السلطة والمسؤوليه في الشريعة الاسلامية

0
السلطة والمسؤوليه في الشريعة الاسلامية

جاءت الشريعة الاسلامية بنظام حكم متكامل، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم اول رئيس للدولة الاسلامية الفتيه التي ظهرت عندما هاجر الرسول الى المدينة واقام اسس الدولة الجديدة واعتمد القرآن والسنة دستوراً لها.
وقد جمع الرسول صلى الله عليه وسلم صفة الرسول يبلغ عن ربه ما يوصى اليه من الدين والتشريع ويبينه للناس وصفة الحاكم أو رئيس الدولة. ([1])
وقد ورد في القرأن والسنة النبوية الشريفة ما يحث المسلمين على طاعة الرسول والامتثال لسلطته. فورد قوله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله والرسول وأولى الامر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول )). ([2])
ويظهر من هذه الأية ان طاعة اولى الامر واجبه ويكون المرد في الطاعة الى الله في الاخذ بمحكم كتابه والمرد الى الرسول في الاخذ بسنته.
وقد جاء في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم قوله (( السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره مالم يؤمر بمعصيته، فاذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة )). ([3])
ومن المعروف ان طاعة الرسول واجبه في القرآن ولذلك فان عصيانه محرم وعصيان الامير محرم لانه عصيان للرسول، الا ان هذه الطاعة مقيدة بان لا تكون مصحوبة بمعصية.

مسؤولية الحاكم في الشريعة الاسلامية
الاسلام عندما اوجب على الرعية طاعة الامير أو الحاكم لم يأمرهم بان تكون هذه الطاعة عمياء أو مطلقة، وانما حددها في اطار معين لا تخرج عنه، فطاعة الحاكم واجبه ما دام قائماً بالقسط بين الرعية ومؤمناً بمبادئ الشريعة الاسلامية وعاملاً بها، والافان الناس في حل من طاعته. ([4])
فقد غابت الحصانة عن القادة والرؤساء والانبياء في الشريعة الاسلامية، فقد اعلن الرسول محمد ( ص ) قبيل وفاته قائلاً (( الا من كنت جلدت له ظهراً، فهذا ظهري فليستقد، ومن كنت شتمت له عرضا، فهذا عرضي فليستقد )).
فالولاية في الاسلام ليست مطلقة وانما هي مقيدة بحدود الشريعة الاسلامية، فمع ان الخلافة تجمع بين امور الدين والدنيا فانها ليست مرتكزة على اساس ديني أو (( ثيوقراطي ))، فالخليفة مقيد بكتاب الله وسنة رسوله ولا يتمتع بصفة الهية أو مستمدة من الله.
وفي ذلك ورد عن الخليفة ابو بكر الصديق عندما نصب خليفة وناداه البعض بخليفة الله انه نهى عن ذلك قائلاً (( لا لست خليفة الله، ولكنني خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم )).([5])
ومن ثم فان الخليفة فرد من المسلمين اوكل له المسلمون امر حراسة الدين وسياسة الدنيا فبايعوه على ان يقوم برعاية مصالحهم وله عليهم حق السمع والطاعة ما دام في حدود الشرع، وإلاجاز خلعه.([6]) فالأصل ان يأمر الحاكم المسلم الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر وينشر الفضائل بينهم فإذا فعل هذا استحق الطاعة من رعيته، أما اذا خالف ذلك حرمت طاعته لقوله عليه السلام: (( من امركم من الولاة بغير طاعة الله فلا تطيعوه )). ([7])
روى في هذا الشأن إن (( الحكم ابن الغفاري )) قد اتم احدى الغزوات بناء على امر الحاكم ((زياد ابن ابيه )) وعاد منتصراً ومعه مغانم كثيرة، فأرسل اليه زياد كتاباً قال فيه (( ان معاوية امير المؤمنين قد ورد كتابه بان يقوم بفرز كل صفراء وبيضاء (( ذهب وفضة )) حتى يجعلها في خزائن بيت المال، لكن الحكم رد عليه بان كتاب الله يقدم امير المؤمنين، وقام في الناس منادياً أن اغدوا على قسمة غنائمكم وفقاً لشريعة الله، وقام بتوزيعها بينهم، مخالفا امر رئيسه زياد فيما كتبه إليه معاوية.([8]).
ومع ذلك فان الشريعة الاسلامية لم تجز خروج الرعيه على الحاكم العادل القائم بامور الحكم وفق مبادئ الشريعة بلا سبب ديني ظاهر وعدت هذا الخروج لو حصل (( جريمة حرابة )) وافساداً في الارض لقوله تعالى (( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وارجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض )).([9])
قال الرسول صلى الله عليه وسلم (( من رأى من اميره شيئاً يكرهه فليصبر فانه من فارق الجماعة شبراً فمات مات ميتة جاهلية )). ([10])
غير ان هذا الحديث انما جاء في طاعة الامير الصالح العادل القائم بأمور الرعية، وما ورد من احاديث في ذلك الا لضمان اقامة الامن وتحقيق الاستقرار في المجتمع وانقاذه من الفتنة وماتجره على الامة من ويلات، وقد اشترط الفقهاء للخروج على الامير أو السلطان، الكفر الظاهر.
عن عباده الصامت قال (( دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه على السمع والطاعة في منشطنا ومكرها وعسرنا ويسرنا واثره علينا وان لا نتنازع الامر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان )).([11])
وقد تدرج الفقهاء المسلمون في كيفية الخروج على الامير ودرجة مقاومته وحسب التدرج الاتي:
1- انكار القلب مع الاعتزال. أول رد فعل على المنكر هو انكار القلب ولا يعذر المسلم بتركه لقوله عليه السلام (( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبقلبه وذلك اضعف الايمان )).
2- انكار اللسان: من اكبر الجهاد عند الله الكلمة عند السلطان والسكوت على هذه الكلمة مشاركة في المعصية.
3- اسقاط حق الطاعة والامتناع عن تنفيذ الأمر: اذا لم تجد الوسيلتان السابقتان يمتنع المسلم عن تنفيذ امر الامام تبعاً لقدر المعصية.
4- الخروج على الامام: بعد استنفاذ الوسائل السابقة يكون من الواجب على المسلمين الخروج على الامام بالسيف لعزله بشرط الاستطاعة على الخروج والقدرة على النجاح في عزل الامام الجائر.([12])

ومن المهم القول في هذا الخصوص ان للشريعة الاسلامية لا تفرق بخصوص الطاعة بين العسكريين والمدنيين، فهي تحرم الامتثال الى الامر المخالف لشريعة سواء كان الامر عسكرياً أو مدنياً في وقت الحرب أو السلم، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.



([1]) – د. محمد عبد الحميد ابو زيد – الانظمة السياسية المعاصرة – ط3 2001 ص 3 .
([2]) – سورة النساء الاية 59 .
([3]) صحيح البخاري . ج9 – ص 27 .
([4]) د. مازن ليلو راضي – المصدر السابق – ص 44 .
([5]) جميل عبد الله القائفي – سلطات رئيس الجمهورية في الظروف الاستثنائية . دار الجامعة الجديدة – الاسكندرية 2006 – ص 12 .
([6]) د. كمال غالى – المصدر السابق – ص 73 .
([7]) د. محمد يوسف موسى – نظام الحكم في الاسلام – ط2 – 162 .
([8]) – ابن عبد ربه الاندلس – العقد الفريد – ج1 ص 22 .
([9]) سورة المائدة – الاية 33 .
([10]) جورج سباين – المصدر السابق – ص 502 .
([11]) جورج سباين – المصدر السابق – ص 502 .
([12]) د. محمد عمارة – المعتزلة والثورة – المكتبة العالمية – ط2 , 1984 – ص 37 . 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه