تحديات الاثبات الالكتروني في ميدان الاعمال المصرفية

0
تحديات الاثبات الالكتروني في ميدان الاعمال المصرفية .

بالرجوع الى نص المادة 92 من مشروع قانون البنوك ، نجدها تقرر جملة احكام تتعلق بما واجهته المصارف من مشكلات خلال عمليات التقاضي ، ويسجل في هذا الميدان جهد مميز لجمعية البنوك في الاردن في تبين هذه المشكلات وعقد عدد من الندوات العلمية لابراها والنقاش حولها كما يسجل لها دورها المميز في ايجاد هذه المادة ، وفي هذا الاطار فان هذه المادة تنشئ احكام جديدة او تعدل احكاما قائمة في حقول نظام التقاص والاثبات والتوثيقات العينية ، وحوالة الحق والشيكات . وحيث ان المقام محصور بالبحث في الاثبات فاننا نتناول تاليا احكام هذه المادة بهذا الخصوص اما ما ورد في الفقرات ( أ ، و ، ز ) فانها موضوعات تتطلب دراسات مستقلة ، ولا نشير هنا الى هذه الفقرات الا في حدود اتصالها بالاثبات ، ونكتفي في هذا المقام بعرض الاحكام العامة المستحدثة وبعض تحدياتها على ان تكون محلا للدراسة التفصيلية الخاصة من ناحية المشكلات العملية المثارة بشانها .

واول ما يتعين لاشارة اليه ، ان النص المستحدث في قانون البنوك بشان الاثبات لا يمكن ان يسري باثر رجعي على ما سبقه من حالات او دعاوى ، ذلك ان القانون يسري باثر فوري وللحالات المستقبلية ما لم ينص صراحة على غير ذلك ، وهو ما لم يحصل في مشروع القانون مدار البحث ، كما ان القضاء الاردني مستقر على ان مسائل الاثبات محكومة بالقانون النافذ وقت التصرف او العقد بحسب الحالة ، وفي ذلك تقول محكمة التمييز الاردنية :- 
(( استقر الفقه والقضاء على ان القانون الذي يفصل في طرق الاثبات هو القانون الذي كان معمولا به وقت العقد حتى لو كان القانون الجديد ادخل تغييرا على ذلك. ومبنى هذه القاعدة هو ان الناس لهم حق مكتسب في ان يبقى صحيحا بمقتضى القانون الذي كان موجودا وقت العقد.)) (ت ح 322/1959 ص 370 سنة 1959 ) .

اما المسالة الثانية المتعين الاشارة اليها ، ان الاحكام الواردة في المادة 92 بخصوص الاثبات شانها شان الاحكام الواردة في طائفة التشريعات المشار اليها اعلاه ، هي احكام خاصة ينحصر قبولها واعمال مفاعيلها على الحالات التي تطبق عليها هذه القوانين ولا تمتد الى نزاعات او دعاوى اخرى ، لانها احكام خاصة تقيد القواعد العامة في الاثبات بالنسبة لما تنظمه ، فالبيانات الالكترونية حجة في حقل دعاوى الاوراق المالية سندا لنص المادة 72/ج من قانون الاوراق المالية وذات القول يرد بالنسبة للدعاوى المصرفية لكن سندا لنص المادة 92 من مشروع قانون البنوك . وسنرى ان هذه الحقيقة تثير اشكالا هاما وكبيرا ، ذلك ان تحديد نطاق النزاع الذي تطبق فيه المادة المتضمنة لقاعدة خاصة ليس دائما امر سهل كما سنرى لدى بحث المشكلات العملية لتطبيق النصوص المتقدم الاشارة اليها .

اما عن الاحكام الجديدة المقررة في المادة 92 مدار البحث ، فهي الاعتراف بحجية البيانات الالكترونية او البيانات الصادرة عن اجهزة الحاسوب او مراسلات اجهزة التلكس ( م 92/ب) والاعتراف بحجية الميكروفيلم او الصور المصغرة عن البرقيات والاشعارات والمراسلات والسجلات والكشوف وحسم الجدل حول طبيعتها بانزالها منزلة الاصل لا باعتبارها صورة مستنسخة عن الاصل المدخل او المعالج بطريقة الميكروفيش . ( م 92 / ج ) ، وكذلك انزال البيانات المخزنة في نظم المعلومات منزلة الدفاتر التجارية والاعفاء من مسك الدفاتر والسجلات التجارية التقليدية ( م 92 /د ) ، واخيرا اعتبار اية علاقة مع البنك تجارية ليتحقق مبدأ جواز الاثبات فيها بكافة طرق الاثبات بما فيها الوسائل الالكترونية للاثبات . ( م 92/ هـ ) .

ويلاحظ ان الفقرة ب من المادة 92 ذكرت صراحة البيانات الالكترونية ، ومستخرجات الحاسوب ، ومراسلات التلكس ، لكنها لم تذكر الفاكس وتسجيلات الهاتف على خلاف قانون الاوراق المالية المشار اليه فيما تقدم ، وهو ما يثير التساؤل عن مدى اعتبار الفاكسات حجة في الدعاوى المصرفية ؟؟ وبالرجوع الى النص المذكور نجده قد قرر ابتداء جواز الاثبات في الدعاوى المصرفية بكافة طرق الاثبات واستخدم بعد هذا الحكم عبارة ( بما فيها … الخ ) وهو ما يدفع الى القول ان ما اورده النص ليس اكثر من امثلة مذكورة على سبيل المثال ، غير اننا نجد ان في هذه الصياغة القانونية ما يمكن ان يثير اشكالات حقيقية في الواقع العملي بشان تطبيق هذا الحكم ، ذلك ان نظامنا القانوني يقرر الحق في الاثبات بكافة طرق الاثبات في عدد من المنازعات ، كالتجارية والجزائية والعمالية ، ورغم ذلك فان احكام القضاء لم تتجه الى قبول الادلة التي تخرج عن نطاق البينات الستة المقررة في قانون البينات بسند من القول ان المقصود بكافة طرق الاثبات ، الطرق التي اقر بها القانون ونظمها واعترف لها بهذه الصفة وليس أي طريق لا يعرفه النظام القانوني ، ومن هنا مثلا لم يقبل القضاء في المنازعات التجارية الفاكس حجة في الاثبات في كل الحالات مع ان النزاعات التجارية جائز اثباتها بكاف طرق الاثبات ، وبالتالي وحسما لكل جدل كان يتعين ان يورد المشرع في المادة 92 الفاكس والتسجيلات الهاتفية على نحو ما اوردها في قانون الاوراق المالية . سيما وان الكمبيوتر ذاته يستخدم حاليا كجهاز مراسلات بل ان من المراسلات الصادرة عنه البريد الالكتروني والفاكس بالمعنى المعروف ، فرسالة الفاكس لم تعد حكرا على جهاز الفاكسميلي وترسل بواسطة برمجيات الفاكس المخزنة داخل نظم الكمبيوتر ،، فهل نعد مثل هذه المراسلات الصادرة عن الكمبيوتر حجة باعتبارها مستخرجات للحاسوب ام انها ليست كذلك لانها مروسة بعبارة ( رسالة فاكسميلي )) اذا ما سرنا على ما هو مستقر قضائيا من وجوب النص صراحة على البينة التي تعد مقبولة في الاثبات .

وقد تناولت لمادة 92 مدار البحث ولاول مرة في القانون الاردني حجية المصغرات الفلمية او ما يعرف بالميكروفيلم او الميكروفيش ، فقررت ان للبنوك الحق في ان تحتفظ بصورة مصغرة ( ميكروفيلم او غيرة من اجهزة التقنية الحديثة )) بدلا من اصل الدفاتر والسجلات والكشوفات والوثائق والمراسلات والبرقيات والاشعارات وغيرها من الاوراق المتصلة باعمالها المالية وتكون لهذه الصورة المصغرة حجية الاصل في الاثبات .

والمصغرات الفلمية باشكالها المختلفة تقوم على فكرة ادخال المحرر او الورقة الاصلية الى اجهزة تستنسخ عنها صورة وتخزنها بشكل مصغر او مضغوط يتيح استرجاعها واعادة طباعة نسخة عنها ، وتقنيا فان المخزن في الذاكرة اللاكترونية هو صورة عن الأصل والمستخرج من الجهاز التقني صورة عن الاصل ايضا ، وقد تم اللجوء مبكرا الى هذه الوسائل للخلاص من اطنان الاوراق المتجمعة لدى البنوك ، وتطورت فكرة إدخال صورة المستند الى أنماط جديدة من القراءة الضوئية باستخدام الماسحات الضوئية وبرمجيات ضغط الملفات والوثائق والنصوص .

ويتعين في هذا المقام تثبيت الحقائق التالية بشان هذا النص ، اولها ان النص من حيث الاصل

حسم الجدل حول ما اذا كانت الحجية في الاثبات لازمة لاصل المصغر الفلمي ام للمصغر الفلمي نفسه ، وذلك لجهة منح الحجية للمصغر الفلمي باعتباره حكما كالاصل ، لكن هذا لا يمنع ان يثار النزاع واقعا بشان صور المستندات المعالجة بهذه الطريقة ، وذلك بالنسبة لحالات انكار التوقيع او حالات التزوير او نحوه وفي كل ما يتطلب عمليات المضاهاة ، وهو ما كان يتعين معه اقرار صلاحية المصغر الفلمي للمضاهاة عند النزاع ، مع ان الاشكال يبقى قائما من حيث مدى صلاحية المصغر الفلمي لعمليات المضاهاة من الوجهة التقنية كما سنرى لدى التعرض للمشكلات العملية المتصلة بتطبيق النص . كما ان تقديم المصغر الفلمي كبينة يواجهه مشكلة تثبت القضاء من ان ما قدم له فعلا هو مستخرج من نظام المعالجة العائد للبنك وانه حقيقة مخزن فيه وهو ما قد يستدعي اصدار شهادة من البنك بذلك لنعود من جديد الى مشكلة وجوب ابراز هذه الشهادة من منظمها ، وكاننا استبدلنا اشكالات حفظ الاوراق باشكالات الشهود على صحة الحفظ وسلامته ، مع ان الاشكالات الاخيرة تظل اقل ضررا واعاقة من مشكلات حفظ الاوراق .

اما الحقيقة الثانية فهي ان قبول هذا الدليل منوط حقيقة بثقة القضاء به ، وهو ما كان يستوجب - شانه شان مستخرجات الحاسوب والبيانات الالكترونية - ان يترافق مع اعتماد معايير تقنية موحدة لدى سائر البنوك واعتماد مواصفات نظامية تعزز الثقة بامن نظم المعلومات وعدم امكان العبث ببياناتها وتحويرها ، وهذه المسالة كانت محل اهتمام النظم القانونية المقارنة ، اذ تلاقى اقرار حجية البيانات المحوسبة والمنقولة الكترونيا باعتماد معايير تقنية ونظامية اهمها اتاحة الاشراف والرقابة على سلامة النظم التقنية لدى البنوك وامنها من قبل جهات الاشراف ، وهذا موضوع متشعب ويثير مسائل عديدة نجد من المناسب تركه لدراسة تفصيلية مستقلة مكتفين بالقول ان احد اهم عوامل قبول أي دليل في الاثبات ثقة المتعاملين معه والقضاء بصحته وسلامته الى مدى يكفل عدم امكان العبث به او تحويره وهو ما يعرف بمبدا الموثوقية والصلاحية في الاحتجاج .

وتثير المادة 92 تساؤلا هاما حول مدى حق الخصوم في الدعاوى المصرفية تقديم بينات لها نفس الطبيعة التي قبلها القانون من البنك ، وبتدقيق النص نجد ان قبول البينات الالكترونية والتلكس ومستخرجات الحاسوب جاء مطلقا بحيث يتيح للاطراف في الدعاوى المصرفية الاحتجاج بها ، اما عن المصغرات الفلمية فان النص يشير الى حق البنك في الاحتفاظ بمثل هذه المصغرات مما يجعلها واقعا من البينات التي يستخدمها البنك فقط ما لم يطلبها الخصم عبر مؤسسة الزام الخصم بتقديم بينة تحت يده ، وهو ما يثير تساؤلا حول مدى ملائمة المواد المقررة في قانون البينات بهذا الشان للطبيعة التقنية للمصغرات الفلمية ؟؟

هذه جملة تساؤلات ولا يزال الكثير مما يقال بالنسبة لهذا النص المستحدث ، واستكمالا لهذه الدراسة فاننا سنتناول في دراسة قادمة المشكلات العملية لتطبيق نص المادة 92 من مشروع قانون البنوك كما سنعرض لما تثيره من مشكلات في حقل الاثبات الجنائي وتحديدا قواعد تفتيش نظم الحاسوب واتصال ذلك بالخصوصية والسرية المصرفية الى جانب البحث في المعايير المتطلبة لضمان موثوقية وصلاحية الادلة ذات الطبيعة الالكترونية .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه