شهادة الشهود و القرائن القضائية في الاثبات في القانون الجزائري

2

شهادة الشهود و القرائن القضائية

الفرع الأول : شهادة الشهود

         البينة لها معنيان معنى عام ويقصد به الدليل سواء كان كتابة أو شهادة أو قرائن ، كالقول البينة على من ادعى فهنا البينة تتجه إلى المعنى العام أما المعنى الخاص هو شهادة الشهود دون غيرها من الأدلة .                                                                                                                        

والشهادة هي التصريح الذي يدلي به الشخص أمام القضاء بواقعة صدرت من غيره وترتب عليها حق لهذا الغير، ويجب أن تكون هذه الواقعة المصرح بها وصلت إلى علم الشاهد أو سمعه أو بصره أما إذا وصلت الواقعة إلى علمه بواسطة الغير وصرح هو بهذه الوقائع نقلا عن غيره فتعتبر هنا شهادة سماع وبالتالي لا يعتبر تصريحه هذا شهادة بالمعنى القانوني ويأخذ بها فقط على سبيل الاستئناس.                











 ومن أهم شروط الشهادة أن يكون الشاهد من الغير إذ لا تصلح شهادة أحد أطراف الخصومة أو من يمثله كالمحامي أو الوصي أو القيم ، ولابد أن يكو ن الشاهد أهلا للشهادة وغير ممنوع من أدائها وإلا سمع على سبيل الاستئناس، ولابد أن تكون المعلومات التي يخبر بها المحكمة قد تحصل عليها بحواسه الخاصة وان تنصب الشهادة على الوقائع المتعلقة بالدعوى والمراد التحقق منها .

أولا  :  تقدير القاضي لجواز الإثبات بشهادة الشهود

        إن مما لاشك فيه أن الإثبات بالشهادة  جائزا قانونا غير أنها تبقى خاضعة لسلطة القاضي التقديرية في السماح بها أم لا ؟.

       فقد تكون في القضية من القرائن والأدلة الأخرى ما يغني عن الشهادة أوقد  تكون الوقائع المراد إثباتها بعيدة الاحتمال بحيث لا يرى القاضي سبيلا إلى الاقتناع بالشهادة في جميع الأحوال التي يرى فيها القاضي أن شهادة الشهود غير مقبولة لا يأخذ بها بالرغم من أن القانون يجيزها في الإثبات .               

        ويرى الفقهاء انه لا يكفي أن يجيز القانون الإثبات بالشهادة في بعض الأحوال للأخذ بها  بل يجب أيضا أن يكون الإثبات بالشهادة مستساغا حسب تقدير القاضي ولا يخضع القاضي في تقديره هذا لرقابة المحكمة العليا.                                                                                                              

لكن  رفض المحكمة طلب الإثبات بالشهادة يجب أن يكون مسببا تسبيبا سائغا ،  وأن تكون الأسباب التي بنت عليها المحكمة اقتناعها من شأنها أن تؤدي إلى ما قضت به .

           أما إذا خلى  الحكم مما يصلح ردا  ولو ضمنيا على طلب الخصم فان الحكم يكون مشوبا بالقصور مما يستوجب نقضه .

ولقد نصت المادة 203 من قانون المرافعات الفرنسي على حق القاضي في أي وقت  سماع من يرى سماعه من الشهود،  وقضت محكمة النقض الفرنسية(1) بأن سلطته في ذلك هي سلطة تقديرية مطلقة

ففي الغالب  يكون الشهود لم يعدوا الشهادة من قبل إذا توخوا الأمانة في شهادتهم ،  فهم لا يشهدون إلا على الوقائع التي يكونوا قد رأوها أو سمعوها ، و قد تكون هذه الوقائع  متعلقة بالحق المدعى به وقد لا تكون وهذا متروك لتقدير القاضي ، وهو في هذا المجال يتمتع بسلطة واسعة لا يخضع فيها لرقابة محكمة النقض، أما فيما  يخص مسألة جواز الإثبات بالبينة أو عدم جوازه فيعد من المسائل القانونية التي حدد المشرع طرق الإثبات بها ، وبّّينا متى يجوز استعمال كل منها،  وبالتالي إذا كانت الوقائع مما لا يجوز إثباتها بشهادة الشهود وجب على القاضي أن يرفضها ، وعدم  إجابة الخصوم طلب الإثبات بها .

فالطرق التي يجوز فيها الإثبات بشهادة الشهود أصلا تتمثل في :




1. في  المواد التجارية : يجوز الإثبات في المادة التجارية بشهادة الشهود مهما كانت قيمة التصرف وذلك يعود لما يقتضيه التعامل التجاري ، لكن هناك من المسائل التجارية التي لابد فيها من الكتابة لإثباتها إذ لا يمكن أن تثبت بغيرها مثل الأوراق التجارية والتركات وعقود إيجار السفن واستخدام طاقمها

 2. الوقائع المادية :   وهو أمر يحدث فيرتب عليــه القانون أثر سواء اتجهت إليه الإرادة أم لم تتجه  وسواء كانت وقائع طبيعيــة مثل الفيضانات والزلازل والحريــق أو وقائع مادية من فعــل الإنسان    كصدور أفعال ضارة بالغير فكلها وقائع مادية يجوز إثباتها بشهادة الشهود.                                    

3. التصرفات المدنية التي لا تجاوز قيمتها  مائة ألف دينار الجزائري : إن كل تصرف مدني إذا كانت قيمته تساوي أو تقل عن 100.000 دج جاز إثباته بشهادة الشهود .                                              

غير أن المشرع الجزائري قد يطلب الكتابة لإثبات التصرف القانوني في بعض الأحيان ولو لم يتجاوز المبلغ السابق ، و مثال ذلك عقد الكفالة و الوصية .

                                                                        



















1. قرار محكمة النقض الفرنسية بتاريخ 28 فبراير 1979 مجموعة المرافعات دالوز ص 4 طبعة 75 السنة 1983

                                                                                                                               


         والحكمة من السماح بالإثبات هذا المبلغ بشهادة الشهود هي تيسير أمور المتعاقدين وعدم إعاقة التعامل بين المتعاقدين الذين لا يحسنون القراءة والكتابة ولا يضعهم في حرج ، وللإشارة انه إذا كان محل الالتزام غير مبلغ من النقود أو لم يكن مقدرا في الاتفاق بنقود يقوم القاضي هنا بتقدير قيمته وقت صدور التصرف (1).                                                                                                              

       الحالات التي يجوز فيها الإثبات بالشهادة استثناءا :

التي تكون بمفهوم المخالفة الأصل فيها الإثبات بالكتابة وهي حالات عالجتها كل من المواد 335 – 336 من القانون المدني ولقد سبق أن قمنا بدارستها وهي:

1.  مبدأ الثبوت بالكتابة .

2. وجود مانع مادي أو أدبي يحول دون الحصول على دليل كتابي .

3. فقد الدليل الكتابي بسبب أجنبي لا يد  للدائن فيه.

 ثانيا : تقدير القاضي لكفاية شهادة الشهود

           إن الشهادة في المواد المدنية تخضع لتقدير القاضي (2) الذي يستطيع أن يأخذ بها ويصدق الشاهد في قوله كما له أن يطرحها إذا لم يطمئن لها،و ذلك ما نصت عليه المادة  213  من قانون المرافعات الفرنسي التي أعطت للقاضي الحق في أن يستمع إلى الشهود ويستجوبهم عن كل الوقائع التي يجيز القانون إثباتها بشهادة الشهود وعن أية وقائع أخرى ولو لم يشر إليها قرار الإحالة للتحقيق (3).    

       ولقد ورد عن محكمة النقض ما يلي " لمحكمة الموضوع السلطة التامة في تقدير الأدلة وعدم جواز مناقشة شهادة كل شاهد على حدا لإثبات عدم كفايتها في ذاتها " نقض بتاريخ :13/12/1981 طعن رقم 339 س 47 ق  ، لذا فإن  تقدير أقوال الشهود وتجريحهم مما يستقل به قاضي الموضوع وجاء ان تقدير أقوال الشهود مرهون بما يطمئن إليه وجدان محكمة الموضوع نقض 30/04/ 1970

و 22/01/1974 (4) و القاضي عند تقديره لكفاية الشهادة أو عدم كفايتها يقوم بدراسة دقيقة لمعرفة مدى صدق الشاهد في أقواله ومطابقتها للواقع ،  فيتأكد من مدى قوة تذكر الشاهد واستيعابه للوقائع كما ينظر في أخلاقه وكل الحركات التي يقوم بها أثناء سماعه.


 


1. نبيل إسماعيل عمر : سلطة  القاضي التقديرية في المواد المدنية و التجارية – دراسة تحليلية و تطبيقية –دار الجامعة الجديدة للنشر طبعة 2002 صفحة 441 .

2.قرار صادر عن المحكمة العليا بتاريخ 04/04/1968 المجلة الجزائرية 1968 صفحة152

3. مجموعة مرافعات دالوز صفحة 30 طبعة 1975 لسنة 1983.

4. المأخوذ عن أنور طلبة المرجع السابق صفحة 263/264 .




        وفي هذا يقول الدكتور رؤوف عبيد  أن" القاضي قد يخرج من مجموع القضية بشعور عميق في نفسه بثبوت التهمة ويكون من الصعب تفسيره في الحكم فقد يسمع عشرة شهود إثبات يجمعون كلهم على شيء واحد ولكنه مع ذلك ليس ملزما بالأخذ بشهادتهم" .

       وقد يرى أنهم غير صادقين سواء في نظراتهم أو نبرات أصواتهم أو أية حركة مع وجود قرائن أخرى تبدوا ضعيفة في الظاهر ولكنها مع ذلك يكون لها أثر كبير خفي في نفس القاضي ويصعب عليه أن يشرح في حكمه هذا الأثر ويبين بدقة مصدره مع التحقيقات وليس كل القضاة عندهم من البلاغة وقوة التعبير ما يجعلهم يصورون شعورهم بعبارات تقنع القارئ وتبعث في نفسه ذات الأثر الذي تولد في نفسه

         لذا فالقاضي عند تقديره قيمة الشهادة لا يتقيد بعدد الشهود ولا بجنسهم ولا بسنهم فقد تقنعه شهادة شاهدان أو أكثر وقد يصدق امرأة ولا يصدق رجل وقد تكون شهادة صبي صغير أبلغ في إقناعه من شهادة رجل كبير ،  والملاحظ أن التشريعات الحديثة لم تعد تأخذ بالنصاب الذي كان قائما في القديم وهو رجلان أو رجل وامرأتان أو شهود أربعة أو نحو ذلك .                                                             

        لذا أطلقت حرية القاضي في تقدير الشهادة دون أن يتأثر في ذلك بكثرة أو قلة عدد الشهود وكذلك زالت ضرورة تزكية الشهود فلم يعد الشاهد يزكيه شاهد آخر بل الذي يزكيه هو مبلغ ما يبعثه في نفس القاضي من الاطمئنان، كما أن القاضي له أن يرجح شهادة عن أخرى وله أن يطرح شهادة إذا تشكك في صحتها كما له أن يأخذ بأقوال الشاهد ولو كان قريبا للخصم متى إطمئن له ، كذلك إذا اتفق الأطراف على أن يشهد شخص معين يثقون فيه فان القاضي لا يتقيد بشهادة هذا الشاهد فيجوز له أن يطرحها إذا لم يطمئن إليها ويبني قضائه في الدعوى على ما يطمئن إليه من أدلة أخرى في أوراق الدعوى .              

        غير أننا نجد الفقه قد اختلف في مسألة تسبيب حكم عدم اطمئنان القاضي لأقوال الشهود فنجد قانون المرافعات الفرنسي في قواعده المتعلقة بالإثبات ينص على ان القاضي لابد أن يصدر بها أمرا مسببا .

         بينما يرى المشرع المصري أن قضاة الموضوع غير ملزمين بإبداء أسباب عدم اطمئنانهم لأقوال الشهود و يتعين أن تكون هذه الأسباب سائغة .

أما المشرع الجزائري يرى أن القضاة إذا لم يبينوا سبب تفضيلهم شهادة واحد على اثنين فان قرارهم يكون ناقص التسبيب (1) .


 


1. قرار المحكمة العليا رقم 9127 الصادر بتاريخ  31/08/1973 أشار إليه الدكتور يحي بكوش الأحكام القضائية وصياغتها الفنية الصفحة 69  .



       إن تقدير الدليل لا يحوز قوة الأمر المقضي به إذن للقاضي الأخذ بأقوال الشهود سمعوا في قضية أمام محكمة أخرى يمكن للمحكمة المدنية أن تأخذ بشهادة شهود سمعتهم بعد أن كانت المحكمة الجنائية تشككت في صحة شهادتهم كما أن تحقيق المحكمة في واقعة ما بشهادة الشهود لا يمنعها من الاعتماد على أقوالهم في إثبات واقعة أخرى وتمتد سلطة القاضي بالنسبة للشهادة إذ يجوز أن  يأخذ بجزء منها ويصرف النظر عن الجزء الآخر أي يصدق شاهدا في بعض أقواله دون البعض الأخر ولا يعتبر ذلك من طرف القاضي مسخا لشهادة الشاهد متى أورد جميع أقوله وأشار إلى ما فيها من تناقض ثم بين عقيدته  منها(1).                                                                                                                      

         ولقد نص المشرع الجزائري على فئة من الشهود وأوجب تصديقهم والأخذ بشهادتهم وهم مأمورو الضبط القضائي فيما يخص المحاضر والمخالفات التي يحررونها المادة 400 الفقرة 01 من قانون الإجراءات الجزائية .                                                                                                      

        ومما سبق يتبين أن الإثبات عن طريق شهادة الشهود هو ذا قوة محدودة  فالقاضي يتمتع بالحرية الكاملة والسلطة المطلقة في الأخذ و الاعتماد على شهادة الشهود ، حسب ما يراه مناسبا أو صالحا للبت في النزاع المطروح عليه .

        وهو غير ملزم حتى في الحالات التي يكون فيها تطابقا بين تصريحات كل الشهود ،  بحيث يجوز له بناء على سلطته التقديرية ، أن يلجأ إلى وسائل الإثبات الأخرى ، وذلك خلافا للقاعدة الواردة في القانون القديم " لا عبرة بالشهادة الوحيدة  ".                                                                                    

 












 


1. الدكتور عبد الوهاب العشماوي المرجع السابق الصفحة 140-141.

التعليقات

  1. هل شهادة شاهد واحد تكفي لاثبات التهمة علي البريء

    ردحذف
  2. لمادا تدهور التعليم في الجزاءر

    ردحذف

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه