الأساس القانوني للالتزام بالسر المهني والهدف التشريعي منه في القانون الجزائري

0
الأساس القانوني للالتزام بالسر المهني والهدف التشريعي منه:
ليس الغرض من السر المهني هو حماية مصالح الأفراد فقط، ولكن حماية المصلحة العامة أيضا، لما يترتب على ممارسة بعض المهن في المجتمع من إفشاء العميل لأسراره الجسمانية والعضوية والقانونية عندما يلجا إلى ممثلي هذه المهن طلبا لمساعدتهم، مضطرا إلى التنازل عن أسراره التي تعد جزءا من حياته الخاصة إليهم، ومن جهة أخرى فان ممارسة  هذه المهن تقتضي وجود ثقة متبادلة بين العميل والأمين على السر، والا تعذر على هذا الأخير القيام بدوره في العلاج أو الدفاع إذا لم يفض للعميل بكل الحقيقة في ثقة وأمان [1].
كما تقتضي المصلحة الاجتماعية التزام الأمين بالمحافظة على أسرار عميله، وتختلف هذه المصلحة الاجتماعية باختلاف المهن وطبيعة الأمناء الذين تواجههم، ومن اجل ذلك تدخل القانون بالعقاب على إفشاء السر المهنة، كما نصت على ذلك العديد من القوانين واللوائح لهذه المهن.
وإذا كان القانون هو المصدر التشريعي لهذا الالتزام ، فما هو المصدر الحقيقي له؟ هل هو العقد بين الطرفين " الأمين والعميل " ؟ أم هو النظام العام ؟  وما هو الهدف التشريعي المتوخى منه ؟
هذا ما سنحاول الإجابة عليه من خلال المطلبين الآتيين، والمتمثلين في:
·       المطلب الأول: الأساس القانوني للالتزام بالسر المهني
·       المطلب الثاني: نطاق الحماية الجنائية للسر المهني
إن الحماية الجنائية للسر المهني بدأت كنظام مقدس وعندما أريد تبريرها منذ القرن التاسع بدا النص الوحيد غير كاف لهذا الالتزام مما دعى العديد من الفقهاء إلى القول بعدة نظريات لتبرير هذا الالتزام.[2]
وتدور النظريات المعتمدة كأساس للالتزام بالسر المهني حول "نظرية العقد" و "نظرية النظام العام" و نظرية المصلحة".
سنتحدث عن هاته النظريات حتى نقف على الأساس القانوني الذي أخذ به المشرع في تبرير تدخله وحماية السر المهني.
الفقرة الأولى: نظرية العقد كأساس للالتزام بالسر المهني.
ذهب أنصار هذه النظرية إلى أن أساس التزام الأمين بالسر المهني يكمن في اتفاقه مع مودع السر، استنادا إلى أن الأمين ليس ملزما بتلقي الأسرار فاذا تلقاها فان ذالك يكون باختياره وعندئذ يتم العقد[3].
واستند أنصار هذه النظرية إلى عدة أسباب منها:
-        أن هذه النظرية تسمح بتفسير السر، فالعميل يبقى سيد سره، ويستطيع أن يعفي الأمين من التزامه في أي وقت.
-        ان هذه النظرية بتحديدها من يفشي السر على أساس تسمح بتقدير الضرر والتعويض المناسب استنادا للعقد.
ولم يحدد القانون بنظرية العقد أي نوع من العقود هو أساس الالتزام بالسر المهني، فمنهم من ربطه بعقد الوديعة تارة، أو بالوكالة. ومنهم من تمسك بنظرية العقد غير المسمى.
ونظرا للنقد الموجه لهذه النظرية، فقد ذهب جانب آخر من الفقه الى ان الأساس القانوني للسر المهني هو النظام العام.
الفقرة الثانية: نظرية النظام العام.
الالتزام بالسر المهني ليس نتيجة عقد صريح أو ضمني بين العميل والامين على السر، انما يتعلق بالنظام العام[4]، والالتزام بالسر المهني يقوم على المصلحة الاجتماعية التي دعت المشرع الى التدخل لغرض الاحترام الواجب للسر المهني وتحريم إفشائه.
ولهذا نجد مجموعة من التشريعات أخذت بهذا الاتجاه كمبرر للحماية الجنائية للسر المهني، ومنها التشريع المغربي[5].
ولا شك ان نظرية النظام العام التي ترى في المصلحة الاجتماعية أساسا للسر المهني أساسا للسر المهني تحقق احتراما له، وتؤكد رغبة المشرع المنصوص عليها في الفصل 446 من القانون الجنائي [6] المؤرخ في 27 نونبر 1962 في حماية الثقة المفترضة في ممارسة بعض المهن، والقول بغير ذالك يضر بالعادات والمصالح العامة الاساسية التي تتأذى من الإفشاء.
لكن رغم ذالك لم يشدد المشرع المغربي في المفهوم المطلوب للسر المهني، فالالتزام بالسر وفق نص الفصل 446 من القانون الجنائي والقائم على المصلحة الاجتماعية قد يزول أمام مصلحة اجتماعية أعلى منها، وهو يؤكد تلك الاستثناءات الواردة على الالتزام بالسر المهني.
ومن ثم يكون النظام العام النسبي هو الاساس الحقيقي للسر المهني، وبذالك تكون المصلحة العامة هي مبرر تدخل الآلة الجنائية لحمايته في النهاية.
غير أن السر المهني لكي يتمتع بهذه الحماية القانونية، يجب أن يكون  قد عهد به بسبب مهنة من تلقاه، وأن يكون منسوبا لشخص معين ان تكون الوقائع المراد إضفاء السرية عليها ذات صلة بمهنتها من تلقاها .
الفقرة الثالثة: نظرية المصلحة.
لا شك أن السر المهني يهدف من ورائه الحفاظ على مصالح الأفراد الخاصة والمصالح العامة للمجتمع.
فمصلحة الافراد تقتضي الحفاظ على أسرارهم ، متى كانت هذه الاسرار خاصة بهم ولا يريدون لاحد الاطلاع عليها. ونظرا لكون الكائن البشري اجتماعي بطبعه واعتبارا أنه أحد مكونات المجتمع وقرر العيش داخل مجتمع منظم، فان كثير من الاحداث  الغير المتوقعة المرتبطة بالحياة الاجتماعية تحدث اختلالات وفوارق قد تهدد أو تلحق أضرار بحقوقه أو بحقوق الغير. ونظرا لهذه الحاجيات ( الدفاع أمام القضاء، الطب والجراحة، المولدات...) فان هؤلاء الأشخاص وغيرهم يلزمهم على أسرار الغير، وهذه الاسرار قد تكون شخصية وقد تكون عبارة عن وقائع وأحداث، وقد تكون عبارة مستندات ووثائق...
لذالك فمن الواجب على الامين الذي أوكل اليه السر عدم إفشائه  والا كانت خيانة، فالسر يجد أساسه في أنه يتعين على ممتهني المهن أن يعطوا الضمانات الضرورية للثقة خدمة للصالح العام[7] حتى تكون قناعة لمن يتوجه اليهم الافشاء بأسرارهم لهم  لا يشكل خطورة عليهم وأنهم لن يفشوها للغير.




[1] غنام محمد غنام، الحماية الجنائية لأسرار الأفراد لدى الموظف العمومي،.دار النهضة العربية القاهرة

[2] احمد كامل سلامة، الحماية الجنائية للأسرار المهنية، دار النهضة العربية القاهرة .1988 ص3
[3] - أحمد كامل سلامة: مرجع سابق، ص: 87
[4] - أحمد كامل سلامة: مرجع سابق.
[5] -عبد الرحيم صدقي: الاسرار المهنية في القانون الجنائي. مجلة المحاكم المغربية، عدد 43 سنة 1999.
[6] - حيث جاء في الفصل 446 من القانون الجنائي المغربي المؤرخ في 27 نونبر سنة 1962 ما يلي: " الأطباء والجراحون وملاحظو الصحة والصيادلة والمولدات وكل شخص يعتبر من الامناء على الاسرار بحكم مهنته أو وظيفته الدائمة أو المؤقتة ، فاذا أفشى سرا أودع لديه في غير الاحوال التي يجيز له القانون أو يوجب عليه فيها التبليغ عنه يعاقب  بالحبس من شهر الى ستة أشهر وغارمة من الف ومائتين درهم الى عشرين ألف درهم"
[7] - بامي كربزي 1975II    صحيفة 42

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه