بحث الأخطار وجريمة عدم المساعد ة في القانون الجزائري

0
المبحث الأول: مفهوم الجريمة و السلوك الإجرامي.
إن التعارض بين الحقوق وجد في المجتمع منذ الأزل , وهذا راجع الى الروابط الإجتماعية و الأقتصادية و السياسية بين الأفراد ,فالأنانية الفردية وجدت منذ بدئ الخليقة ولهذا لابد أن تحدها وتنظمها القواعد التي تفرضها السلطة العامة وأن تتدخل هذه الأخيرة لتحد من تمادي الأفراد أو اساءتهم للآخرين عند استعمال حقهم حتى يتجه المجتمع نحو التقدم في ظل النظام و الأمن والسكينة وهذا بوضغ قوانين تحدد الجزاء لكل فعل أو جريمة يراهاالمجتمع مضرة بأفراده ,فالجريمة اذن هي اتيان مجرم معاقب على فعله,أوترك فعل مجرم الترك معاقب على تركه ,أو هي فعل أو ترك ما نصت الشريعة على تحريمه
والعقاب علبه و الفعل والترك لا يعتبر جريمة إلا إذا تقررت له عقوبة له 
المطلب الأول: مفهـوم الجريمـة: 
إن موضوع تحديد ماهية الجريمة خطي باهتمام وافر من قبل العلماء في مجالات عدة على رأسها على المجتمع الجنائي و علم الإجرام، مما أسفر عنه أكثر من تعريف و لكن إن تغيرت صورها فإن فكرتها لا تتغير بجوهرها و يمكن أن نعرف الجريمة من الناحية القانونية و الأخلاقية و الدينية و الاجتماعية.
إن مثل هذا الاختلاف في الاجتماعات و التوجهات من قبل العلماء في مجال تعريف و تفسير الجريمة قد يرد لعوامل عدة من أهمها تعدد أبعاد هذه الظاهرة باعتبارها إفرازات لعوامل متعددة و تؤثر و تتآثر بجوانب اجتماعية و ثقافية و قانونية مختلفة إضافة إلى اختلاف وحدة الاهتمام التي تناولها مختلف الباحثين و العلماء فمنهم من اهتم بالمؤسسات و النظم العاملة على مكافحة الجريمة ، و منهم من اهتم بالأفراد ، في حين ركز آخرون في دراستهم للجريمة على اتجاهات السلوكية حيال المجرم و الجريمة ، هذا التباين في أوجه الاهتمام أدى إلى تباين في الرأي و تعدد المراحل و اختلاف وجهات النظر و الآراء و التشعب في دراسة هذا الموضوع.
الفرع الأول: التعريف القانوني
لم يعرف القانون "قانون العقوبات الجزائري " الجريمة مجراة للخطة المتبعة من قبل أغلب القوانين المعاصرة و هي خطة سليمة لأن وضع تعريف عام للجريمة في نص قانوني لا يخلو من ضرر إذا جاء غير دقيق و غير جامع لكل المعاني المطلوبة و مانع من دخول معاني أخري خارجة عن مبتغي المشرع و إن وجود النصوص التي تحدد مختلف أنواع الجرائم ماهو إلا لسد باب الإشهاد لنصوص الجزائية و مع ذلك يمكن تعريف الجريمة بأنها "كل عمل أو إمتناع أو فعل غير مشروع صادر عن إرادة جنائية يرتب له القانون عقوبة أو تدبير أمني " و مدلول هذا التعريف يمكن أن الجريمة قد تقع بالفعل أو الترك أي الإمتناع فالجريمة التي تقع بفعل قيام الجاني بإطلاق الرصاص علي المجني عليه فأرداه قتيلا أما التي تقع بالترك كالمرأة التي تمتنع عن إرضاع طفلها حتى يموت و يتعين ختما لكي تفوم الجريمة السلبية في حق مرتكبها أن يكون محملا في واجب يتعارض مع موقفه السلبي فإذا لم يكن الامر كذلك فإنه لايخرج عن نطاق الواجبات الادبية و يكون الإمتناع غير معاقب عليه(1) .
الفرع الثاني: التعريف الاجتماعي و النفسي
أولا: التعريف الاجتماعي:
يعتبر علماء الإجتماع أن الجريمة ظاهرة اجتماعية،وعلي هذا الأساس اختلف علماء الاجتماع في تعريف الجريمة،وأشهرها تعريف(سالن Salin) حيث يقول:"الجريمة هي انتهاك للمعايير الاجتماعية." أما العالم(Orafael Garofal) فقد صنف الجرائم إلى جرائم طبيعية و جرائم مصطنعة. فالجريمة الطبيعية هي ذلك 











1-دروس و محاضرات مدرسة الشرطة طيبي العربي سيدي بلعباس(الجزائر).
الفعل الذي لا يختلف شعور الناس تجاهه بأنه جريمة مهما اختلفت المجتمعات و الأزمنة كالاعتداء المادي أو المعنوي على الأفراد و الاعتداء على الأموال و الممتلكات، أما الجريمة المصطنعة فهي الأفعال المنتهكة لمكونات ثقافية مصطنعة أو ما يسمى بالعواطف غير الثابتة كالديانات و العادات و التقاليد(1).
ثانيا: التعريف النفسي
الجريمة هي إشباع لغريزة إنسانية بطريقة شاذة لا يقوم به الفرد العادي في إضاء الغريزة نفسها و هذا الشذوذ في الإشباع يصاحبه علة أو أكثر في الصحة النفسية و صادفت وقت ارتكاب الجريمة انهيار في القيم و الغرائز السامية أو الجريمة في نتاج للصراع بين غريزة الذات أي نزعة التعريف و الشعور الاجتماعي.
الفرع الثالث: التعريف الديني و الأخلاقي
أولا: التعريف الديني
يمكن تعريف الجرائم في الشريعه الاسلاميه بانها محظورات شرعية زجر الله عنها بحد او تعريز والمحظورات هي اما اتيان فعل منهي عنه او ترك فعل مامور به وقد وصفت المحضورات بانها شرعيه لان الشريعه هي التي تحدد ما هو سوي وما هو منحرف طبقا لمعايير محددة وهذا يعني ان الفعل او الترك لا يعتبر جريمه الا اذا اوضحت الشريعة ذلك ورتبت عليه عقوبه فاذا لم تكن هناك عقوبة على الفعل او الترك لا يعد أي منهما جريمه . 
وهذا هو مبدا الشريعه التي وضعته واقرته الشريعه الاسلاميه ثم اخذه عنها علماء القانون حين تحدثوا عن قانونيه الظواهر الاجراميه وان القانون هو الذي يجرم بعض جوانب السلوك.(2)





1-محاضرة في علم الاجتماع و الديمغرافيا بجامعة منتوري. قسنطينة
2-مواقع القوقل للأنترنيت
ثانيا: التعريف الأخلاقي
إن جل العلماء الذين قدموا تعريف للسلوك الإجرامي هم الذين نظروا إليه على أنه سلوك يتضمن تعارض واضح من القاموس الطبيعي للأخلاق، 
و لقد اختلف هذا الفريق فيما بينهم فيما يخص عدد و نوع تلك القواعد الأخلاقية 
التي إذ ما خرقت بات السلوك في حكم الجريمة، فمنهم من قال أن بعض القواعد الأخلاقية السائدة في المجتمع هي المعيار الأساسي للفصل في مدى تجريم السلوك، 
في حين أكد البعض الآخر أن أي قاعدة من القواعد الأخلاقية لها أن تحدد إذا ما كان السلوك إجراميا أو اجتماعيا.
المطلب الثاني: السلوك الإجرامي
يعرف الفقهاء عادة الركن المادي للجريمة هو وقوع فعل أو امتناع عن فعل جريمة القانون، من هذا القول فالركن المادي يقوم أساسا على عنصر السلوك الإجرامي. فالسلوك الإجرامي يعرف بأنه القيام بفعل أو الامتناع عن القيام بفعل يجرمه القانون فهو تصرف الشخص إزاء ظروف معينة. كما أن السلوك شرط لازم من أجل أن ينسب لشخص ما اقترف جريمة، فلا يمكن تصور جريمة دون أن تكون نتيجة لسلوك إجرامي.
هذا إلى جانب أن السلوك الإجرامي معيار للتفرقة بين الجرائم( جرائم حينية و جرائم مستمرة) و الجرائم البسيطة و جرائم الاعتياد، مما سبق يتضح لنا أهمية السلوك في البيان القانوني للركن المادي خصوصا و للجريمة عموما و لكن ما هو النظام القانوني للسلوك بوصفه عنصرا من عناصر قيام الركن المادي للجريمة و لمعرفة الجواب لابد من التمييز بين صورتيه و هما السلوك الإيجابي و السلوك السلبي.
الفرع الأول: السلوك الإيجابي
الفعل الإيجابي هو حركة عضو إرادية تصدر من الجاني و انطلاقا من هذا التعريف فهناك عنصرين لهذا الفعل و هما الحركة العضوية و صفة الإرادة.
أولا: الحركة العضوية ،السلوك الإيجابي هو كيان مادي ملموس أو محسوس و يتمثل هذا الكيان فيما يصدر عن تركيبة من حركات لأعضاء جسمه ابتغاء تحقيق آثار مادية معينة و يترتب على اعتبار الحركة العضوية عنصرا في السلوك الإيجابي نتائج هامة.
* إن التفكير و التحضير لا يعتبران سلوكا إجراميا، فالسلوك الإيجابي لا يقدم بمجرد العزم أو التصميم على المساس بحقوق الغير إذ تنقصه في الحالتين الحركة العضوية.
* الحركة العضوية لا تعني دائما حركة اليد بل هي أوسع من ذلك و تشتمل على حركة أي عضو من جسد الإنسان.
ثانيا: الصفة الإرادية، السلوك الإيجابي حركة عضوية ذات أصل إيرادي.
الإرادة هي قوة نفسية مدركة فالسلوك الإيجابي لا يقوم بحركة عضوية أيا كانت و إنما يقوم بحركة عضوية ذات مصدر معين هو الإرادة. فغياب الإرادة ينفي على الفعل صفته الإجرامية.
أيضا الصفة الإرادية يجب أن تسيطر على كل أجزاء الحركة العضوية و توجهها على نحو معين.
الفرع الثاني: السلوك السلبي (الامتناع) 
*الامتناع: هو إحجام الجاني عن القيام بعمل إيجابي يفرضه عليه القانون في ظروف معينة وعلى ذلك فان الامتناع يقوم بتوافر عناصر ثلاثة هي : الإحجام عن أداء عمل إيجابي , وجود واجب يفرضه القانون , الصفة الإرادية للامتناع
أولا: الجرائم السلبية البسيطة
هي تلك التي تتم و يستحق عليها العقاب بمجرد امتناع الجاني عن القيام بفعل
معين يفرض القانون عليه بغض النظر عن حدوث نتيجة ضارة بسبب الامتناع. 
و من أمثلة هذه الجرائم: جريمة إنكار العدالة، جريمة تعرض طفل أو عاجز للخطر.
ثانيا: الجرائم السلبية ذات النتيجة
يفترض ركنها المادي امتناعا أعقبته نتيجة إجرامية و من أمثلثها: جريمة تعريض الطفل أو العاجز للخطر إذا اقترنت بحصول مضرة (قطع أعضاء أو كسرها أو الموت). فالجرائم السلبية أو جرائم الامتناع بنوعيها يقوم الركن المادي فيها على:
1- عنصر سلبي اقترن بظروف مادية و هو الامتناع و هذا العنصر كاف لقيام الجرائم السلبية البسيطة.
2- العنصر الثاني و هو إيجابي مادي يتمثل في النتيجة الإجرامية.
بالاعتماد على ما سبق يمكن القول أن الامتناع ليس عدما و إنما هو ذو كيان ملموس مستمد إما من ظروف الفعل و حدها أو مضافا إليها توفر النتيجة الإجرامية.
ثالثا: شروط (أو عناصر) الامتناع
بالعودة إلى التعريف المقدم سابقا للامتناع تتبين أنه لابد لقيامه و اعتباره قانونا من توفر ثلاثة عناصر أو شروط:
1-الإحجام عن إتيان فعل إيجابي: 
لا يتألف الركن المادي في جرائم الامتناع من مجرد إحجام الجاني مجردا وإنما من ذلك الامتناع الذي يترك فيه الجاني أداء عمل معين يلزمه القانون بالقيام به ، ففي مقام التجريم يستوي لدى المشرع ان يقع اعتداء على الحق او المصلحة المحمية بارتكاب الفعل المجرم او بالتخلي عن أداء العمل الواجب، مثال ذلك امتناع الشاهد عن الإدلاء بشهادته أمام القاضي 
2-وجود واجب قانوني: : 
ان الامتناع المؤثم في قانون العقوبات هو ذلك الذي يرتب عليه المشرع الجنائي آثارا جنائية ، فإذا لم يكن هناك واجب قانوني يفرضه قانون العقوبات فلا جريمة في حق من أحجم عن الفعل، كمن يشاهد طفلا يعبث بأسلاك كهربائية عارية فلا يحذره حتى يصعقه التيار فيقتله
3-الصفة الإرادية للامتناع:
مصدر الامتناع الإرادة والصفة الإرادية في الامتناع لا تقتصر على توجيه الإرادة الى عدم القيام بالالتزام الذي يفرضه القانون بل تنصرف الى عدم توجيهها للقيام به مع القدرة على ذلك، لان الإرادة تتطلب القدرة على التنفيذ حيث لا تكليف بمستحيل
الفرع الثالث: النتيجة الضارة و العلاقة السببية
النتيجة الضارة هي الأثر المترتب على السلوك الإجرامي و لكل جريمة نتيجة فهناك نتائج لها مظهر خارجي ملموس مثل إزهاق روح المجني عليه في جريمة القتل، و هناك نتائج ضارة ليس لها مظهر خارجي ملموس كالامتناع عن أداء الشهادة أو التبليغ عن مولود جديد في الجرائم السلبية.

أولا: العلاقة السببية في جرائم الامتناع
لا يثير بحث العلاقة السببية اية صعوبة اذا كان سلوك الجاني هو العامل الوحيد الذي أدى الى النتيجة المعاقب عليها كمن يطلق عيارا ناريا على اخر فيقتله ، فيكفي لقيام السببية إسناد الفعل الى الجاني الا انه غالبا ما تنضم الى فعل الجاني عوامل متعددة اخرى مستقلة عنه فتشترك معه في إحداث النتيجة الإجرامية، وتختلف العوامل التي تتضافر في إحداث النتيجة الإجرامية فمنها ما هو سابق على السلوك الإجرامي كأن يتم الاعتداء على شخص مصاب بمرض القلب مما يساعد على وفاته، ومنها ما يكون معاصرا كأن يطعن الجاني المجني عليه بسكين في ذات اللحظة التي يطلق فيها عليه اخر النار فيقتله، ومنها ما يكون لاحقا على السلوك الإجرامي كأن يطلق شخص النار على المجني عليه فيصيبه ولكن المصاب يهمل في العناية بإصابته مما يؤدي الى وفاته.
فهل تظل علاقة السببية قائمة بين فعل الجاني والنتيجة الإجرامية على الرغم من تدخل عوامل اخرى؟ للإجابة على هذا التساؤل وجدت عدة نظريات في علاقة السببية .
• نظرية تعادل الأسباب
• نظرية السبب الأقوى او الفعال
• نظرية السببية الملائمة
نص المشرع الجزائري في قانون عقوبات على تحديد ضابط لعلاقة السببية وقد اخذ بمعيار السبب الملائم(1)










1-د,عبد الرحمن عيسوى:دراسة في تفسير الجريمة و الوقاية منها ,دار النهضة العربية للطباعة و النشر و التوزيع.ص152

*صعوبة البحث و الآراء الفقهية فيه
تكمن صعوبة البحث في أن الامتناع موقف سلبي و النتيجة ظاهرة مادية ملموسة، فكيف نستطيع القول بأن الموقف السلبي (الامتناع) يمكن أن ينتج عنه أو أن يكون سببا لظاهرة مادية ملموسة؟. 
ينكر البعض علاقة السببية في مثل هذه الجرائم ,ويرى أن حل هذا المشكل يكمن في ضرورة أن ينص القانون صراحة على العقاب و إلا لما أمكن العقاب عليها.
فالامتناع ما هو إلا فراغ أو عدم و لا ينشأ عن العدم إلا العدم أي أنه لا يمكن للامتناع أن ينتج شيئا. على أن الرأي السائد في الفقه يرى أن الامتناع ليس عدما و أن له وجوده القانوني و ينتج آثارا يعتد بها و من ثم فهو سبب للنتيجة.
و يعني ذلك أن موقف الجاني السلبي ليس فراغا و إنما هو موقف واعي و مدرك للحقائق التي تحيط به، و أن امتناع الجاني في نفس الوقت الذي كان القانون يتطلب منه أن يتدخل هو ما حقق النتيجة. فلا فرق بين الأم التي تمتنع عن 
إرضاع ولدها حتى يهلك و بين الأم التي تخنق ولدها، كما أن الممرضة التي تمتنع 
عن تقديم الدواء للمريض لقتله لا تختلف عن ممرضة التي تقدم على فعل قتل المريض. 
و معيار مسؤولية الجاني هو تحقق النتيجة و بالتالي فإن القول بتوافر رابطة السببية يستخلص من الإجابة على التساؤل التالي: لو باشر لجاني عمله كما أمر القانون هل كانت النتيجة ستتحقق أم كان تدخله سيمنع تحققها؟
إذا كانت النتيجة ستتحقق و لو باشر المتهم عمله كما أمر القانون فإن رابطة
السببية تنقطع باعتبار أن الامتناع هنا ل يكن ظرفا ملائما لحدوث النتيجة أما
إذا كانت النتيجة لا تتحقق بتدخل المتهم فإن عدم تدخله يعتبر سببا كافيا للنتيجة و بالتالي يسأل الجاني عنها، و عليه فإن البحث دور حول ما إذا كان الامتناع سببا للنتيجة أم لا.(¹) 



1-عبد الله سليمان- شرح قانون العقوبات الجزائري- القسم العام الجزء الأول (الجريمة) ديوان المطبوعات الجامعية الطبعة 1998 الصفحة 160

المبحث الثاني: أنواع الامتناع و نظرة الشريعة الإسلامية لها 
المطلب الأول: أنواع الامتناع و حالات التجريم
الامتناع يعني الإحجام أو الترك أو القعود أو التقاعس كلها تعبيرات لمدلول واحد، وقد اختلف الفقهاء بشأن تقسيم الامتناع اختلافا كبيرا إلى الحد الذي جعل بعضهم يدخل فيه السلوك ويعتبره نوعا من الإحجام وسوف نتناول التقسيمات المختلفة للامتناع.
الفرع الأول: آراء الفقهاء حول تقسيم الامتناع 
يقسم البعض الامتناع إلى امتناع مجرد و إحجام بمناسبة عمل و يعرَف الأخير بأنه الامتناع الذي يقع عند ممارسة نشاط معين و الذي يتمثل في عدم اخذ
الاحتياطات اللازمة التي تتطلبها ممارسة هذا النشاط طبقا للمعتاد وطبقا لهذا الرأي لكي نكون بصدد امتناع بمناسبة عمل يفترض قيام الشخص مختارا بعمل إيجابي
مشروع كقيادة السيارة أو إقامة بناء أو إجراء عملية جراحية و يمكن أن يتولد من هذا العمل ضرر لأن الامتناع في هذه الحالة يتمثل في عدم اخذ الإجراءات اللازمة و الاحتياطات التي من شأنها منع وقوع هذا الضرر.(1)
و قد أقام أصحاب هذا الرأي التفرقة بين الامتناع المجرد والامتناع بمناسبة عمل على أساس وجود واجب عام باليقظة والتبصر في السلوك حتى لا يضر بالغير و تطبيقا لهذا الرأي فقد اشتمل القانون المدني النمساوي على نص يمكن استخلاص 
هذا الالتزام من المادة 1298 التي تقضي بأنه:« يفترض فيمن يتمتع بقواه العقلية أن تتوفر لديه درجة الانتباه و العناية التي تتوقع في سواء الناس »(2).






1- محمود نجيب حسني – القسم العام- شرح قانون العقوبات. القسم العام. دار النهضة1977. الصفحة 331
د.مأمون سلامة- قانون العقوبات القسم العام. دار النهضة .1979 رقم1 الصفحة 153 
2- الدكتور حبيب إبراهيم الخليلي:- مسؤولية الممتنع- رسالة الدكتوراه القاهرة 197 الصفحة 46
و من الواضح أن العمل المشروع الذي يجب اتخاذ الاحتياطات الضرورية للحيلولة دون تسببه في الإضرار بالغير ليس امتناعا لأنه لا يتصور أن يقع الضرر بمناسبة امتناع عن عمل حتى يلزم باتخاذ الاحتياطات الكفيلة بمنع وقوعه.(1) 
الفرع الثاني: التفرقة بين الامتناع المجرد و بمناسبة عمل
أولا: جرائم الامتناع المجرد
في هذا النوع من الجرائم نكون بصدد امتناع خالص عن أداء عمل معين أوجبته قاعدة شرعية أو قانونية فهو امتناع غير مشروع لا يتعلق بأي عمل ما و على ذلك يتطلب النموذج الإجرامي لجريمة الامتناع أن يكون ركنها المادي من سلوك سلبي فقط أي امتناع خالص و من أمثلة هذا الامتناع امتناع الشاهد عن أداء بشهادته و امتناع من إنقاذ حريق ففي هذه الحالات يقع الامتناع مجردا عن أي عمل ايجابي يسبقه أو يلاحقه أو يعاصره.
و قد تحدث الدكتور رمسيس بنهام واصفا إياه بأنه:« فعل مادي ذو مضمون نفسي » ويقول أيضا بأن الامتناع المجرد يكون محل عقاب لأنه امتناع عن إبداء إرادة ويضرب المثل في هذا امتناع الشاهد عن أداء الشهادة . أو يكون محل إبداء شعور فمثلا جريمة النصب في أن يتظاهر بالشعور الطيب قي مواجهة المجني عليه و يمتنع عن إظهار حقيقة شعوره السيئ ونجد أيضا من أمثلة هذا لامتناع المجرد الخالص لا يكون مقترن بأي عمل ومنه فجريمة الامتناع المجرد يكون ركنها المادي على الامتناع الخالص.







1- محمد عبد الفتاح –كتاب جرائم الامتناع- الصفحة 15

ثانيا: جرائم الامتناع بمناسبة عمل
تتميز الجرائم في هذه الحالة باجتماع العمل مع الامتناع في حالة تعاقب و استقلال و إما يجتمع في حالة اقتران وتبعية، و من أمثلة اجتماع العمل في حالة تعاقب كمن يحبس شخصا بغير حق ويمنع عنه الطعام و نجد أيضا امتناع الأم عن إرضاع طفلها ثم تقوم بعد ذلك بخنقه ففي هذه الحالة يجتمع مع سلوك إيجابي لكن 
لكل منهما ذاتيته و استقلاليته حيث لا تعدد الجرائم بتعدد الفعل و الامتناع لأن المقصود من ورائها إحداث نتيجة واحدة (1) .
أما في حالة اجتماع العمل و الامتناع في صورة اقتران وتبعية حيث تكون بينهما صلة وثقة حيث أن النموذج الإجرامي لجريمة الامتناع في هذه الحالة يتطلب أن يكون ركنها المادي خليط من سلوك ايجابي حيث لا تتحقق الجريمة إلا بتوافر كل من الفعل و الامتناع سويا حيث إذا وجد أحدهما وتخلف الآخر لاتقوم الجريمة،و تندرج هذه الحالة تحت نموذج الجريمة ذات السلوك المتعدد
الفرع الثالث: أقسام الجريمة التي يقترن الفعل و الامتناع في تكوين ركنها المادي
تم تقسيم الجريمة التي يقترن الفعل والامتناع في تكوين ركنها المادي إلى أربعة أنواع وهي:
النوع الأول: 
نوع لا توجد فيه بين الفعل و الامتناع صلة السبب بالسبب، كما في جريمة تناول الطعام و الفرار(فعل) دون الوفاء بثمن الطعام(امتناع).
النوع الثاني: 
هو نوع لا توجد فيه بين الفعل و الامتناع رابطة السببية، بمعنى أن الفعل فيه يكون السبب في الامتناع. و يسوق لذلك مثالا بجريمة اختلاس المالك أمواله المحجوز عليها قضائيا أو إداريا، باعتبار أن عدم وفائه بالدين المستحق في ذمته عنصر في تلك الجريمة، و أن تبديده للمال المحجوز ترتب عليه 


1- د. حبيب إبراهيم الخليلي مرجع سابق الصفحة 48
عدم استيفاء الدين الموقع من أجله الحجز.
النوع الثالث: 
هو نوع يعتبر فيه الفعل وسيلة لتحقيق الامتناع كهدف، كما في تلك الصورة من التفالس بالتدليس، التي يبدد فيها التاجر جانبا من أمواله، إقرارا بدائنيه و في سبيل أن يتوقف عن دفع مستحقاتهم عليه، أما إذا حدث و إن كان التبديد كوسيلة يرمي إلى غاية أخرى غير الأضرار بالدائنين بأن كان الباعث عليه إشباع مطالب عائلية غير مادية فلا يتوافر التفالس بالتدليس.
النوع الرابع: 
هو نوع يستنفذ فيه الركن المادي للجريمة بإتيان الفعل و إنما يتوقف على الامتناع بقاء الوضع المنافي للقانون و الناشئ من الفعل ذاته. كما هو الحال في الجريمة المستمرة كحمل السلاح بدون رخصة و قيادة السيارة بسرعة تخالف اللوائح. 

المطلب الثاني: الامتنـاع في الشريعــة الإسلاميــة
تطرق علماء الفقه الإسلامي إلى بحث العديد من مشاكل الجريمة و العقوبة، و بحث الكثير من تفصيلات المشاكل المتعلقة بالامتناع بوجه عام و الامتناع عن المساعدة بوجه خاص، و الأمثلة التالية توضح ذلك:
فقد بحث مسألة شرعية الجريمة و العقوبة بحثا مفصلا: فقد قرروا أن هناك عدة قواعد أصولية شرعية مقررة في الشريعة الإسلامية تقطع بأنه لا جريمة و لا عقوبة إلا بنص، منها قاعدة « لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود النص.» و يجب أن لا يكون في العقوبات إهانة للكرامة الإنسانية و أن تكون ثمة مناسبة بين العقوبة و الجريمة ثم المساواة بين الناس.(1) 




1- محود عبد الفتاح –جرائم الامتناع- مرجع سابق. الصفحة 20

الفرع الأول: الأصول الشرعية للامتناع في الشريعة الإسلامية
عرض الشارع الإسلامي للأوامر و النواهي و ذلك إما بالنص عليها صراحة أو بيان الإمارة الدالة عليها و يكون بذلك قد بين الجرائم كما بين العقوبات المناسبة لها، و تحققت قاعدة «لا جريمة و لا عقوبة إلا بنص.»
كما أن ولي الأمر ليس مطلق اليد في سن العقوبات و تعيين الجرائم بل هو مقيد كل التقييد بأوامر الشرع، فليس له أن يعتبر أمرا لا ضرر فيه و لم يرد نهي عنه جريمة بحال من الأحوال، و إلا كان ظلما، و كان كل أمر فيه أمر بمعصية و ليس له أن يمنع أحد من فعل، و يعتبره جريمة إلا كان له مبرر من قواعد الشرع،إما لضرر مؤكد ينال الجميع أو يغلب على الظن أن ينالهم، و أما لأن مصلحة الأمة العليا المؤكدة في ذلك التعيين.
و يقصد بأوامر الشارع و نواهيه أنها هي الأمر المعرف للجرائم، و أوامر الشارع و نواهيه ثابتة لا مجال للشك فيها و بعضها معلوم بالنص الصريح من الكتاب و السنة أو إجماع السلف الصالح عليه، و إن لم يكن نص و لا إجماع فإن تلك الأوامر و النواهي التي اعتبرت أساسا للتجريم تعرف بالاستنباط الفقهي المقيد بمعاني النصوص، و القياس على الأحكام و الغايات التي يطلبها الإسلام.(1)
و قد قسم الفقهاء الواجب إلى واجب عيني و واجب كفائي: فالواجب العيني هو الذي يطالب به كل شخص مستوفي لشروط الوجوب، و يأثم أن لم يفعله كالزكاة و كإعانة المحتاج الذي يكون في مخصمة شديدة إذا أدت إلى الهلاك.
أما الواجب الكفائي فهو الذي يكون المطلوب فيه تحقق الفعل من الجماعة غير متعين له شخص بعينه، فإن لم يحصل أثم الجميع كالجهاد في سبيل الله و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فهذه الواجبات كفائية يجب تحققها في الجماعة، فإن 





1- محمود عبد الفتاح –جرائم الامتناع- مرجع سابق. الصفحة 21
فعله بعضها برئت الجماعة كلها، و إن لم يفعله أحد أثمت الجماعة كلها.(¹)
الفرع الثاني: جرائم الامتناع ذي النتيجة في الشريعة الإسلامية 
و قد بدأت بعض القوانين تعترف بهذا النوع من الجرائم و تعالجه بنصوص صريحة. فالشريعة الإسلامية سباقة في هذا المضمار فلم يسبقها فيه سابق فقد روى في ذلك أن رجلا استسقى على باب قوم فأبوا أن يسقوه فأدركه العطش فمات فخصم منهم عمر ابن الخطاب ديته.(²)
و تعاقب الشريعة الإسلامية في هذا النوع من الجرائم على مجرد الامتناع حتى و لو لم يبلغ حد الشروع المعاقب عليه في القانون باعتباره أن الامتناع في ذاته معصية فمثلا من طلب الماء يجب سقيه، فلو استطاع أن يذهب إلى مكان آخر 
و يستسقي منه فإن الامتناع عن السقي في حد ذاته يكون جريمة لأنه معصية و لكنها ليست جريمة قتل أو شروع بل هي جريمة دونها.(3)
و لقد فصل الإمام بن حزم القول في هذا النوع من الجرائم فقال:«القول في هذا عندنا و بالله التوفيق هو أن الذين لم يسقوه إن كانوا يعلمون أنه لا ماء البتة إلا عندهم، و لا يمكنه إدراكه أصلا حتى يموت، فهم قتلوه عمدا، و عليهم القوة بأن يمنعوا الماء حتى يموتوا كثروا أو قلوا، و لا يدخل في ذلك من لا يعلم بأمره فيهم، و لا من لم يمكنه أن يسقيه، فإن كانوا لا يعلمون ذلك و يقدرون أنه سيدرك الماء، فمنهم قتله خطأ و عليهم الكفارة و على عواقبهم الدية، و لابد برهان ذلك قول الله تعالى: "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم." و قال تعالى: " و الحرمات قصاص " و بيقين يدري كل مسلم في العالم أن من استسقاه مسلم و هو قادر على أن يسقيه فتعمد أن لا يسقيه \إلى أن مات عطشا فإنه قد اعتدى عليه بلا خلاف من أحد الأمة، و إذا اعتدى فواجب بنص القرآن أن يعتدي 

1- الإمام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي –المستصفى في علم الأصول، دار الكتب العلمية لبنان بيروت الطبعة 1983. الصفحة 65
2- ابن حزم – المحلى- طبعة المنيرية 1952 ح.1 مسألة رقم(97.2) الصفحة 522
3- الشيخ أبو زهرة –الجريمة و العقوبة في الفقه الإسلامي- الصفحة 130


على المعتدي بمثل ما اعتدى به، فصح قولنا بيقين لا إشكال فيه، و أما إذا لم يعلم بذلك فقد قتله إذ منعه ما لا حياة له إلا به فهو قاتل خطأ. فعليه ما على قاتل الخطأ»
و قال: و هكذا القول في الجائع و العاري و لا فوق و كل ذلك عدوان.(¹) 
و قد أورد الشيخ أبو زهرة في كتابه- العقوبة- و أن من صور القتل بحق، القتل في حال الاضطرار إلى الطعام، لقد قرر الفقهاء أن الجائع في بادية، و لم يكن معه طعام يطعمه، و لا مال يشتري به طعاما، و لم يوجد من يعطيه بغير ثمن عاجل، و كان معه صاحب عنده طعام يفيض عن حاجته و يسع أن يأكل معه الجائع المضطر من غير ضرر يلحقه، فإنه يجب أن يعطيه ما يدفع غائلة الجوع و لو امتنع عن إعطائه فان للجائع أن يقاتله حتى يأخذ منه ما يكفيه و إذا أعطاه وجب أن يعطي الجائع القيمة في الحال أو عند الميسرة على حسب حاله. 
و إذا لم يعطه و اضطر الجائع إلى قتاله، فإن قتل صاحب الطعام ذهب دمه هدرا و إن قتل طالب القوت يقتل مظلوما فيصح طلب النقود أو الدية على حسب أقوال الفقهاء. (2)
و ما قاله ابن حزم و ابن قداحة و غيرهما في هذا المجال يعتبر سبقا آخر للشريعة الإسلامية في معالجة الامتناع في ميدان الدفاع الشرعي حيث يمكن قيام حالة الدفاع الشرعي على مجرد الامتناع و بعبارة أخرى فإن الامتناع الذي ينكره بعض القانونيين تعترف به الشريعة و تعطيه الصلاحية لأن يشكل اعتداء يستوجب الدفاع.
يقول الفقهاء إن طلب الطعام و دفع المانع عن منعه و لو بالمدافعة التي تؤدي إلى 
قتله واجب، و ذلك حق له ، فهو يطالب بحق الحياة و المطالب بحق الحياة مطالب بواجب، و إذا كانت المطالبة بحق الحياة واجب فما يؤدي إليها يكون واجبا، و قد تعين القتل سبيلا لذلك فيكون واجبا بوجوبها.(³)






1-المحلي لابن حازم –مرجع سابق- ح10 الصفحة 522
2-ابن قدادة –مرجع سابق- الصفحة 531
3- مواقع الانترنيت

الفرع الثالث: الطبيعة الوقتية أو المستمرة لجرائم الامتناع في الشريعة الإسلامية
لم يتعرض فقهاء الشريعة الإسلامية إلى تقسيم الجرائم إلى وقتية و مستمرة، و يعلل البعض ذلك بأن الفقهاء يهتمون فقط بجرائم الحدود و جرائم القصاص والدية، لأنها جرائم ثابتة لا تتغير الأفعال المكونة لها، و لا تتغير العقوبات المقررة عليها. و هذه الجرائم كلها مؤقتة و ليس فيها جريمة واحدة غير مؤقتة، فلم يكن هناك ما يدعو للتفرقة بين الجريمة المؤقتة و الجريمة الغير المؤقتة.
و يرى أن هذا التعليل غير صحيح لأن بعض جرائم الحدود يمكن أن تقع مستمرة و يمكن أن تقع مؤقتة فجريمة السرقة أو القتل كما رأينا يمكن أن تقع مستمرة كما تقع مؤقتة كما في سرقة التيار الكهربائي أو المياه و كما في القتل بالسم في حالة إعطاء المجني عليه جرعات صغيرة خلال زمن طويل إذا كانت كل واحدة منها لا تكفي لإحداث الوفاة و إنما أحدثته في مجموعها. و كذلك الشأن إذا تم القتل عن طريق التجويع بأن كان الجاني لم يمنع الطعام أو الشراب عن المجني عليه بالكلية، و إنما كان يعطيه بعض الطعام أو الشراب الذي لا يقيم به ……. فيجعل مدة التجويع تطول فيضعف المجني عليه و تقل مقاومة حتى يهلك جوعا.(1)
و لم يتعرض فقهاء الشريعة الإسلامية صراحة إلى تقسيم الجرائم وقتية و مستمرة و هذا لا يمنع من تواجد هذا التقسيم، فجرائم الامتناع عن الزكاة أو الصلاة من الجرائم الثابتة التي توصف بأنها مؤقتة لأن الواجب القانوني فيها مؤقت و ليس مستمرا، و مع ذلك فقد تقع مستمرة إذا استمر الامتناع متجددا بتجدد الواجب القانوني.
و كما في امتناع المدين القادر المماطل فإن حالة الامتناع تظل قائمة و مستمرة حتى يؤدي من دين و كذلك جريمة حبس شخص دون حق، فإن الحبس يظل مستمرا حتى ينتهي بإطلاق سراح المجني عليه أو وفاته و امتناع الأم عن إرضاع 



1- الدكتور إبراهيم شعبان –مرجع سابق- الصفحة 149

طفلها حيث تبقى حالة الامتناع قائمة حتى تنهيها الأم أو يموت الطفل لأن الامتناع في حد ذاته جريمة.(1)
منهج الشريعة الإسلامية في العقاب على جرائم الامتناع المستمرة:
إن للشريعة الإسلامية منهج فريدا من نوعه في العقاب على جرائم الامتناع المستمرة لتلك الجريمة، أي للعمل على ما أوجبه الشرع. و لذا لو أدى الممتنع الواجب لم يكن ثمة موجب للعقاب، مثال عقوبة تارك الزكاة فإنها ليست للترك السابق، و إن كان في ذاته جريمة أو معصية، و إنما العقوبة للعمل على أدائها فإذا أدى الممتنع ما عليه من زكاة فإنه لا ينزل به عقاب، هذا المنهج يفرض على الممتنع أن ينهي حالة الامتناع ويخرجه من عزلته و إحجامه. ويشجعه على أداء ما هو واجب عليه نحو ربه ونفسه و إخوانه. و لا شك أن أداء الواجبات ينهي المشكلات ويجعل المجتمع متعاونا متساندا متراحما فيما بينه، فالشريعة الإسلامية بهذا المسلك الفريد تهاجم السلبية التي يتخذها الممتنع حيث تفتت السلبية كيان المجتمع وتنشد إيجابية العمل بأداء ما هو واجب على الممتنع(²) 
الشريعة الإسلامية سابقة على القانون الوضعي في جرائم الامتناع الوقتية و المستمرة
كانت الشريعة الإسلامية سباقة في منهجها في العقاب على جرائم الامتناع المستمرة إذ أن العقاب في هذه الجرائم للعمل على أداء ما أوجبه الشرع، بحيث لو أدى الممتنع ما عليه من واجب لم يكن هناك موجب للعقاب كما رأينا. إذ تهتم في المقام الأول بإصلاح النفوس و تزكيتها و إقامة المجتمع الفاضل، و تسعى إلى ذلك بالترغيب و الترهيب، وبالعقاب عند عدم جدوى الترغيب و الترهيب من الشخص 



1- الدكتور إبراهيم شعبان –مرجع سابق- الصفحة 149
2- الدكتور إبراهيم شعبان –مرجع سابق- الصفحة 150 
الذي انحرف عن جادة الطريق المستقيم فيكون العقاب وقتئذ للتأديب و الزجر و الروع. 
و تمتاز الشريعة الإسلامية بتطبيقها لنظرية التداخل في العقاب وهذه النظرية تعتبر أوسع مدى و أدق منطقا في الشريعة الإسلامية عنها في مجال القانون لأن هذا الأخير لا يعرف التداخل إلا في حالة واحدة فقط في ارتكاب الجاني لغرض واحد و يشترط أن تكون هذه الجرائم مرتبطة ارتباطا لا يقبل التجزئة.(1)




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه