الطرق العلمية في الإثبات المدني في القانون الجزائري

0

الطرق العلمية في الإثبات المدني

 

إن التطور الهائل الذي وصل إليه التقدم العلمي لا سيما في مجال الاتصالات كشف عن أدلة جديدة تصلح لإثبات مختلف التصرفات القانونية والوقائع المادية ولا شك أن ترك هذه الوسائل الجديدة من دون تنظيم يعد من أهم المشكلات التي تواجه القضاة في المنازعات التي تقع بين الأفراد إذ يقف القاضي مقيدا أمام صرامة حدة الخاصية القانونية لطرق الإثبات وضوابط الدليل الكتابي لهذه الوسائل في الإثبات .

              والملاحظ أن التشريعات العربية لم تذكر أي نص قانوني يحدد قوتها  في الإثبات بالرغم من حداثة هذه التشريعات  ومعاصرة بعضها لهذه الوسائل كقانون الإثبات المصري و القانون المدني الأردني و قانون الإثبات العراقي وكذا الجزائري .

إلا انه كان لازما علينا البحث في إمكانية استفادة القانون من وسائل التقدم  العلمي سيما القانون المدني.

 

 

 

 

أولا  : تحديد الوسائل العلمية

 . فحص الدم  I

      يعد فحص الدم من الوسائل العلمية الحديثة التي فرضت نفسها في إثبات الكثير من القضايا المدنية والجنائية ، ومنها دعوى إثبات النسب فهده الاخيرة من ابرز القضايا وأكثرها تعقيدا .

وفحص الدم قطع شوطا كبيرا ، وأخذت به العديد من التشريعات ، بوصفه من الأدلة التي وصلت دقته في حالة نفي البنوة حدا قضي على احتمال الخطاء في الاعتماد عليه، وبذلك أصبح الاعتراض  حول هذه الوسيلة الجديدة في الإثبات تشددا لا فائدة منه سيما ادا وجدت المحكمة قرائن قوية تسانده .

      وإثبات النسب عن طريق فحص الدم قد قطع شوطا بعيدا وأخذت به الكثير من تشريعات الدول المختلفة لان العلم أثبت أن فصيلة دم كل شخص تبقى ثابتة مدى الحياة وتنتقل من الوالدين إلى الأطفال وفقا لقوانين الوراثة وهو فحص لا ينطوي على اي اعتداء على حريات الافراد مادام يجري بطريقة سليمة  .

       إلا أن الملاحظ أن التشريع الجزائري يقف جنبا إلا جنب مع الكثير من التشريعات العربية  التي لم ترد فيه أية إشارة صريحة للاستفادة من فحص الدم سواء في القانون المدني أو قانون الأحوال الشخصية إلا ماسيأتي  بيانه في الجزء الثاني من مناقشة المادة 40 من قانون الأسرة المعدل بالأمر 05/02 المؤرخ في 27/فبراير/2005 والى جانب دلك نجد تشريعكل من الولايات المتحدة الامريكية والمانيا وايطاليا وغيرهم نظموا هده المسالة ويبقى دائما للمحكمة ان تستنتج من رفض احد الخصوم اخد الدم بهدف تحليله دليلا على صحة ادعاء الخصم الاخر ويمكن القول في الاخير ان هدا الدليل اصبح له الحجية الكاملة في الاثبات  .

شريط الكاسيت :. II

      التسجيل الصوتي من الوسائل العلمية الحديثة التي  ادخلت حديثا في مجال الإثبات المدني، وهي وسيلة تصلح لإثبات التصرف القانوني وأنه نظرا لشيوع استخدام تسجيل المخاطبة الهاتفية من قبل الأفراد عن طريق جهاز التسجيل الصوتي في أ شرطة تحفظ الصوت وتعيد سمعه للاستفادة منها في الحصول على دليل مادي لإثبات التعاقد.

     ولسكوت غالبية التشريعات العربية عن بيان قيمة الكلام المسجل على الشريط فإن التساؤل يثار عن مدى مشروعية استخدام التسجيل الصوتي وبيان قيمته في الإثبات المدني ؟.

لقد تعرض الدليل المستمد من التسجيل الصوتي إلى انتقادات علمية وفنية ، منها انه ليس هناك ما يؤكد علميا بأن الدليل المستمد من المخاطبة الهاتفية المسجلة عن شريط التسجيل الصوتي يعود إلى من نسب إليه ذلك لأن أصوات الناس تتشابه في بعض الحالات ، كذلك احتمال وقوع  التزوير على الشريط

 

      المسجل وذلك إما بتقليد أصوات معينة أو بنقل أجزاء معينة من صوت مسجل على شريط آخر حتى يبدو لمن يسمعه بأنه حديث متكامل ، ولتفادي هذه الانتقادات يستلزم أن يكون الصوت المسجل قد جسد الواقعة بدقة كاملة  إلى درجة يكون معها القاضي متأكد من معرفة حقيقة الأمور التي يستخلص منها الحقيقة ويستطيع الخبراء عن طريقها إجراء المضاهاة في ذبذبات صوت المتكلم وراي الخبير هنا استشاري .

     ولقد إعتبرت أحد المحاكم الفرنسية الكلام المسجل على شريط الكاسيت بمثابة مبدأ ثبوت بالكتابة يوصف بشبه المحضر الذي تدون فيه أقوال الحضور عند استجوابهم و التشريع الانجليزي اعتبره بمثابة السند العادي واغلب التشريعات العربية سكتت عن بيان قوة الدليل المستمد منه واعطاه حجية الدليل الكامل  كقانون الإثبات السوداني .

المخاطبة الهاتفية .III

     لقد نظمت أغلب التشريعات التعاقد بالهاتف ، وأقرت بأنه تعاقد بين حاضرين في ما يتعلق بالزمان وبين غائبين في ما يتعلق بالمكان ، لكن لم تذكر شيء عن كيفية إثباته والإشكال يزيد حدة هنا عند عدم جعل المخاطبة الهاتفية وسيلة إثبات قانونية للمتعاقد في حالة المنازعات ، ضف إلى ذلك أن إثبات المخاطبة الهاتفية للتعاقد أمر في غاية الصعوبة إذ استلزم القانون إثبات التعاقد بالدليل الكتابي ،  والقاضي يستطيع في ظل غياب التنظيم التشريعي لإثبات التعاقد بالهاتف  أن يجعل من المتعاقد عن طريقه ، له مانعا ماديا يمنعه من الحصول على دليل كتابي ، وبالتالي يجوز له أن يأخذ بالشهادة والقرائن القضائية وتوجيه اليمين المتممة .

التيلكس .VI

      يتسم التيلكس بسمة أساسية بوصفه يترك أثرا ماديا مكتوبا بآلة الطابعة على سند ورقي ، ويدخل ضمن السندات الالكترونية وهذا السند الالكتروني إذا طبقنا عليه ضوابط الدليل  الكتابي بالمفهوم التقليدي وهي الكتابة والتوقيع فان هذا السند يفقد قيمته في الإثبات لذا فماهي قيمة السند المستخرج منها حاليا؟.

      يعتبر الإثبات  بالتيلكس نظام جديد يختلف عن الأدلة التقليدية المكتوبة والسائدة حاليا في طرق الإثبات وبالرغم من  سرعة اتساع نطاق التيلكس في معاملات الأفراد  فان التشريعات العربية لم تتطرق إلى هذا النظام الجديد لذا يثار التساؤل حول بيان قوته في الإثبات اد لا يمكن اعتبارها رسائل عادية وبالرغم من ان التلكس هو  نتيجة التطور البرقي وهنالك بعص التشابه بين البرقيات المرسلة عن طريق البرق العادي والتلكس فلا نطبق عليه احكام البرقية لانعدام الشروط القانونية اي انعدام التوقيع ، وانه استنادا للمفهوم الواسع لشرطي الكتابة والتوقيع في ظل المفاهيم الحديثة التي أخذت بها الكثير من

 

 

      تشريعات الدول المتقدمة والاتفاقيات الدولية يمكن أن نعد السند المستخرج من التيلكس سندا عاديا من نوع خاص  بالرغم ، من عدم توفر شروط السند العادي فيه ، وفي نفس السياق اشار الاستاد بوريس الى ان التلكس في فرنسا يعد من ضمن الرسائل العادية(1).

 السندات الإلكترونية المرسلة عن طريق الفاكس :VII.

     الفاكس هو جهاز استنساخ بالهاتف ويعد من أسرع الوسائل التي تقدم الخدمات البريدية في عالم الاتصال واكثرها تطورا ويطلق عليها الاستنساخ عن بعد اذ ينقل الصور و السندات عن طريق شبكة الهاتف المركزية أو عن طريق الأقمارالصناعية وتسلم السائل والمستندات بنسخة منها في أسرع وقت اذ لايمكن أن تزيد عن 30 دقيقة  مهما كان المرسل الية بعيدا ،  فما هي قوة هذه السندات في الاثبات ؟

 سيما بعد ماأجرت إدارة البريد أجهزة الفاكس للافراد ، وما قيمة السند الالكتروني المرسل عن طريق الفاكس والتي تسلم من المرسل اليه اذ انها ليست سندا اصليا انما هي صورة حرفية مستنسخة طبقا للاصل المرسل التي تبقى لدى المرسل اذا كان لديه عقد إيجار جهاز الهاتف( الفاكس) أو تبقى  لدى دائرة البريد التي تحتفظ بالأصل اذا كان السند مستخرج عن طريقها .

     اذا طبقنا على السند الإلكتروني أحكام السندات الكتابية بالمفهوم التقليدي فلايخلو عن وصفه صورة لسند كتابي عادي ، وإن كانت خالية من التوقيع لكن صدورها من موظف عام مختص يضفي عليها ذلك .

     ففي ظل المفهوم التقليدي للسندات يمكن  أن نطبق أحكام البرقيات على السندات الالكترونية المرسلة عن طريق البريد الالكتروني للتشابه بينهما ولكن بشرط أن يكون أصل السند مودعا لدى مكتب اصدار البريد موقعا عليه من المرسل والا يكون أصل السند قد اتلف من مصلحة البريد .

     ولقد أخذت الاتفاقيات الدولية المعاصرة ،وكثيرا من التشريعات الأخرى بالمفهوم الحديث للسندات الالكترونية ، ومنها السندات المرسلة عن طريق الفاكس وجعلت لها حجية متميزة في اثبات التعاقد الذي يتم عن طريقها وأدرجتها ضمن السندات الكتابية ، ولقد نصت المادة 14 الفقرة الثالثة من اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بنقل البضائع بحرا لسنة 1978 ( قواعد  هامبورغ ) على نفس الحجية والقوة التي رصدت للفاكس . 

 

 

 

                                                                                               

1.  Boris sturck par henrio rolond laurent boyer ,introduction au droit 2eme edition li (21) tes 1988 page 584.

 

الفرع الثاني : استفادة المشرع من الوسائل العلمية

       لم ينص المشرع الجزائري في القانون المدني ولا في قانون الإجراءات المدنية  عن الوسائل العلمية في الإثبات المدني ، وذلك ما ينبئ عن وجود فراغ كبير في هذا المجال.

        و استدراكا  منه  قام في قانون الأحوال الشخصية في التعديل الأخير بفسح  المجال للقاضي للاستفادة من الوسائل العلمية في الإثبات  ، ولكن لم يقم بتحديدها بدقة وإنما جاءت مجملة وعامة            ولقد أحسن المشرع في ذلك ، لأن من أهم مميزات المسائل العلمية في الإثبات التغير وعدم الاستقرار فقد تكون  هناك من الأدلة العلمية ما تثبت العلاقات القانونية والوقائع المادية  ، وبعد مرور فترة من الزمن يظهر ما هو أحسن من ذلك.

        ولقد أحسن المشرع في المادة  40  من قانون الأسرة بإطلاق يد القاضي  في إثبات النسب الذي يعد من أصعب الأمور في الإثبات بنصها على أنه :  " يثبت النسب بالزواج الصحيح او بالاقرار او بالبينة  او بنكاح الشبهة او بكل زواج تم فسخة بعد الدخول طبقا للمواد 32-33-34 من هذا القانون .

       ويجوز للقاضي الجؤ الى الطرق العلمية في اثبات النسب " .          

      والملاحظ ان القضاة كانوا يطبقون هذه الطرق حتى قبل ان ينص عليها المشرع  واتبعوا  طرق اخرى لم نقم بدراستها ضمن الطرق العلمية في الاثبات ، مثل  الفحص البيولوجي .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه