أركان جريمـة الاختلاس في القانون الجزائري

0
: أركان جريمـة الاختلاس
يتطلب قيام جريمة الاختلاس للمال العام توافر أربعة أركان:
-         الركن الأول: الركن الشرعي.
-         الركن الثاني: الركن المادي: وهو فعل الاختلاس الذي يقع على المال بحوزة الجاني بسبب الوظيفة.
-         الركن الثالث: القصد الجنائي ( الركن المعنوي ) .
-         الركن الرابع: الركن المفترض ( الصفة الخاصة ) .


                                                                                                                                             
(1) الجرائم المضرة بالمصلحة العمومية ، د . رميس سام ، منشأة المعارف الاسكندرية.
(2)  نفس الرجع.



جريمة الاختلاس                                                                                          الصفحة 09               
المطلب الأول : الركن الشرعي :
و هو نص المادة 29 من القانون رقم 06-01 المتعلق بالوقاية من الفساد و مكافحته ، الناصة على يعاقب "يعاقب بالحبس من سنتين(02) الى عشر سنوات (10) و غرامة مالية من 200000 الى 1000000 دج كل موظف عمومي يختلس او يتلف أو يبدد أو يحتجز عمدا و بدون وجه حق أو يستعمل على نحو غير شرعي لصالحه أو لصالح شخص أو كيان أخر ، أية ممتلكات أو أموال أو أوراق مالية عمومية أو خاصة أو أي أشياء أخرى ذات قيمة عهد بها اليه بحكم وظائفه أو بسببها." (1)

المطلب الثاني:  الركن المادي:
يتحقق الركن المادي في جريمة الاختلاس بإتيان الجاني فعل الاختلاس الذي يقع على المال العام الذي بحوزته بسبب وظيفته و يمكن تفصيل الركن المادي في موضوع الاختلاس و فعل الاختلاس.

أ‌-    موضوع الاختلاس:
1- المقصود بالاختلاس:
             موضوع الاختلاس هو مال يحوزه الموظف حيازة ناقصة بحكم وظيفته ويشترط في المال موضوع الاختلاس أن يكون منقولا رغم ان المشرع لم يصرح بهذا الشرط لان هذا هو ما يتفق مع الحكمة من تجريم اختلاس الأموال التي يحوزها الموظف بسبب وظيفته و هي المحافظة على مابين يديهم من أموال، وتلك الحكمة لا تتحقق الا بالنسبة للأموال المنقولة اما العقارات فلها في ثباتها الحماية الكافية و المنقول هو كل شئ مادي يمكن نقله من مكان إلى أخر و لو أدى النقل إلى إتلافه ولا أهمية للشخص مالك الأعمال الذي تقع عليه جريمة الاختلاس فالمال موضوع جريمة الاختلاس هو مال عام و خاص متى وجد في حيازة الموظف بسبب وظيفته ،

                                                                                                                                             
(1) القانون رقم 06-01 المتعلق بالوقاية من الفساد و مكافحته.


جريمة الاختلاس                                                                                          الصفحة 10               

               و هذا ما يتفق مع علة تجريم الاختلاس التي لا تقتصر على حماية الأموال العامة و إنما تشمل كذلك حماية الثقة في الدولة متمثلة في شخص موظفيها المنوط لهم بمقتضى  وظائفهم تسلم المال من الأفراد و لا شك في انه مما يخل بهذه الثقة أن يستولي الموظف على مال تسلمه من مالكه بحكم وظيفته، و اذا وقع اختلاس المال المملوك للأفراد فلا أهمية لمعرفة مالك المال فقد يكون مجهولا ان علة التجريم ليست حماية ملكية الفرد لحاله فهذه الحماية تضمنها نصوص اخرى في قانون العقوبات و إنما المحافظة على المال الذي يوجد بين يدي الموظف لحكم وظيفته ضمانا لثقة الافراد في الدولة. (1)
2- حيازة الموظف للمال العام بسبب وظيفته:
             إن حيازة الموظف العام للمال العام حيازة ناقصة تسمح له بالسيطرة عليه دون ان يكون مالك عليه فالموظف يحوز المال باسم الدولة و لحسابها و يلتزم لرد هذا المال أو استعماله او التصرف فيه على الأوجه التي يحددها القانون و تضل للموظف الحيازة الناقصة و لو ثقل المال الذي يحوزه خلافا للقانون إلى مكان أخر لنقله الى منزله مثلا، و اعتباره حيازة للموظف للمال حيازة ناقصة يترتب عليه ان جريمة الاختلاس لا تقوم اذا استلم الموظف المال على سبيل حيازة كاملة، كما لو تصرف في جزء من مرتبه او مكافأته لذلك، لاقيام بجريمة الاختلاس اذا كانت يد الموظف على المال يد عارضة، بان قد تسلمه و كلف بنقله من مكان إلى أخر و من باب أولى يوجد لجريمة الاختلاس اذا لم تكن هناك حيازة المال من قبل الموظف اذا الاختلاس لا يقع الا ممن يحوز المال وقت ارتكاب الجريمة.
ولا يكفي ان يكون الموظف حائزا للمال حيازة ناقصة بل يتعين لقيام جريمة الاختلاس ان يكون وجود المال في حيازته بسبب الوظيفة أي ان تتوافر صلة سببية بين اكتساب حيازة المال و ممارسة الاختصاصات المخولة للموظف بناءا على القانون.(2)
        
                                                                                                                                             



 

(1) الجرائم المضرة بالمصلحة العامة ، د . رمسيس لهنام المكتبة القانونية.
(2) نفس المرجع.


جريمة الاختلاس                                                                                          الصفحة 11               
         كما يعتبر المال في حيازة الموظف بسبب الوظيفة اذا وجد بين يديه بمقتضى وظيفته بان كان من خصائص هذه الوظيفة ان تجعل في متناول يده و تطبيقا لذلك يرتكب جريمة الاختلاس رجال الضبط القضائي الذي يضبط أثناء تفتيشه لشخص المتهم او منزله أشياء ثم يستولي عليها لنفسه او يستبقي منها، فالقانون لا يتطلب سوى أن تكون الوظيفة هي سبب حيازة الموظف للمال أي أن الموظف قد اعتمد على حيازته للمال على سلطة وظيفته سواء وافق سلوكه الوظيفة او خانها.
وتتوافر رابطة السببية بين حيازة المال و الوظيفة أيا كان مصدر اختصاص الموظف
بحيازة المال فيستوي أن يكون تحويل هذا الاختصاص بمقتضى قانون او لائحة او قرار إداري أو أمر لرئيس إداري أو أن يكون توزيع العمل في الدارة قد اقتضى إسناد حيازة المال  إلى الموظف بل انه لا يلزم أن يكون وجود المال في حيازة الموظف من الأمور التي تقتضيها وظيفته الأصلية و دائما يكفي إن يكون منتدبا بصفة مؤقتة لعمل يخوله حيازة المال سواء كان تكليفه بهذا العمل مكتوبا أو شفويا.
       وإذا وجد المال في حيازة الموظف بسبب الوظيفة فلا أهمية بعد ذلك اذا كان قد قيد بهذا المال بدفاتره ام لم يقيده ، تسلمه بإيصال عرفي او بدونه فالأموال التي تسلم لامين الخزينة لتوريدها الى خزانة الدولة سداد لرسوم او ضرائب مقررة تقوم باختلاسها الجريمة و لو كان الأمين قد تسلمها بمقتضى إيصال عرفي او دون ان تعطي عنها إيصالات مطلقا لأصحاب الشأن و تكون الحيازة بسبب الوظيفة و لو لم يكن الموظف قد ادخل بعض المال الذي تسلمه في الخزينة العامة او في المكان المخصص لحفظه و تخزينه.
      فاذا انتقلت رابطة السببية بين الوظيفة ووجود المال في حيازة الموظف بان كان المال قد دخل في حيازته بمناسبة الوظيفة و ليس سببها فلا تقوم في حقه جريمة الاختلاس و لا ينطبق على فعله نفس المادة 29 من القانون رقم 06-01 المتعلق بالوقاية من الفساد و مكافحته و انما يكون قد ارتكب جريمة خيانة الامانة او جريمة الاستلاء بدون وجه الحق على المال العام اذا توفرت اركانها، ويتحقق هذا حين لا يكون عن اعمال وظيفة المتهم ان يتسلم المال العام الذي وصل الى حيازته اما لأنه تطاول ومد يده الى مال في حيازة موظف اخر غيره بدون ان يكون له الحق في هذه

جريمة الاختلاس                                                                                          الصفحة 12               

الحيازة أي نصيب من الاختصاص و اما لان صاحب الشان ائتمن المتهم فيها ليس من اختصاصه ان يكون امينا عليه فسلم له المال بناءا على ثقة شخصية وضعها فيه و تطبيقا لذلك لا ترتكب جريمة الاختلاس المنصوص عليها في المادة 29 ( ق و ف م) (1) مثل موظف الشهر العقاري الذي يأتمنه على ثمن المشتري على المبيع ليحفظه لديه الى حين دفعه للبائع بعد التوقيع على عقد البيع ولا يرتكبها مأمور الضرائب الغير متخصص الذي يتسلم الممول مبالغ الضريبة على سبيل الوديعة ليخفضه له لحين حلول موعد سداد الضريبة.
        ففي هذه الأحوال لا تكون حيازة المال بسبب الوظيفة، وانما مناسبة الوظيفة فحسب فلا يطبق نص الاختلاس.

ب‌-                      فعل الاختلاس:
      يتحقق الركن المادي لجريمة الاختلاس باضافة الجاني المال الذي يحوزه بسبب الوظيفة الى ملكه الخاص و تصرفه فيه تصرف المالك، ولا يختلف مدلول الاختلاس في هذه الجريمة عن مدلوله في جريمة خيانة الامانة فجوهر الاختلاس هو تغيير لنية المتهم الذي يترتب عليه تغير لصفة الحيازة التي يحولها المتهم من حيازة ناقصة الى حيازة كاملة تخوله حق التصرف في المال تصرف المالك في ملكه، لكن الاختلاس لا يقوم بمجرد تغير النية لان ذلك عمل نفسي بحث يستحيل القطع بوجوده وانما لا بد من توفر ماديات تسانده و يستدل منها على نية الحائز تغير صفته على المال، وقد عرفت محكمة النقض المصرية الاختلاس على هذا النوع "الاختلاس هو قيام الجاني بتصرف في المال الذي بعهدته على اعتبار انه مملوك له، وهو معنى مركب من فعل عادي وهو التصرف في المال ومن فعل قبلي يقترن به وهو نية إضاعة المال على ربه".(1)
                                                                                                                                             


 

(1)     د . محمد زكي أبو عامر – قانون جنائي- قسم خاص.





جريمة الاختلاس                                                                                          الصفحة 13               
       و على ذلك يتحقق الركن المادي لجريمة الاختلاس إذا أضاف الجاني المال المملوك للغير الى ملكه مع اتجاه نيته إلى اعتباره مملوكا له ويستدل على هذه النية بأي فعل يفيد توافرها مثال الأفعال الكاشفة عن تغير نية الموظف تجاه المال لان يعرضه للبيع أو الرهن مدعيا انه مالكه او إن يبيعه او يرهنه فعلا أو أن يسحب الموظف المال الذي في عهدته من الخزانة و يودعه باسمه في احد المصاريف و يدعى انه لم يستلم المال أو ينقله إلى مسكنه أو مسكن احد أقاربه، ثم ينكر انه فعل ذلك حينما يطالب بالرد، أو يدعي هلاكه أو سرقته إلى غير ذلك من الأفعال الكاشفة من انعقاد نية الموظف على تحويل حيازته الناقصة إلى حيازة كاملة و يدخل في إعداد هذه الأفعال تبديد الموظف الشئ الذي في عهدته فالتبديد ينطوي بالضرورة على الاختلاس لان التصرف لا يباح إلا للمالك أو من يعمل باسمه، و على ذلك اذا انفق الموظف النقود التي في عهدته في شؤونه الخاصة او اقرضها أو باع أثاث مكتبه او وهبه فهو مختلس ولا يشترط لاعتبار الفعل الصادر من الموظف محققا للاختلاس خروج المال الذي تصرف فيه بالفعل من حيازته، بل تقوم الجريمة بهذا التصرف و لو كان المال لا يزال موجودا في المكان المعد لحفظه اصلا، لذلك تقوم جريمة الاختلاس في حق امين المستودع اذا قام ببيع الاشياء المودعة به الى شخص و تسلم جزءا من ثمن البيع، ثم الاشياء المبيعة قبل اتمام نقلها من المستودع.
       و لا يحول دون قيام جريمة الاختلاس احتجاج الموظف بان له في ذمة الدولة مالا و انه يدفع بالمقابل بين حقه و ما اختلسه عن نفسه بوجود مرتب له مستحق قبل الدولة او الجهة التي يعمل بها و لو كان هذا المرتب وقت الاختلاس يزيد عن ثمن قطعة الاثاث.
       كما لا يجوز الدفع في ذمة الشخص الذي سلمه المال لحساب الدولة دينا محقق الوجود وانه استولى على المال سدادا لهذا الدين لكن تنتهي جريمة الاختلاس في حق الموظف الذي كلفته الدولة او الجهة التي يعمل بها بتسليم نقود لأحد الأشخاص إذا احتفظ بهذه النقود استفاد لدين له في ذمة هذا الشخص، بشرط ان يكون الدين حلا و غير متنازع فيهو ليس بشرط لقيام الجريمة ان يترتب عليه ضرر فعلي للدولة او غيرها لان القانون لا يتطلب ان تتحقق النتيجة الإجرامية من الاختلاس و تطبيقا لذلك لا تنفى


جريمة الاختلاس                                                                                          الصفحة 14  
الجريمة برد مقابل المال المختلس بعد تمام الاختلاس و لو حصل الرد بمبادرة من الفاعل نفسه دون ان يطالب بذلك فالقاعدة انه اذا توافرت اركان الجريمة قامت المسؤولية و استحق العقاب.
       كما ان المبادرة برد المال دون المطالبة أو فور المطالبة او مجرد ظهور العجز في عهدة الموظف قد ينهض قرينة على انتفاء القصد الجنائي لديه و عدم وجود نية الاختلاس على الإطلاق و مع ذلك توجد حالات لا تتحقق فيها جريمة الاختلاس في حق الموظف و يحدث ذلك في الحالات التي لا يكشف فيها سلوك الجاني بصورة قاطعة عن إرادة تغيير الحيازة الناقصة الى حيازة كاملة لذلك فمن المتفق عليه ان وجود نقص في عهدة الموظف او عجز في حساباته لا يعد بالضرورة اختلاسا الا اذا استطاع القاضي القطع بان هذا العجز يكشف عن وجود النية السابقة لإضاعة المال عن ملكه كما يعد اختلاسا لضرورة تأخر الموظف في رد ما لديه من أموال في الموعد المقرر او حتى عدم قدرته على هذا الرد، فوجود النقص في عهدت الموظف قد لا يكون راجعا الى فعله و إنما الى قوة او حادث فجائي ترتب عليه هلاك الشئ الذي اختفى، مثال ذلك حريق شب في المستودع فأتى على بعض ما فيه و اتلفت محتوياته و وجود عجز في حسابات موظف او تأخره في رد ما في ذمته من أموال رغم مطالبته به قد يرجع الى إهماله او تكاسله او اضطراب او خطا في حساباته او إلى فعل الخير، فإذا لم يستطع القاضي إثبات وجود النية السابقة على سلوك الموظف وجب تفسير الشك لمصلحة المتهم و القول بعدم وقوع الاختلاس.(1)
      وأخيرا لا يعد اختلاسا ما جرى عليه العرف من استهلاك الموظفين لأغراض خاصة مثل كمية متسامح فيها عن أوراق الكتابة او الاضرفة او غير ذلك من الاشياء الموضوعة تحت تصرفهم لاستعمالها للأغراض المتعلقة ،لكن تتحقق جريمة الاختلاس اذا قام الموظف بنقل كميات كبيرة من هذه الأدوات الى خارج المكتب و تصرف فيها بالبيع او الهبة او احتفظ بها لنفسه في منزله و تقوم الجريمة في هذه الصورة سواء كان الموظف امينا على المستودع الذي اختلس منه هذه الأشياء  او كانت قد سلمت اليه لاستعمالها خلال مدة معينة ورد ما يتبقى لديه منها في نهاية تلك المدة.
 

 د . عبدالله سليمان- دروس شرح قانون العقوبات الجزائري ، قسم خاص.
جريمة الاختلاس                                                                                          الصفحة 15               
المطلب الثالــث:القصد الجنــائي( الركن المعنوي):
       جريمة اختلاس الأموال الموجودة في حيازة الموظف بسبب الوظيفة جريمة عمدية يتخذ ركنها المعنوي صورة القصد الجنائي ومن ثمة لا تقوم هذه الجريمة بإثبات الإهمال أو التقصير الذي ترتب عليه إضاعة المال على الدولة فاذا هلك المال او سرق او تلف نتيجة تقصير الموظف في الحفاظ عليه فلا تنسب إليه جريمة الاختلاس و ان أمكن عقابه عن جريمة الإضرار غير ألعمدي للأموال و المصالح كما توافرت كافة أركانها كما سنرى و القصد المتطلب في جريمة الاختلاس ليس هو القصد العام بل ينبغي لقيام هذه الجريمة توافر القصد الخاص لدى المتهم.(1)

اولا: القصد العام:
       يتحقق القصد العام بعلم الجاني لعناصر الجريمة و إرادته في تحقيق هذه العناصر و العلم بعناصر الجريمة يتطلب انصراف علم المتهم الى ان المال في حيازته الناقصة بسبب وظيفته و ان القانون لا يجيز له التصرف فيه على النحو الذي فعله و انتفاء العلم باي عنصر من هذه العناصر ينفي القصد الجنائي لدى المتهم مثال ان يجهل المتهم ان المال في حيازته ناقصا كما لو اعتقد ان النقود التي اخذها هي جزء من مرتبه كان قد وضعها مع النقود التي يحوزها لحساب الدولة في خزينة واحدة و قد يعتقد المتهم ان المال الموجود في حيازته لا علاقة له بالوظيفة كما لو اعتقد على غير حقيقة صاحب المال  قد سلمه له باعتباره وديعة خاصة او على سبيل القرض او سداد للدين له في ذمته، و ليس وفاء ما هو مستحق عليه لخزينة الدولة، وقد يجهل المتهم ان القانون لا يجيز التصرف في المال الذي يحوزه بسبب الوظيفة على النحو الذي فعله و يعتقد على غير الحقيقة ان من حقه هذا التصرف ظنا منه ان القانون يرخص له بذلك او بناء على امر رئيس تجب عليه طاعته او يعتقد انها واجبة عليه، ففي جميع هذه الحالات ينتفي القصد و لا تقوم جريمة الاختلاس و يتطلب القصد العام بالإضافة الى العلم اتجاه ارادة المتهم الى فعل الاختلاس الذي يحقق ماديات الجريمة أي التصرف في المال الموجود في حيازته الناقصة بسبب الوظيفة تصرف المالك.(2)
                                                                                                                                             
(1) د . عبدالله سليمان- دروس شرح قانون العقوبات الجزائري ، قسم خاص.
(2) نفس الرجع.
جريمة الاختلاس                                                                                          الصفحة 16               
ثانيا: القصد الخاص:
        لا يكفي العلم و الارادة لقيام الجريمة كما يذهب اليه الغالب في الفقه المصري أي الاكتفاء بالقصد العام لقيام جريمة الاختلاس و انما يلزم توفر القصد الخاص الذي يتمثل في تملك المال المختلس أي نية المتهم انكار حق الدولة على المال و نيته ان يمارس عليه جميع سلطات الملك و ترتيبا على ذلك لا ترتكب جريمة الاختلاس، الموظف الذي تتجه نيته الى مجرد استعمال المال المملوك للدولة دون ان تتوفر لديه نية التملك مثال ذلك من يستخدم سيارة حكومية في أغراض خاصة متحملا نفقات الوقود اللازم كذلك لا يرتكب جريمة اختلاس الموظف الذي يعمل في صيانة المال العام بقصد تعريضه للهلاك و إضاعته على الدولة فلا تتوفر لديه نية التملك لكن لا ينفي القصد الخاص اذا توافرت نية تملك المال المختلس ان تكون لدى الجاني نية رد المال فيها بعد او بنية تعويض الدولة عن كامل ما أصابها من ضرر نتيجة عمله بل ان رد الشئ المختلس بالفعل بقيمته بعد التصرف فيه لا ينفي القصد الجنائي، ومن باب اولي لا ينفي القصد لتقرير الموظف اقرار يتعهد فيه بالرد لذلك حكم بان مبادرة المتهم بسداد العجز لا ينفي وقوع الاختلاس.
كما لا ينفي القصد الخاص اذا توفرت فيه التملك تعلق الجاني رد المال المختلس على شرط معين مثل حصوله على علاوة او ترقية او تنازل للجهة التي يعمل بها عن حق واجب لما عليه.
و الحقيقة ان القصد الجنائي يندمج ضمن فعل الاختلاس، لان فعل الاختلاس ليس ماديا فقط و انما هو مركب من فعل مادي و نية في اضاعة المال على مالكه و اضافته الى ملك الجاني، و على ذلك  فاذا كان الاختلاس يعني تصرف الموظف في المال على اعتبار انه مالك له فان مؤدي ذلك بالضرورة انعقاد نيته على المال و تغيير حيازته بالناقصة الى كاملة.
و اذا توافر القصد الجنائي فلا عبرة بالبواعث على الاختلاس فيستوي ان يكون الباعث على الاختلاس شريفا مثل قضاء حاجة ملحة او مواجهة ظرف طارئ تعرض له الموظف او كون مرتبه ضئيلا لا يكفي تكاليف الحياة الضئيلة ولا يؤثر في قيام الجريمة الباعث الشريف المتمثل في التبرع بالمال لإقامة مشروع خيري، او إنفاقه في مساعدة


جريمة الاختلاس                                                                                          الصفحة 17               
الفقراء و المحتاجين او توزيعه على محدودي الدخل و الموزعين او ان يكون الباعث وضيعا مثل الرغبة في الإثراء بغير سبب مشروع على حساب الدولة، او الرغبة في الانتقام من الدولة او غير ذلك من البواعث.
ولا ينفي القصد الجنائي لدى الموظف إطاعته لأمر الرئيس او تصريحه بالتصرف على نحو لايقرره القانون المنظم لكيفية التصرف فيه فليس على المرؤوس ان يطيع الأمر الصادر له من الرئيس لارتكاب فعل يعلم ان القانون يعاقب عليه ما لم توجد قاعدة قانونية تخول للرئيس سلطة اصدار الاوامر بالتصرف في المال الموجود في حيازة الموظف.
ففي هذه الحالة تمتنع مساءلة المرؤوس الذي ينفذ امر الرئيس متى كانت تلزم طاعته او اعتقد بناء على اسباب معقولة ان طاعته واجبة عليه.
ويخضع اثبات القصد الجنائي للقواعد العامة للإثبات، وقد توجد أمرات تدل على توفر القصد مثل فرار المتهم عقب الاختلاس او اختفاءه او التزوير في دفاتره و اوراقه لإخفاء اثار الاختلاس.

المطلب الرابع: الركن المفترض (المادة 29 ق و ف م)
         تفترض جريمة الاختلاس كون الجاني موظفا اما وفقا لنص (المادة 29 ق و ف م) بحكم وظيفته بحيازة المال موضوع الاختلاس و قد فصلنا من قبل مفهوم الموظف العام، و راينا ان المشرع قد توسع في تعريف الموظف العام بحيث شمل كل موظف او ضابط عمومي يختلس مالا تحت يديه متى كان المال المختلس مسلما اليه بسبب وظيفته.
اما اختصاص الموظف بحيازة المال فهو عنصر مكمل للصفة الخاصة التي يتطلب القانون توافرها لإمكان قيام جريمة الاختلاس، و يعني ان الصفة الوظيفية التي أتاحت للموظف حيازة المال فقد يكون مكلفا بجبايته باسم الدولة ولحسابها، او بالاستيلاء عليه عنوة باسمها و لحسابها او بمجرد حراسته و المحافظة عليه و انفاقه و التصرف فيه في اوجه معينة، و ليس باللزوم ان تكون حيازة المال لحساب الدولة هي الاختصاص الاصلي للموظف بل يكفي ان يكون ذلك احد الاختصاصات المرتبطة بوظيفته و لو كان اقلها شانا ولا يشترط لثبوت اختصاص الموظف بحيازة الما ل ان يكون المال بين يدي


جريمة الاختلاس                                                                                          الصفحة 18               
الموظف المختلس و انما يكفي من اختصاص وظيفته و وصول يديه اى المال فيكون بالتالي مختصا بهذه الحيازة، لكن يكفي لتوفر اختصاص الموظف و حيازة المال بمجرد استطاعته ماديا الى الدخول حيث يوجد المال اذ لم تكن له صفة قانونية في حيازة هذا المال، و تطبيقا لذلك لا يعد مختصا وظيفيا لحيازة المال، فالمرؤوس الذي يستطيع الدخول دون قيد الى غرفة رئيسه التي يوجد فيها المال لا يعد باستيلائه على هذا المال مرتكبا لجريمة الاختلاس لانتقاء الصلة المباشرة بين وظيفة الموظف و حيازة المال كما لا يرتكب جريمة الاختلاس الموظف العام الذي لا شان له بحيازة اموال لحساب الدولة،و لكن يسرت له وظيفته وقوع المال المملوك متناول يديه كما لو تدخل في أعمال الموظفين المختصين بتلك الحيازة و أقحم نفسه فيها هو خارج عن نطاق وظيفته، و يامن هؤلاء الموظفون و تغاضيهم عنه فمثل هذا التدخل لا يمكن ان يضفي عليه الاختصاص بحيازة المال فان استولى على ما حازه من مملوك للدولة بهذه الطريقة فان نص الاختلاس لا يطبق.
          خلاصة الركن الرابع من جريمة الاختلاس انه لا ينبغي ان تتوفر صفة خاصة في الجاني و تكون متوافرة اذا كان موظفا عاما في مفهوم المادة (29 ق و ف م) ويعني ذلك ان جريمة الاختلاس لا تقوم اذا انتفت عن المتهم صفة الموظف العام مطلقا او كان موظفا عاما لكنه لا يختص بحيازة المال الذي استولى عليه في الحالة الأولى قد نعد الفعل خيانة أمانة أو سرقة او نصب، و في الحالة الثانية قد تتوفر جريمة أخرى من جرائم العدوان على المال العام، مثل جريمة الاستيلاء بغير حق على المال العام التي يتطلب القانون اختصاص الموظف بحيازة المال.
وإذا دفع المتهم بانتفاء صفة الموظف العام عنه أو زوال اختصاصه بحيازة المال قبل إتيانه الفعل المنسوب إليه أو أن صفته لم تثبت إلا في تاريخ لاحق على هذا الفعل وجب تحقيق هذا الدفع الجوهري فإذا اغفل الحكم تحقيقه و الرد عليه كان قاصرا فقيام الجريمة يتطلب توافر الصفة الوظيفية في الجاني وقت ارتكابه فعل الاختلاس و أن هذه الصفة لم تزل عنه لأي سبب من الأسباب مثل العزل أو الطرد من الخدمة أو غير ذلك، لكن مجرد وقف الموظف عن عمله لفترة أو حصوله على إجازة خاصة لا ينفي عنه


جريمة الاختلاس                                                                                          الصفحة 19               
صفة الموظف العام، و كذلك فان استمرار المتهم في مباشرة أعماله الوظيفية من الناحية العملية.
     بعد انتهاء علاقاته القانونية للوظيفة لا يضفي عليه صفة الموظف العام المختص بحيازة المال العام، و لو كان لا يزال بحوزته فعلا ما لم يثبت انه كلف رغم انتهاء علاقته بالوظيفة بالاستمرار في العمل ممن يملك هذا التكليف إذا في هذه الحالة يكون موظفا في مفهوم المادة 29 ق و ف م. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه