الشروط الخاصـة بالخاضع للرقابـة في القانون الجزائري

0

الشروط الخاصـة بالخاضع للرقابـة :

        بالرجوع دائمـا إلى نص المادة 134 من القانون المدني نجدها تتضمن كذلك الشروط الخاصة بالخاضع للرقابـة ، ومن هذا المنطلق ذكرت حالات يكون فيها هذا الشخص بحاجة إلى الرقابـة سواء كان مميزا أو غير مميز ، وهي أن يكون قاصرا ، أو أن  تكون بـه عاهـة عقليـة أو عاهـة جسميـة .

        إضافـة إلى هذه الحالـة فإن النص يشترط أن يصدر من هذا الشخص الخاضع للرقابـة فعلا ضارا بالغير يستوجب مسؤوليـة  متولي الرقابـة عليه ، ولذلك سوف نفصل حاجة الشخص إلى رقابـة في الفرع الأول وصدور فعل ضار في الفرع الثاني

 

 

        الفرع الأول : حاجـة الشخص إلى رقابـة

         لقد نصت المادة 134 من ق .م بصريح العبارة (( رقابـة شخص في حاجة إلى الرقابة))

لكن هذه الرقابـة مناطها أو مصدرها أو سببها أو الحالـة التي يكون عليها هذا الشخص إما بسبب قصره أو حالته العقليـة أو الجسميـة .

        وتجدر الإشارة إلى القانون المدني المصري أوجب كذلك الرقابـة بسبب القصر وكذا الحالـة العقلية والجسميـة،وأما فيما عدا ذلك من ذلك من أسباب فلا تقوم المسؤوليـة عن الغير ، وتطبيقا لذلك فلا مسؤولية على السجان عن خطأ المسجون مثلا [1] كما قضى به القضاء المصري وهذا الحكم يسري في القانون الجزائري سيما وأن الأحكام واحدة بيننا .

        وهنا نصل إلى نقطـة هامـة مفادها أن المادة لم تحدد الأشخاص الذين تقتضي ظروفهم هذه الرقابـة ، وإنما ربطتها بحالات محددة سواء بعد التعديل أو قبلـه والتي وهو ما سنتناوله بالتحليل فيما يلــي :

        البند الأول : بسبب القصــر

        القاصر في نظر القانون المدني الجزائري هو ذلك الشخص الذي لم يصل إلى سن التاسعة عشر من عمرة إستناذا إلى نص المادة 40/2 منه التي تنص على (( أن سن الرشد تسعة عسر سنـة كاملـة ))

        وهو مادام لم يبلغ سن الرشد بعد فيبقى تحت رقابـة القائم بها ، والرقابـة في الأصل تقوم على القاصر فإذا بلغ سن الرشد إنحلت عليه إلا إذا وجد مايدعو لبسط الرقابـة عليه وهو بالغ [2].

        وفي هذا المقام يجب التمييز بين مرحلتين في فترة القصر: القاصر غير المميز والقاصر المميز .

        أولا/ القاصر غير المميز : وهي الحالـة أو السن التي تكون أقل من 13 سنـة إستنا ذا إلى التعديل الجديد لنص المادة 42/2 (( يعتبر غير مميز من لم يبلغ ثلاث عشر سنة )) بعدما كان النص القديم يجعل سن التمييز ستـة عشر سنـة .

        في خضم هذه الفترة وأثناء هذه المرحلـة يكون هذا القاصر فعلا بحاجـة إلى رقابـة كما يؤكد على ذلك أغلب الفقهاء إذ أن الحاجـة إلى الرقابـة بالنسبـة للقاصر غير المميز واضحـة ولاأحد ينازع في ذلك ، كما أن مسؤوليته الشخصيـة مستبعدة تماما ، وذلك لإستحالـة وقوع خطأ من جانبه ، لأن الخطأ يقتضي التمييز لدى مرتكبه إلا أنه في هذه الحالـة الأمر يعني الشخص القاصر غير المميز بسبب صغر سنـه[3] .

        وتجدر الإشارة إلى أن النص الأول للمادة 134 قبل التعديل يشير إلى مسؤوليـة متولي الرقابـة وجبر الضرر الناتج عن فعل القاصر حتى ولو كان غير مميز بنصها على مايلـي (( يكون ملزما بتعويض الضرر الذي يحدثـه ذلك الشخص للغير بعملـه الضار،ويترتب هذا الإلتزام ولو كان من وقع منه العمل الضار غير مميز ))غير أن هذه العبارة الأخيرة سقطت من هذا النص الجديد المعدل  .

        إلا أن الأمر هنا يختلف بالرجوع إلى القوانين المقارنـة ومنها القانون السوري ، فنجد أنه تناول القاصر وعرفـه بموجب المادة 162 من قانون الأحوال الشخصيـة بقولهـا (( من لم يبلغ سن الرشد وهي ثماني عشرة سنـة كاملـة )) وعلى الرغم من ذلك فليس كل قاصر بحاجـة إلى الرقابـة ، فقد حددت الفقرة الثانية من المادة 174 من القانون المدني السوري أن القاصر يكون بحاجـة إلىالرقابـة إذا مابلغ سن الخامسـة عشر والتي نصت على مايلي (( .. ويعتبر القاصر في حاجـة إلى الرقابـة إذا لم يبلغ خمس عشرة سنـة ، أو (( بلغها وكان في كنف القائم على تربيته[4] .

        كما أننا نجد نفس الحكم بالنسبـة للقانون المصري ، إذ إعتبر القاصر دون سن الخامسة عشر والتي هي سن بلوغ الحلم في الشريـعة الإسلاميـة بحاجـة إلى الرقابـة على إطلاقها [5] ويكون عادة حتى بلوغ هذه السن في كنف من يقوم بتربيته والذين يقومون بتربيته هو أولا الأب إن وجد ، فهو الولـي الشرعي على النفس، وهو المكلف قانونا بالرقابة على ولده القاصر فإذا لم يوجد الأب تولى القائم على تربيته ولو بطريق الإتفاق الضمني من ولي النفس إلى الأم[6] .

        وهو نفس الشيء في القانون المدني الجزائري ، إذ أن الرقابة القانونيـة على القاصر والتي مناطها الولايـة ينبغي أن نبحث فيها طبقا للشريعـة الإسلاميـة .

        وهنا وفقا لنص المادة 134  من القانون المدني والتي تنص على أن المبدأ العام في تولي الرقابـة القانونية وكذا المادة 135 قبل إلغائها، و التي تربط الرقابـة القانونيـة بالأب فإن الرقابـة على القاصر يناط بها من لـه الولايـة على نفس القاصر .

        والولايـة على النفس في الشريعـة الإسلاميـة منوطـة بالعصبـة من الذكور فتكون الولايـة للأب ثم لوصيـه ثم للجد ثم لوصيـه ، وإذا لم بوجد أحد من العصيـة الذكور من أصول وفروع عين القاضي وصيـا للقاصر ، ولاتنتقل الولايـة على النفس قانونا للأم ، وأنه للتوفيق بين النصين ولمنع التعارض القول بأن الرقابـة على القاصر تكون لأبيه ، ومن بعد وفاته الأم طبقا لنص المادة 135 ، وإذا لم يوجد للقاصر أب أو أم ننتقل إلى تطبيق حكم المادة 134 ويكون وليه على النفس هو الرقيب ، وإذا لم بوجد ولي على النفس أو وصي تكون الرقابـة عليه إتفاقية[7].

        ثانيا : القاصر المميز :

        إنه بالرجوع إلى التعديل الجديد لنص المادة 42 نجدها نصت على أنه "  يعتبر غير مميز من لم يبلغ ثلاث عشر سنـة" إذا فبمفهوم المخالفـة فإبتداء من سن الثالثةعشر  سنـة إلى غايـة سن التاسعة عشر سنـة وفقا لنص المادة 40 من القانون المدني وهو سن الرشد، فإن القاصر في هذه المرحلـة يصير مميزا .

        وعندما يكون القاصر مميزا ، فهو ليس بحاجـة إلى رقابـة بقدر مايكون  بحاجـة إليها في سن مبكرة جدا لكونه لازال بحاجة إلى رعايـة وتوجيه ..

        وقبل بلوغ سن التاسعة عشريكون متولي الرقابـة مسؤولا عن جبر الأضرار التي يحدثها الأولاد القصر بمفهوم المادة 134 ، وكذا بمفهوم المادة 135 قبل إلغائها ، لاسيما إذا ماتوافر شرط المساكنـة للأولاد والوالديـن ، إلا أن الفقهاء أكد معظمهم بأن الصبي غير المميز أو القاصر لصغر في السن يبقى متولـي الرقابـة هو المسؤول دائما عن جبر الضرر الذي يلحقـه بالغير .

        في حين أن القاصر المميز يجعلـه القانون مسؤولا شخصيـا طبقا لأحكام المادة 125 من القانون المدنـي الجزائري والتي تنص في فقرتها الأولى قبل التعديل على مايلـي (( يكون فاقد الأهليـة مسؤولا عن أعمالــه الضارة متى صدرت منه وهو مميز )) والتي أضحت بعد التعديل الجديد (( لايسأل المتسبب في الضرر الذي يحدثه بفعلـه أو إمتناعه وبإهمال منه أو عدم حيطـة إلا إذا كان مميزا )) .

        ولقد إختلف الفقهاء فيما يخص هذه المادة فمنهم من يرى أنه لاتنشأ مسؤولية متولي الرقابـة أو المسؤوليـة عن فعل الغير إلا إذا كان القاصر غير مميز ، كما ذهب إلى ذلك الأستاذ تركي بقولـه La seule manière de sortir de ce dilemme, consisté pour l'instant à admettre que la résponsabilité générale du fait d'autrui n'est susceptible d'etre appliquée abstraction faite de l'handicapé physique que l'incapable a agit sans discernement ))  [8]    

        وذهب البعض الأخر وعلى رأسهم الأستاذ علي علي سليمان إلى عكس الرأي السابق بقولـه (( تساءل الدكتور تركي قائلا كيف يطالب المضرور القاصر المميز عن طريق المسؤوليـة الشخصيـة ويترك الرقيب مسؤةليته المفترضة ؟  مضيفا أن الرقيب لايسأل إلا إذا أثبت القاصر المميز قد إرتكب فعلا ضارا ، أي أنه لابد من إثبات مسؤوليـة القاصر المميز أولا حتى يرجع المضرور على الرقيب ، لأن الأول هو المسؤول الأصلـي والثاني مسؤول مسؤوليـة تبعيـة [9].

        ويضيف A.VIALARD [10]في هذا الشأن بأن الضحية يستفيد من المسؤوليـن الإثنين معـا بقولـه ((Lorsque la personne surveillée est douée de discernement la victime profite d'un cumul de résponsabilité , par combinaison de l'article 125/1, et de l'article 134 CCA )) أي بمعنى أن القاصر المميز يكون مسؤولا مسؤوليـة شخصيـة على أساس المادة 125/1  (( قبل التعديل دائما )) من القانون المدني الجزائري ، ويكون متولي الرقابـة مسؤولا هو أيضـا طبقا للمادة 134 قانون مدني من جهـة ثانيـة .

        وجدير بالملاحظـة في هذه النقطة بالذات أن العبارات التي كان يدفع بها بعض الفقهاء والمتمثلـة في الجملـة الأخيرة من المادة 134/1 قد سقطت من النص الجديد والمتمثلـة في (( ولو كان من وقع منه العمل الضار غير مميز )) وبالتالي  فهو تأكيد على قيام واجب الرقابـة على الشخص الخاضع لها بسبب القصر بغض النظر عنه إن كان مميزا أو غير مميز ، حيث أنه كان الغرض منها حتى قبل سقوطهـا أو حذفها من نص المادة 134 هو التأكيد فقط على أنه لايشترط في المسؤوليـة خطأ الخاضع للرقابـة[11] ، إنما كانت تشير إلى أن مسؤوليـة متولي الرقابـة المفترضـة عن الفعل الضار الذي يرتكبـه الخاضع للرقابـة تقوم ولو كان هذا الأخير غير مميز[12].

وفيهم من يرى بأنه طالما أن القاصر في حاجـة إلى الرقابـة بسبب قصره فمسؤولية متولي الرقابـة القائمة على خطأ مفترض تنتهي قانونا ببلوغع المشمول بالرقابـة سن الرشد (( م 134 من ق م )) ولو كان هذا الشخص لايزال في حاجـة إلى رعايـة لعلـة أخرى كعاهة عقليـة أوة جسمانيـة لاسيما في ظل نص المادة 135 القديم[13] .

        وكذلك تجدر الملاحظـة إلى أن المشرع المصري تناول هذه النقطـة إذ تنص المادة 173 /2على مايلي في جملتها الأخيرة (( وتنتقل الرقابـة على الزوجة القاصر إلى زوجها ، أو إلى من يتولى الرقابـة على الزوج )) .

        كما أننا نجد أن القانون الجزائري قد خالف القانون المدني المصري وبقيـة القوانين العربيـة الأخرى في عدة نقاط أهمها أنه جعل الأم متوليـة للرقابـة ، ولم يجعـل للزوجـة القاصر رقيبـا ، في حين أن بقيـة القوانين العربيـة جعلت الزوج  يتولى الرقابـة على زوجته القاصر إن كان راشدا ويخضع لرقابـة من يتولى رقابة زوجهـا[14]  ، وهنا يتساءل الدكتور سعدي الصبري عن من يتولى رقابة الزوجة القاصر، أو المفروض أنها تسكن مع زوجهـا لامع والديهـا، وكان ينبغي أن لايفوت على المشرع  مثل هذا الأمر .

        ويمكن للمكلـف بالرقابـة في هذه الحالـة الرجوع على محدث الضرر طبقا للمادة137 من القانون المدني في الحدود التي يكون فيها محدث الضرر مسؤولا عن تعويض الضرر ، ومتى كان الفعل الضار الصادر من شخص بالغ سن الرشد (( 19 سنة )) فلا يكون أمام المضرور سوى سوى متابعة المتسبب فيـه طبقا للمسؤوليـة عن فعله الشخصي ،إلا إذا كان هذا الأخير غير مميز لجنون أو عته ، فيسأل حينئذ المكلف بالرقابـة عليـه بإسثتناء  الحالـة التي تناولتها المادة 125 / 2 وذلك قبل التعديـل ، وهو عندمـا يتعذر الحصول على تعويض من المسؤول فيجوز للقاضي أن يحكم بتعويض عادل على المتسبب في هذا  الضرر ولو كان  غير مميز[15] .

        البند الثاني : الخضوع للرقابـة بسبب الحالـة اللجسميـة أو العقليـة

        لقد أضافت كذلك المادة 134  هاتين الحالتين بنصها على مايلي : (( .. أو بسبب حالته العقليـة أو الجسميـة )) وهما حالتين تعتريان الشخص الراشد فتجعلـه خاضعا لهذه الرقابـة وبحاجـة إلى إستمرارها عليه حتى وإن بلغ سن الرشد ، فما معنى كل حالـة ؟

        أولا: بسبب الحالـة العقليــة

        هذه الحالـة أو الحالات المرضيـة تصيب عقل المريض وبالتالي تؤثر على قواه العقليـة وتصيبه بعارض من عوارض الأهليـة المتمثلـة في الجنون والعته والغفله ويصبخ هذا الشخص بحاجة ماسـة إلى الرعاية والعنايـة اللازمتين لتدبير أموره [16] وتفقدها من طرف متولي الرقابـة ومن منعه من إحداث أضرار بالغير .

        إذن هي حالات تعتري عقل الشخص الراشد فتنال من سلامـة من عقله لدرجة تفقده إدراكه وتوازنه وتضعه في موقف أو في حالة لاتسمح لـه بالتفرقـة بين النافع والضار ، ولاببين مايقوم بـه من تصرف ضار إتجاه الغير ، وهنا يكون خطرا على نفسـه وعلى غيره ، ويظهر حاجته الماسة إلى رقابـة غيره وهذه الأمراض هي حالـة الجنون والعته  والسفـه .

        إذ نجد أن المادتين 42 و 43 المعدلتين بموجب التعديل الأخير للقانون المدني إذ تنص في المادة 42/1 (( لايكون أهلا لمباشرة حقوقه المدنيـة من كان فاقد التمييز في السن أو عتـــه أو

جنون )) .

وكذا نص المادة 43 بقولها (( من بلغ سن التمييز ولم يبلغ سن الرشد وكل من بلغ سن الرشد وكان سفيها أو ذا غفلـة يكون ناقص الأهلية وفقا لما تقرره القانون ))

        وهذا ماأكدته المادة 81 من قانون الأسرة بنصها (( من كان فاقد الأهلية أو ناقصها لصغر السن أو جنون أو عته أو سفـه ، ينوب عنه قانونا ولي أو وصي أو مقدم طبقا لأحكام هذا القانون)) .

        فهؤلاء الأشخاص المصابين بمثل هذه العاهات يجب أن يعين لهم وصي مثلما تنص عليه المادة 92 من قانون الأسرة أو مقدم مثلما تنص عليه المادة 99 من قانون الأسرة في حالـة عدم وجود ولي أو وصي من كان فاقد الأهلية أو ناقصها بغض النظر عن مسؤوليـة متولي الرقابـة في بحثن أو كلامنا هذا .

        ويقول الأستاذ السنهوري في هذا الصدد (( ومع ذلك قد تدعو الحاجة إلى الرقابة على من بلغ سن الرشد رجلا كان أو إمرأة ، فلو أصيب البالغ لسن الرشد بجنون أو بعته أو كان ذا غفلـة ، قامت الرقابـة عليه لتجدد الحاجة إليها نظرا لحالته العقليـة ، ويتولى الرقابة في هذه الحالة ولي النفس أو الزوج أو الزوجـة ( إذا كان الزوج هو الموضوع تحت الرقابـة ) وتنتقل الرقابـة إليه إتفاقا كمدير المستشفي أو الطبيب أو الممرض أو من يقوم بالرقابـة من الأقرباء أو غير الأقرباء[17]

        ثانيـا : بسبب الحالـة الجسميــة

        وليس فقط الحالـة العقليـة التي تكون مناطا لإخضاعه للرقابـة ، بل كذلك بأن يكون الشخص مصابا بعاهة جسديـة كفقدان البصر أو عرج أو شلل أو أصبح مقعدا وكذلك لو أصيب هذا البالغ الراشد بمرض أعجزه ، وجعله في حاجـة إلى الرقابـة نظرا لحالته الجسميـة ، فهنا تولى الرقابـة عليـه إتفاقا من يتولى الإشراف على شؤونه الشخصيـة ، من زوج أو زوجـة أو قريب أو مدير مستشفى ، أو طبيب أو ممرض أو نحو ذلك ، ويكون هذا مسؤولا عنه مابقي في رقابته [18].

        وتجدر الملاحظـة إلى أن الخاضع للرقابة بسبب حالته الجسميـة شبيه حكما بالصبي المميز مثلما أشار إليه الدكتور تركي[19] .

        والحالة الجسميـة بإعتبارها حالة من الحالات التي تنال من أهلية الفرد من جهـة والتي تجعلـه في حاجـة إلى الرقابـة من جهة أخرى هو أمر مستحدث في القانون المدني الجزائري وهنا وكما يؤكد على هذا الأمر الدكتور السنهوري فإن مصدر الإلتزام بالرقابة في هذه الحالة هو إتفاق الأطراف كون القائم بالقانون  لم يتناول هذه الوضعيـة بعد[20] .

        فهو يكون بحاجة إلى رقابـة متى أصبح يمثل عبئـا خطرا على نفسه وغيره وخشيـة إيقاع الأضرار بالغير ، كأن يكون شخص مصاب بشلل أو برعشة مستمرة  ويوقع أضرار جسديـة بالأخريـن .

        وتجدر الملاحظـة إلى أن الأضرار الأخرى التي لاعلاقة لها بالحالـة الجسميـة كأن يقوم الأعرج أو الأعمى بشتم الغير فلا يسأل عنها المكلف بالرقابـة وإنما يسأل عنها الفاعل نفسـه بإعتباره ليس بحاجـة إلى رقابـة بالنسبـة لهذا الفعـل[21] .

        بالإضافـة إلى ذلك فإن الرقابـة الفعليـة كرقابـة من يقود أعمى دون قانون أو إتفاقا فإنها لاتدخـل ضمن ماورد في نص المادة 134 من ق م التي تنص على المسؤوليـة المفترضـة ، ومنه فإنه لايسأل الرقيب الفعلي إلا إذا أثبت أنه أخطأ خطأ شخصيـا[22] .

        كما أنه لايمكن الأخد بحرفيـة نص المادة 134 ق م فليس إذن من هذا المنطلق كل شخص بـه عاهـة جسديـة يستوجب رقابــة بل من جانب القاضي عليـه ،أويعمل سلطته التقديريـة لأنه من هذه الحالـة سوف يقوم بمراعاة الظروف المحيطـة بالشخص بالإضافـة إلى ضرورة اللجوء لخبير لتحديد مدى حاجة هذا الشخص إلى رقابـة .

        الفرع الثاني : صدور فعل ضار

        إذن بالإضافـة إلى الشرط الأول والذي يتمثل في وجود حاجـة إلى رقابـة من جانب الشخص فإنه يجب أن يصدر منه فعل ضار بالغير كشرط ثان لقيام مسؤولية متولي الرقابـة عن فعل غيره.

        وهذا الشرط تنص عليه المادة 134 من القانون المدني قبل التعديل وبعده بقولها (( يكون ملزمـا بتعويض الضرر الذي يحدثـه ذلك الشخص بفعلـه الضار ))

        إذن يجب أن يقع هذا الفعل الضارعلى الغير لكي تقوم مسؤوليـة متولي الرقابــة .

        البند الأول : الفعل الضار

        الفعل الضار هو كل فعل مخالف للقانون ويوجب عليـه جزاء ألا وهو تحمل مسؤوليـة أو قيام مسؤوليـة المكلف بالرقابـة ، وتجدر الملاحظـة أن هناك خلافا فقهيـا ثار في فرنسا فيما يخص إشتراط الخطأ من عدمـه في فعل وتصرف الخاضع للرقابـة وهو خلاف يرجع أساس إلى تعريف الخطأ ، كما أن هناك نظريتين تتنازعان حول مفهوم الخطأ فالنظريـة الأولى وهي النظريـة الموضوعيـة والتي لا ترى في فعل الخاضع للرقابـة أي الفعل الضار إلا الجانب المادي ولايشترطون لحدوثـه وجود تمييز ، أي أنهم يشترطون لتحقق مسؤوليـة متولـي الرقابـة أن يرتكب القاصر عملـة غير المشروع [23].

        أما النظريـة الثانيـة وهب النظريـة الشخصيـة في الخطأ والتي يقول مناصروهـا أنه يجب أن يتحقق في الخطأ ركنان الركن المادي والمعنوي ، فالركن الأول هو الركن المادي والذي يتمثل في التعدي ، أما الركن المعنوي فيتجسد في الإدراك والتمييز ، وهنا يقول الدكتور جلال حمزة (( وجدوا أنفسهم أمام أمريـن إثنين إما أن يشترط توافر الخطأ في فعل الخاضع للرقابـة ، أي وجوب توافر ركن التمييز إلى جانب ركن التعدي وهذا يعني إعفاء متولي الرقابـة من المسؤوليـة في كل مرة يكون فيها الخاضع للرقابـة ناقص العقل أو التمييز  وهذا لايقبله المنطق ولاالعدالة.[24]

        والأمر الثاني وهو أن يشترط أنصار هذه النظريـة الخطأ حينما يسأل متولـي الرقابـة عن كل الأضرار التي تسبب فيها هذا الشخص الخاضع للرقابة حتى وإن كان غير مميز ، لهذا نجدهم فضلوا إشتراط الخطأ في فعل الخاضع للرقابـة لكي تتحقق المسؤوليـة .

        ونجد أن كلا الأستاذان فيلار ونور الدين تركـي يؤكدان أن العبرة بالركن المادي في الخطأ ألا وهو التعدي الذي كان سببا في إلحاق الضرر بهذا الغير بغض النظر إن كان السلوك الذي سلكه الخاضع للرقابـة سلوكا عاديـا أو غير ذلك [25].

        ولقد ذهب الفقـه في هذا المجال إلى إعتبار أن التمييز عنصر أساسي في الخطأ بالنظر إلى القوانين العربية فيما نص عليه القانون المدني المصري وليس فقط القانون الجزائري ، ومن هنا فإذا كان الخاضع للرقابـة مميز ووقع ضررا بالغير أفلا تتحقق مسؤوليـة المكلف بهـا إلا إذا أثبت الخطأ في جانب الخاضع لهذه الرقابـة[26]   ويعد هذا الأخير مسؤولا أصليا ويسأل متولي الرقابـة بإعتباره مسؤولا تبعيـا ، وللمضرور أن يرفع دعواه في مواجهـة أي منهمـا ، بل فرق الفقـه كذلك في هذه النقطـة  بين وجود التمييز من عدمـه ، فإذا كان الخاضع للرقابـة غير مميز  ووقع ضرر بالغير فإن مسؤوليـة متولي الرقابـة تكون مسؤوليـة أصليـة ، ولايكون أمام المضرور إلا مسؤول واحـد وهو متولي الرقابـة ، وفي غياب أي مسؤول عنه أو تعذر الحصول على التعويض من المسؤول جاز للقاضي أن يحكم على من وقع منه الضرر بتعويض عادل إذ أن الملاحظ أن القانون السوري جاء بهذا الحكم في نص المادة 165 من ق م السوري .

        غير أن الأستاذ فيلالـي إعتبر أن الفعل الضار هو إخلال بإلتزام قانوني إذ أن النص واضح ولإعتبارات قانونيـة التي يستنذ عليها مسؤوليـة متولـي الرقابـة ، ولا داعي أن يشترط بعض الفقه خطأ الخاضع للرقابـة كلما كان مميز لأن المسؤوليـة هنا هي مسؤوليـة تبعيـة بالنسبـة للمكلف بهذه الرقابـة[27].

        البند الثاني : أن يقع الفعل الضار إضرارا بالغير

        فلا يكفي قيام الخاضع بالرقابـة لفعل ضار فقط بل يجب أن يكون شخص الغير هو من وقع لـه الضرر ، فوقوع الضرر لنفسـه لا يحقق المسؤوليـة التي نحن بصددها ، أو أن يوقع الغير ضررا بـه ، فنجد أن الدكتور السنهوري ذهب إلى إعتبار أن العمل غير المشروع يجب أن يقع من الشخص الخاضع للرقابـة ، لاأن يقع عليـه ، أما إذا وقع عليـه فليست هناك مسؤوليـة مفترضـة ، ويضرب لنا مثال التلميذ الذي يصاب من أجنبي بالأذى في وقت يكون فيه التلميذ في رقابـة رئيس المدرسـة فلا يكون هنا الرئيس مسؤولا عن خطأ أجنبي إلا في حدود القواعد العامـة للمسؤوليـة ، فيجب إذن إثبات الخطأ في جانب الرئيس حتى يكون مسؤولا[28] .

        ونؤكد كذلك بأن مسؤوليـة متولي الرقابـة عن أعمال المميز هي مسؤولية أصليـة لاتبعيـة فهي تقوم بقيام مسؤوليـة الشخص الخاضع للرقابـة ، وهذا رأي الأستاذ علي علي سليمان غير أنه بالنسبة للشخص غير المميز لا يمكن القول بتحقق مسؤوليته ، إنما مسؤوليـة متولي الرقابـة هنا أصليـة قامت مستقلـة وأصلها خطأ مفترض في جانب المسؤول ، وإنما يسأل مسؤوليـة موضوعيـة مخففة عند تعذر الرجوع على متولي الرقابـة مثلما تضمنه النص المصري .

        وبالرجوع إلى النص الجزائري فإنه إذا كان الفاعل مميز توجد إمكانيـة المتابعة على أساس المادة 124 من ق . م حتى بعد تعديلها ، هذا بالإضافـة إلى إمكانيـة رفعها ضد المسؤول ، إذ يمكن لهذا الأخير الرجوع على الفاعل إذا ماتوافرت شروط المادة 124 وهذا طبقا لنص المادة 137 المعدلة كذلك .

        إضافـة إلى هذا فإنه طبقا لهذا النص أي المادة 137 ق .م فإنه يمكن الرجوع كذلك على الفاعل أوالمسؤول عليـه  إذا كانت هذه المسؤوليـة قائمـة بسبب عاهـة جسميـة عن هذا الشخص الفاعل والخاضع للرقابـة .

        إلا أنه من الناحيـة التطبيقيـة ، فإن القاضـي لايبحث عن متولي الرقابـة وقت وقوع الضرر ، إذ أن الحكم سيكون مباشرة على الأب بإعتباره المسؤول المدنـي كما يجري بـه العمل في قضاء الأحداث.

 




[1] -  محمد حسنين : المرجع السابق ص 183.
[2] -  عبد الرزاق السنهوري : المرجع السابق ص 996.
[3] - فيلالي : المرجع السابق ص 95
[4] -  جلال حمزة : المرجع السابق ص 167و168.
[5] - السنهوري : المرجع السابق ص 997.
[6] -  السنهوري : المرجع السابق ص 997.
[7] - علي علي سليمان : المرجع السابق ص15
[8] -D.TERKI Nouereddine: Les obligations , résponsabilité civile et régime généraleOPU , Alger 1982, p 96.
[9] -علي علي سليمان :لمرجع السابق ص 32.
[10] -Antoine VIALARD : La résponsabilité civile délictuelle , OPU Alger 2èm edit , 1986 , p 64 
[11] -  علي فيلالي : المرجع السابق ص 97.
[12] -  بلحاج العربي : المرجع السابق ص 299.
[13] -بلحاج العربي : المرجع السشابق ص 299.
[14] -  صبري السعدي : المرجع السابق ص 193.
[15] -  حسنين : المرجع السابق ص 185.
[16] - محمود حمزة جلال : المرجع السابق ص 169.
[17] -  السنهوري : المرجع السابق  ص 1002.
[18] - السنهوري : المرجع السابق ص 1002.
[19] - D.TERKI : Idem 99
[20] -  فيلالي : المرجع السابق ص 101.
[21] -  فيلالي : المرجع السابق ص 102.
[22] - بلحاج العربي : المرجع السابق ص 300.
[23] -  جلال حمزة : المرجع السابق ص 180.
[24] - المرجع السابق ص 180.
[25] -  فيلالي : نفس المرجع ص 102.
[26] -جلال حمزة : المرجع السابق ص 181.
[27] - فيلالي : المرجع السابق ص 102.
[28] - د. السنهوري : المرجع السابق ص 1002.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه