هل تجوز المطالبة بتحديد الغرامة التهديدية بناء على امتناع الإدارة عن التنفيذ أمام محكمة الموضوع في القانون الجزائري

0
هل تجوز المطالبة بتحديد الغرامة التهديدية بناء على امتناع الإدارة عن التنفيذ أمام محكمة الموضوع :

بالفعل لقد صدر حكم عن المحكمة الإدارية بالرباط  ـ[1]ـ يقضي بتحديد الغرامة التهديدية في مواجهة الإدارة الممتنعة عن التنفيذ وما يهمنا في هذا الحكم الإشارة إليه هو أن الوكيل لقضائي أثار دفعا بعدم الإختصاص النوعي للبت في الطلب وقد كان موضوع حكم مستقل صادر بتاريخ : 06/03/97 قضى بانعقاد الإختصاص النوعي للمحكمة الإدارية كمحكمة موضوع، وقد أيد القرار من طرف الغرفة الإدارية في قرارها الصادر بتاريخ : 25/9/1997 بالملف عدد 1301، ويستفاد من ذلك أنه وكما تجوز المطالبة بتحديد الغرامة التهديدية أمام رئيس المحكمة الإدارية بشكل تواجهي بناء على الفصل 149 وما يليه من قانون المسطرة المدنية، تجوز كذلك المطالبة بتحديدها أمام محكمة الموضوع في إطار الضوابط القانونية المنصوص عليها بالفصل 3 من القانون 90.41 وقواعد المسطرة المدنية.


لكن هل يجوز المطالبة بتحديد الغرامة التهديدية في مواجهة الشخص الذاتي بتقرير مسؤوليته الشخصية عن عدم تنفيذ الحكم الإداري أمام رئيس المحكمة الإدارية ونذكر هنا قضية عطاوي ضد رئيس جماعة تونفيت السالفة الذكر.


فهل استند رئيس المحكمة الإدارية وهو يحدد تلك الغرامة التهديدية إلى مقتضيات الفصل 448 من قانون المسطرة المدنية باعتبار أنه مشرف على عملية تنفيذ الأحكام الإدارية ؟

وهل يجوز له ذلك حتى ولو تعلق الأمر بخطإ شخصي يرتب المسؤولية الشخصية للموظف في إطار قواعد القانون الخاص الذي لا تختص بالبت فيه المحاكم الإدارية.



نعتقد أن رئيس المحكمة بوصفه ذلك أو بصفته قاضيا للمستعجلات هو جزء من المحكمة ويستمد اختصاصه من اختصاصها وبالترتيب على ذلك فاختصاصه العام في إطار الفصل 148 أو في إطار الفصل 149 وما يليه من قانون المسطرة المدنية أو في إطار نصوص خاصة مرتبط وجودا وعدما بالاختصاص النوعي الشامل لمحكمة الموضوع وبالتالي لا يملك الإختصاص في إصدار أي إجراء أو أمر إلا إذا كان الحق المراد حمايته به مما تختص بالبت فيه نوعيا المحكمة الإدارية. وإعمالا لهذا المبدأ أو بالرجوع إلى مقتضيات الفصل 8 من القانون 90.41 الذي يحدد الإختصاص النوعي للقضاء الإداري لا نجد به ما يشير لا تلميحا ولا تصريحا إلى اختصاص القضاء الإداري بالبت في المسؤولية الشخصية للموظفين وترتيب الآثار القانونية على ذلك بتحديد الأضرار الناتجة عنها.

لذلك وإذا كنا نعلم أن تحديد الغرامة التهديدية في مواجهة الشخص الممتنع عن التنفيذ على أساس خطأه الشخصي في ذلك تنقلب في النهاية إلى تعويض في إطار الضرر الناتج عنه وطبيعته وأهميته ومداه، فمن هي الجهة القضائية المختصة بتصفية تلك الغرامة التهديدية في شكل تعويض ؟ الجواب على ذلك لا يثير أي إشكال وتبقى جهة القضاء العادي هي المختصة نوعيا به دون المحكمة الإدارية وينتج عن ذلك أن تحديد الغرامة التهديدية في مواجهة الممتنع عن التنفيذ باعتباره مرتكبا لخطأ شخصي و أولويتها إلى تعويض لاحقا بتصفيتها يصطدم بالاختصاص النوعي للقضاء الإداري.

والأمر يزيد تعقيدا إذا كان الامتناع عن التنفيذ يشكل خطأ شخصيا وخطأ مصلحيا في الوقت ذاته.

إذ يعد خطأ شخصيا وخطأ مصلحيا في الوقت ذاته، إذ يعد خطأ شخصيا بامتناع الموظف المسؤول عن التنفيذ أو تهاونه في القيام بعملية التنفيذ، وخطأ مصلحيا لتهاون الإدارة في فرض الرقابة والإشراف على موظفيها فمت تكون الجهة القضائية المختصة بتحديد الغرامة التهديدية وتصفيتها في نهاية الأمر على شكل تعويض، هل القضاء الإداري أو القضاء العادي ؟ وهل الخطأ المرفقي يجر الخطأ الشخصي لأن القضاء الإداري ويتعقد الإختصاص بالبت في الدعوى إلى القضاء الإداري أم أن العكس هو الصحيح . خصوصا وأن مقتضيات المادة 18 من القانون 909.41 التي تنص على أن المحكمة العادية المرفوعة إليها الدعوى الأصلية التي تدخل في إطار اختصاصها النوعي تبقى مختصة أيضا في كل دعوى فرعية تهدف إلى الحكم على شخص من أشخاص القانون العام لاترفع هذا الإشكال على اعتبار أن الأمر في هاته الحالة لا يتعلق بطلب أصلي وطلب فرعي مترتب عنه بل بدعوى واحدة .

ونعتقد أن حل الإشكال المطروح لا يتأتى إلا بتدخل تشريعي  صريح بمنح الإختصاص النوعي للمحاكم الإدارية بالبت في دعاوى التعويض الناتجة عن كل من الخطأ الشخصي للموظف والخطأ المرفقي لأشخاص القانون العام وقد نادى بهاته الفكرة باستمرار تفاديا للإشكال المطروح مجموعة من الفقهاء وعلى رأسهم د. ميشيل روسي في أكثر من مناسبة .

حول تصفية الغرامة التهديدية :
إذا كانت الغرامة التهديدية تعتبر وسيلة قانونية لحمل الإدارة على التنفيذ فكيف تتم تصفيتها بعد تسجيل امتناع المنفذ عليه على التنفيذ هل تصفى بإجراء عملية حسابية لمبلغ الغرامة المحدد لضربه في عدد الأيام المشمولة بالامتناع عن التنفيذ بشكل تسلب معه السلطة التقديرية للمحكمة باعتبار أن لها نظام خاص مستقل عن التعويض أم تصفي تلك الغرامة التهديدية في إطار الضرر المترتب عن عدم التنفيذ تبعا لحجمه وأهميته ونوعه ومداه.
                               
لقد تواتر العمل القضائي واجتهاد المجلس الأعلى الغرفة المدنية على أن الغرامة التهديدية تصفى في شكل تعويض مدني بناء على الضرر وحجمه وأهميته ومداه بالنسبة للطالب ـ[2]ـ وهو يرتكز في ذلك على نفس المقتضيات القانونية المنصوص عليها بقانون المسطرة المدنية ف 448 منه. وقد ذهبت المحكمة الإدارية بوجدة في نفس المنحنى بعد أن تقدم المدعي بطلب تعويض جزافي عن الأضرار الناتجة من جراء امتناع المجلس البلدي من تنفيذ أمر قضى عليه بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه تحت طائلة غرامة تهديدية، وقد ذهبت المحكمة إلى القول. بأن الامتناع عن تنفيذ حكم قضائي حائز لقوة الشي المقضى به يعتبر خطأ مرفقيا ويبرر المطالبة بتصفية الغرامة التهديدية في شكل تعويض بناء على الضرر وأهميته ومداه بالنسبة للطالب وأكدت هذا الاتجاه في نازلة أخرى حيث أمرت بإجراء خبرة لتحديد التعويض عن الأضرار الناتجة عن عدم تنفيذ حكم يقضي بإرجاع الماء في مواجهة المكتب الوطني للماء تحت طائلة غرامة تهديدية محددة في 500 درهم يوميا. وقد ذهبت في نفس المنحى المحكمة الإدارية بأكادير ـ[3]ـ بقولها " حيث حدد القرار الاستعجالي مبلغ الغرامة التهديدية في درهم عن كل يوم تأخير... ونظرا لما للمحكمة من سلطة في تقدير التعويض المناسب فإنها تحدده في مبلغ 15000 درهم للغرامة التهديدية موضوع القرار أعلاه. 

غير أن المحكمة الإدارية بفاس ذهبت في منحنى آخر ـ[4]ـ حيث اعتبرت أن الغرامة التهديدية تعتبر وسيلة لإكراه المدين على تنفيذ السند القضائي وليس هدفها التعويض عن الأضرار ولذلك اعتبرت أنه من الواجب فصلها عن التعويض وقد استنتجت ذلك من تنصيصات الفصل 448 من ق م م الذي ينص على تحديد الغرامة والمطالبة بالتعويض لذلك فهي تنفرد بوضع قانوني مميز ولا ينبغي أن تؤول إلى تعويض وقد كانت الغرامة التهديدية التي طالب المنفذ له بتصفيتها في إطار عملية حسابية خارج قواعد التعويض عن الضرر محددة في مبلغ 500 درهم يوميا وقد حددتها المحكمة من جديد في مبلغ 50 درهم يوميا معللة ذلك بأنه لا يوجد أي مانع قانوني يحول دون تدخل قضاء الموضوع لتحديد مبلغها من جديد متى كان الامتناع ناشئا في تاريخ لاحق لتاريخ السند المحدد لها وفي النهاية قامت المحكمة بعملية حسابية لتحكم على الجهة المعنية بالتنفيذ وهي وزارة الشبيبة والرياضة بالمبلغ الناتج عن التصفية [5]وقد تم تبني هذا الاتجاه بتأييده من طرف الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى  هذا وأن هذا المنحنى الجديد يثير مجموعة من التساؤلات منها كيف يمكن للمحكمة أن تمد رقابتها على تحديد الغرامة التهديدية المحكوم بها سابقا خارج وسائل الطعن في الأحكام أو إذا كان هذا الاتجاه من شأنه أن يجعل الغرامة التهديدية بالفعل وسيلة حقيقية لإجبار الإدارة على التنفيذ فهل أن الغرامة التهديدية تعتبر بالفعل ذات نظام خاص مستقل عن التعويض وكيف يكون الحل في حالة تقديم دعوى التعويض عن الأضرار الناتجة عن عدم التنفيذ علاوة على طلب تصفيتها في إطار القواعد الواردة بالحكم المذكور ألا يعتبر ذلك من قبيل الازدواج في التعويض عن نفس الضرر.

ثم إن الاتجاه الأول الذي يقول بتصفية الغرامة التهديدية في شكل تعويض بناء على الضرر وأهميته ومداه يبعث على التساؤل التالي إذا كانت الغرامة التهديدية المحكوم بها 200 تصفى بناء على الضرر الناتج عن الخطأ المرفقي للإدارة الممتنعة عن التنفيذ وأهميته ومداه فما الجدوى من سلوك المسطرة اللازمة لتحديدها والمطالبة بتصفيتها مادام أن الاتجاه المذكور يخول اللجوء إلى القضاء مباشرة للمطالبة بالتعويض كذلك تبعا للضرر وأهميته ومداه انطلاقا من اعتبار امتناع الإدارة عن التنفيذ  خطأ مرفقيا لذلك ومع إقرار هذا المنحنى يبقى أن تحديد الغرامة التهديدية أمرا زائد لافائدة من اللجوء إليه وأعتقد أنه يمكن الجمع بين الاتجاهين معا باعتبار أن الغرامة التهديدية المحكوم بها تصفى في شكل تعويض بناء على الضرر وأهميته ومداه مع اعتبار تلك الغرامة بالفعل وسيلة إكراه في إطار النظام الخاص بها والأخذ بعين الإعتبار في احتساب التعويض تعنت المنفذ عليه وإصراره على الامتناع عن التنفيذ كعنصر في احتساب التعويض. وكصرف مشدد للرفع من التعويض.

ويبقى الإشكال مطروحا أمام القضاء الإداري حول تصفية الغرامة التهديدية والقواعد التي تحكم هاته التصفية بين اعتبارها ذات نظام خاص مستقل عن التعويض وبين اعتبار تصفيتها في إطار الضرر وأهميته ومداه. وإذا كان المجلس الأعلى (الغرفة المدنية) وهو يطبق نفس المقتضيات القانونية المتعلقة بالغرامة التهديدية المنصوص عليها بقانون المسطرة المطبقة أمام المحاكم الإدارية في إطار الإحالة المنصوص عليها بالفصل 7 من القانون 90.41 وقد تواتر اجتهاده على اعتبار تصفيتها في شكل تعويض بناء على الضرر وحجمه ننتظر موقف نفس المجلس الأعلى من خلال الغرفة الإدارية حول الإشكال المطروح بين الأخذ بأحد الاتجاهين أو الجمع بينهما في صيغة جديدة.

ونخلص في نهاية الأمر إلى القول بأن تحديد الغرامة التهديدية في مواجهة الإدارة الممتنعة عن تنفيذ الأحكام الإدارية  الحائزة لقوة الشيء المقضي به لا يعتبر وسيلة ملائمة وناجعة لإلزام الإدارة بتنفيذ الأحكام الإدارية الصادرة ضدها لاعتبارين أساسيين :

أولهما : أن الإدارة إذا استمرت في امتناعها عن الوفاء بهذا الالتزام المالي فلا يتوفر القاضي على أية وسيلة أخرى يجبرها على التنفيذ إذ لا يجوز لـه سلوك طرق التنفيذ الجبري ضدها ومباشرة مسطرة الحجز على الأموال العمومية باعتبارها غير قابلة للحجز وبالتالي البيع القضائي.

وثانيهما : أن الغرامة التهديدية تنقلب في نهاية الأمر إلى تعويض وتنفيذ هذا التعويض في مواجهة الإدارة تعترضه عدة معوقات قانونية وواقعية تتمثل في الإجراءات المعقدة والمساطر الطويلة التي تحددها قواعد المحاسبة العمومية التي تستلزم تدخل عدة سلطات : الآمر بالصرف ـ المحاسب ـ مراقب التزامات ـ الخزينة العامة ، إضافة إلى ذلك فهاته المبالغ المالية تعتبر نفقات طارئة لاتدخل في الحسبان عند تحديد الميزانية والاعتمادات اللازم رصدها وأمام ضغط هذه الإكراهات المالية وتعقد المحاسبة المحيطة بالوفاء بالالتزامات المالية للإدارة تبقى الغرامة التهديدية في مواجهة الإدارة وسيلة غير ناجعة وغير كافية لمواجهة ظاهرة عدم تنفيذ الإدارة للأحكام الصادرة ضدها  ويبقى الحل الأ مثل والناجع هو تقرير المسؤولية الشخصية للموظف الممتنع عن التنفيذ، حتى تتأتى مواجهته بوسائل التنفيذ الجبرية المنصوص عليها بالباب الثالث من قانون المسطرة المدنية، وأمام رفض المجلس الأعلى لهاته الوسيلة المحمودة من خلال مقرره السالف الذكر القاضي بإلغاء حكم إدارية مكناس في قضية العطاوي.

يبقى حل الإشكال المطروح رهين بتدخل تشريعي يقرر المسؤولية الشخصية للموظف الممتنع عن التنفيذ كمرحلة أولى تليه مسؤوليته التأديبية والجنائية كمرحلة ثانية.




[1]  ـ  حكم صادر عن المحكمة الإدارية بالرباط في قضية ورثة لعشيري ضد الدولة المغربية تحت عدد 134 .
[2] ـ قرار المجلس الأعلى بالملف المدني عدد 56542 تحت رقم 109 بتاريخ 14 مارس 1979
[3]  حكم المحكمة الإدارية بأكادير تحت رقم 80 /02 بتاريخ 4 / 04 / 2002  بالملف 275/01 ش .
[4]  ـ حكم المحكمة الإدارية بفاس بالملف 96 /01 بتاريخ 5 / 03 / 2002 غير منشور .
[5]  قرار الغرفة الإدارية عدد 1100 بتاريخ 3-11-2004 قضية وزارة الأوقاف ضد وزارة الشبيبة والرياضة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه