم العقد، وإن كان بعد لزوم العقد فلا يلتحق به،[34] بينما ذهب أبو حنيفة إلى القول بالتحاق الشرط المتأخر بالعقد مطلقا.[35]
    والراجح الذي نراه من هذه الآراء كلها هو التحاق الشرط المتأخر بالعقد، لأن الإقرار بذلك يسمح للمتعاقدين بتحقيق منافع ومصالح مختلفة قد يكونا غفلا عنها وقت التعاقد بشرط أن يتم إدراج هذا الشرط المتأخر في عقد رسمي، ويعتبر ذلك تعديلا للعقد السابق.
    وأخيرًا فإن الغرض من دراستنا لمفهوم الشرط بصفة عامة، هو التوصل إلى تحديد مفهوم واضح وجلي للشرط المقترن بعقد الزواج من بين تعريفات مختلفة ومصطلحات وألفاظ مشابهة للشرط، وكذا معرفة موضعه من كل هذه الأنواع من الشروط.
    إن الشرط المقترن بعقد الزواج هو ذلك الشرط الذي يتفق عليه الزوجان بمحض إرادتهما في العقد، فيلتزمان فيه بأمر زائد على الآثار الأصلية للعقد بحيث تصدر الصيغة المنشئة للعقد مقيدة بشروط يلجأ من خلالها الزوجان إلى الزيادة في آثار العقد أوالنقصان منها.
   على أن دراستنا تشمل أيضا الشرط اللاحق على عقد الزواج؛ لأن ما يهمنا ليس موضع الشرط بقدر ما يهمنا حكم الشرط في حد ذاته ومدى حرية الزوجين في اشتراطه.
     وعن موضع الشرط المقترن بعقد الزواج من أقسام الشرط فمن حيث مصدره فهو شرط جعلي، ومن حيث وظيفته فهو شرط تقييد، أما من حيث موضعه من العقد فالأصل اقترانه بالعقد، والاستثناء من ذلك وروده في عقد لاحق كما أشارت إلى ذلك المادة 19 من قانون الأسرة، بينما يتسع نطاقه في الشريعة الإسلامية ليشمل أيضاً الشرط المتقدم، كما ذهب إلى ذلك فقهاء كل من المذهب المالكي والحنبلي. 
    ويجدر بنا التنويه إلى أن قانون الأسرة الجزائري قد اشترط ضرورة كتابة الشروط المقترنة بعقد الزواج كما أشارت إلى ذلك المادة 19، وإن كانت الشريعة الإسلامية تعتد بالشرط العرفي، والحقيقة أن هذه الكتابة ليست متطلبة للتعبير عن الإرادة، وإنما جاءت دلالة الكتابة هنا كأداة لإثبات العقد وحماية للحق الذي تضمنه الشرط المقترن بعقد الزواج. وعلى هذا يبقى التعبير عن الشروط  خاضعاً لطرق التعبير عن الإرادة  سواء باللفظ أو بالكتابة أو بالإشارة...
     ومتى اقترنت الصيغة اللفظية المعبرة عن الإرادة الباطنة في عقد الزواج بشروط يشترطها الزوجان أوأحدهما، كأن تشترط الزوجة ألا يتزوج عليها زوجها أو ألا يخرجها من بلدها، فإن التعبير عن الإرادة يجعل الإيجاب مشروطاً بشرط تابع له  بحيث يعتبر الشرط جزءاً من صيغة العقد وليس جزءاً من الإيجاب، ولهذا ينعقد العقد بهذه الصيغة المنجزة ويكون الشرط جزءاً منها.[36]





[1]- عبد المجيد طيبي، الشرط الجزائي وبعض تطبيقاته المعاصرة بين الفقه الإسلامي والقانون الجزائري، مذكرة ماجستير، كلية العلوم الاجتماعية والإسلامية، قسم الشريعة، جامعة العقيد لخضر، باتنة، السنة الجامعية 2003- 2004، ص11، ص12.
[2]- زكي الدين شعبان، نظرية الشروط المقترنة بالعقد في الشريعة والقانون، دار النهضة العربية، القاهرة، 1968، ص31، ص32.
[3]- وهبة الزحيلي، المرجع السابق، ص101.
[4]- محمد علوشيش الورثلاني، الشروط المقترنة بالعقد في الفقه الإسلامي وأثر الاختلافات الأصولية فيها، شركة دار الأمة، 1997، ص28.
[5]- صالح غانم السد لان، الاشتراط في النكاح، دار معاذ للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، الرياض، 1988، ص 24.
[6]- نشوة العلواني، المرجع السابق، ص46.
[7]- كوثر كامل علي، المرجع السابق، ص 38.
[8]- لمطاعي نور الدين، المرجع السابق، ص48.
[9]- نشوة العلواني، المرجع السابق، ص89.
[10]- أحمد خليفة العقلي، الزواج والطلاق في الشريعة الإسلامية، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان، ليبيا، 1990، ص60.
[11]- علاء الدين بن عبد العزيز، كشف الأسرار، الجزء الرابع، دار الكتاب العربي، الطبعة الثالثة، 1997، ص337.  
[12]- عدنان خالد التركماني، ضوابط العقد في الفقه الإسلامي، دار الشروق، الطبعة الأولى، 1991، ص244.
[13]- وهبة الزحيلي، المرجع السابق، ص 101.
[14]- محمد عزمي البكري، الأحوال الشخصية، المجلد الأول، دار محمود للنشر والتوزيع، بدون سنة، ص80.
[15]- وهبة الزحيلي، المرجع السابق، ص102
[16]- عدنان خالد التركماني، المرجع السابق، ص246.
[17]  لقد تناول المشرع الجزائري الأجل بموجب نصوص المواد: 209 – 210- 211 من القانون المدني.
[18]- لمطاعي نور الدين، المرجع السابق، ص51.
[19]- محمد علوشيش الورتلاني، المرجع السابق، ص45.
[20]- كوثر كامل علي، المرجع السابق، ص 38.
[21]- نشوة العلواني، المرجع السابق، ص48.
[22]- محمد عبد الحميد، الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية، دار الكتاب العربي، بيروت، 1984، ص 32.
[23]-مصطفى الزرقاء، المرجع السابق، ص508، ص509.
[24]- ياسين محمد الجـبوري، المبسوط في شرح القانـون المدني، المجـلد الأول ( نظرية العقد)،  دار وائل للطباعة والنشر، الأردن، 2002 ص559.
[25]- عدنان خالد التركماني، المرجع السابق، ص246، ص247.
[26]- عدنان خالد التركماني، المرجع السابق، ص 247، ص248.
[27]- زكي الدين شعبان، المرجع السابق، ص46.
[28]- نشوة العلواني، المرجع السابق، ص92.
[29]- ابن تيمية،  مجموع فتاوى ابن تيمية، المجلد الثاني والثلاثون، ( النكاح)، مكتبة المعارف، المغرب، بدون سنة، ص166، ص167.
[30]- كوثر كامل علي، المرجع السابق، ص43.
[31]- محمد علوشيش الورتلاني، المرجع السابق، ص35.
[32]- رشدي شحاتة، المرجع السابق، ص75، ص76، ص77.
[33]- رشدي شحاتة، نفس المرجع، ص 78.
[34]- زكي الدين شعبان، المرجع السابق، ص 56، ص57.
[35]- نشوة العلواني، المرجع السابق، ص93.
[36]- رشدي شحاتة، المرجع السابق، ص 212.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه