أهمية التحقيق الابتدائي و مدى لزوميته في القانون الجزائري

0
أهمية التحقيق الابتدائي و مدى لزوميته


يكتسي التحقيق الابتدائي أهمية بالغة و هذا لكونه المرحلة الهامة لكشف الحقيقة في الدعوى العمومية و الحق العام ، و من هنا يظهر لنا جوهر وجود التحقيق الابتدائي ، لذلك كل ما كان الحق العام خطيرا كلما ارتبط بلزومية التحقيق الابتدائي ، و لذلك سوف نتعرض في بادئ الأمر إلى أهمية التحقيق الابتدائي ثم نتعرض إلى مدى لزوميته و ذلك كما سيأتي .















المطلب الأول : أهمية التحقيق الابتدائي


تتجلى أهمية التحقيق الابتدائي في النقاط المحددة التالية و التي يتبين بعد الاطلاع عليها عدم القدرة على إغفال أهمية على حساب الأخرى ، و هي بذلك :
1 / يتضمن التحقيق الابتدائي كافة الإجراءات التي تتخذ في الدعوى العمومية من التحقق من أقوال المبلغ و المجني عليه و شهادة الشهود و الانتقال للمعاينة و التفتيش و استجواب المتهم و مواجهته و من إجراءات احتياطية نافذة قبل المتهم الحبس و الإفراج المؤقت وهي إجراءات يحوزها التحقيق النهائي و التحريات الأولية و إن كان الاستجواب جائز في التشريع الجزائري في التحقيق النهائي ( المادة 302 من ق.إ.ج ) .
2 / استقلال و حياد القائمين عليه ، و معناه أن من " يتولاه شخص محايد يهتم بأدلة الاتهام بقدر اهتمامه بأدلة الدفاع انتفاء لظهور الحقيقة " . ([1])
و يكون ذلك بمنح حق الدفاع و كفالته للمتهمين و إعطاء فرصة لذوي الخبرة لإبداء آرائهم الفنية حسبما يستدعي الشرف و الضمير الحي ، و إمكانية الرجوع إلى في أي وقت لأن فيه ضمان لحسن سير العدالة .
3 / يتوفر التحقيق الابتدائي على ضمانات تفتقر إليها التحريات الأولية و التحقيق النهائي خاصة في كونه يحرر من قبل كاتب مختص في حين تكون إجراءات التحقيق النهائي شفوية عاجلة ، و هو ما يكفل للمتهم حقوقه في إجراءات التحقيق الابتدائي لكون شهادة الشهود تكون قد دونت .
فبالتالي لا مجال لتغيير الشهادات و لا للتلاعب بالألفاظ سواء بالزيادة أو بالنقصان، كما تكفل عملية تدوين التحقيق إمكانية الرجوع إليها مهما طالت الإجراءات ومهما مرّ عليها من زمن ، و لا يقل تحليف اليمين القانونية للشهود عن ذلك في الأهمية .
4 / و للتحقيق الابتدائي فضل في كسب الوقت لصالح القضاء إذ " يكفل ألا تحال إلى المحاكمة غير الحالات التي تتوافر فيها أدلة كافية تدعم احتمال الإدانة ... و صيانة لاعتبارهم من أن يمثل أمام القضاء إذا كانت الأدلة ضده غير كافية " ([2]) فتطرح على القضاء دعاوى مسندة قانونا .
5 / كما أن في إجراءات البحث و التحري المعتمدة في التحقيق الابتدائي و التي تكون معاصرة لارتكاب الجريمة فيه دعم لإجراءات المحاكمة إذا كان من الصعب التنقيب عنها وقت المحاكمة ، فيكفل التحقيق الابتدائي أن يكون ذلك في الوقت المناسب و بالتالي لا تندثر الحقيقة .
6 / و يصون التحقيق الابتدائي " كرامة الأفراد فلا يزج بهم في مساحات المحاكم الجزائية قبل التأكد من جدية الاتهام " . ([3])
7 / يكفل التحقيق الابتدائي حق الدولة في توقيع العقاب بعد أن تكون الأدلة كافية على أن تتولى بعدئذ جهة الحكم بالفض في النزاع و توقيع العقوبات المقررة قانونا ، فلا يقضي ببراءة مجرم أثم أو إدانة بريء نتيجة تحقيق خاطئ أو قاصر .
و لأجل أن يبقى تحقيق الغرض القائم لأجله التحقيق الابتدائي ثابتا و المتمثل في ضمان مصلحة المجتمع و المتهم على حد سواء أنيط بمجموعة من الشروط و التي بدونها لا يلزم التحقيق ، وهذا ما سنتناوله في المطلب الثاني في مدى لزومية التحقيق الابتدائي .






المطلب الثاني : مدى لزومية التحقيق الابتدائي


لزومية التحقيق الابتدائي كإجراء في الدعوى العمومية ذهب بعض الفقهاء الإنجليز إلى أن " التحقيق الابتدائي لا لزوم له ، إذ أنه تكرار للتحقيق النهائي الذي تجريه المحكمة عند نظر الدعوى ، فهو ليس إلا مضيعة للوقت بلا مبرر ، و يضيفون إلى ذلك أن الدفاع عن المتهم عادة يحتفظ بأوجه نظره في تقييد التهمة ، فلا يفصح عنها في التحقيق الابتدائي رغبة منه في إبدائها أمام المحكمة في التحقيق النهائي الشفوي بقصد الاستفادة من عنصر المفاجأة بالنسبة لأطراف الخصومة .
كما قالوا أيضا بأن إجراء التحقيق الابتدائي في كل الجرائم يحتاج إلى عدد كبير من المحققين قضاة كانوا أو وكلاء دولة ، مما يكلف الدولة نفقات باهظة " . ([4])
إلا أن الفقه القانوني مجملا يرى غير ذلك انطلاقا مما يدور خلال إجراءات التحقيق الابتدائي من جمع و تمحيص للأدلة لتكوين قضايا ثابتة قائمة على قرائن قوية متماسكة تسند إلى شخص أو أشخاص معلومين ، و في ذلك ضبط و تنظيم رآه المشرع حتى لا تفرض على جهة الحكم إلى القضايا الثابتة القائمة على أساس من الواقع والقانون.
كما أن في ذلك توفير للمحكمة لألا تنظر في قضايا واهية قد تأخذ الوقت على حساب نظيرتها المؤسسة من إجراءات التحقيق الابتدائي .
فلا مجال إذا للحديث عن إغفال هذه المرحلة و التي نستطيع تسميتها بالمرحلة الحساسة لما فيها من مساس بحرية الفرد و حرمة مساكنهم سعيا إلى إقرار سلطة الدولة في العقاب و بالتالي لا يمكن الإنقاص من قيمتها و فعاليتها في إجراءات الدعوى .
أما عن الجرائم التي يلزم فيها التحقيق الابتدائي فإن المعيار يختلف عند كل مشرع و إن اتفقوا على أن التحقيق الابتدائي لازم في الجرائم الجسيمة ، و لما كان معيار الجسامة معيارا مرنا اختلفت لدى المشرعين الجرائم التي يتطلب التحقيق الابتدائي من تلك التي لا يلزم لها ، فجاء تارة وجوبيا و أخرى جوازيا مع الاحتفاظ دائما بضمان الحقوق الأساسية للمتهم .
فمن التشريعات من تلزم إجراء التحقيق الابتدائي في الجنايات و تقصره عليها ، إذ من غير الجائز إحالة المتهم بجناية إلى القضاء قبل التحقيق معه ، و سكوت المشرع عند هذه الفئة عند الحديث عن مدى لزومية التحقيق الابتدائي في الجنح و المخالفات لدليل على كونه جائز بالنظر إلى السلطة التقديرية للنيابة العامة ، ذلك أنها يمكن أن تستغني عنه إذا رأت أن الحقيقة كشفت من دون إجراء التحقيق الابتدائي فلا داعي له ، على العكس ما هو عليه في الجنايات إذ حتى و لو كانت الحقيقة واضحة جلية فإن النيابة العامة ملزمة بإجرائه .
و من بين الدول التي تأخذ به مصر ، إذ " تنص المادة 63 من قانون الإجراءات الجزائية للنيابة العامة أن تحيل المتهم بالجنحة أو المخالفة إلى المحكمة بناء على أعمال الاستدلال أي دون أن تجري معه تحقيقا " ([5]) و هو ما ذهب إليه المشرع الليبي أيضا .
و من التشريعات من تلزم إجراء التحقيق الابتدائي في الجنايات و تجيزه في الجنح ذات الأهمية الخاصة ، أي أن النيابة العامة مخيرة في الجنح فتحيل بعضها إلى التحقيق الابتدائي إذا ما رأتها ذات أهمية و ذلك قبل إحالته إلى المحكمة المختصة ، و بعضها تحيله مباشرة إلى المحكمة مكتفية في ذلك بتحريات مأموري الضبط القضائي .
و من بين الدول التي تتبع ذلك " الكويت في المادة 36 من قانون الإجراءات الجزائية " ([6]) و الجزائر في نص المادة 66 من قانون الإجراءات الجزائية ، حيث جاء فيها أن التحقيق الابتدائي :
- وجوبي في مواد الجنايات .
- اختياري في مواد الجنح ما لم تكن ثمة نصوص خاصة .
- يجوز إجراؤه في المخالفات إذا طلبه وكيل الدولة .
و يرى بعض الفقهاء إلى ضرورة التحقيق الابتدائي في جرائم الأحداث " لأن يتطلب إجراء تحقيق حول شخصية الحدث للنظر في تحديد مسؤوليته و تعيين وسائل إعادة التأهيل ، و هو إجباري أيضا إذا كان مرتكب الجريمة مجهولا ، حيث لا بد من فتح تحقيق ضد مجهول ... " . ([7])
و ذهب القانون العراقي إلى إلزامية التحقيق الابتدائي في الجرائم المعاقب عليها بالحبس أكثر من ستة شهور ( المادة 106 من قانون الإجراءات الجزائية العراقي ) .
و هناك من الدول مثل السودان و الهند من تأثر بإنجلترا و رأوا بعدم ضرورة التحقيق الابتدائي كإجراء من إجراءات الدعوى " فيكتفون بمحاضر الاستدلالات ويطلقون عليها الإجراءات الموجزة " . ([8])
و إذا كان البعض من انتقد كون التحقيق الابتدائي ( وجوبي في الجنايات ) جوازي في الجنح و المخالفات تأسيسا على أنه في ذلك إجحاف في حق المتهم و عدم تحقيق التوازن بينه و بين جهة الاتهام " لأن التحقيق في مثل هذ الحالة يتم بواسطة جهة ( النيابة العامة أو ضابط الشرطة القضائية ) تراعي مصلحة المجتمع و لا تعتني بدفاع المتهم .
و لا يقلل من هذا النقص وجود التحقيق القضائي النهائي أمام جهة الحكم لأنه و إن كانت جهة الحكم لا تعتمد على محاضر جمع الاستدلالات إلا على سبيل الاستدلال إلا أن لهذه المحاضر أهمية في إثبات التهمة و إسنادها للمتهم " . ([9])
و لكن يبقى نص المادة " 66 " من قانون الإجراءات الجزائية صريحا و تبقى لزومية التحقيق الابتدائي في المواد الجنائية فيها حكمة بالغة من ورائها التحقق أكثر من ثبوت الجرم و نسبته إلى المتهم ، لأن في أعمال الجنايات فيها شناعة و مساس بالغ الخطورة بالفرد قد لا تكون تبلغه هذه الخطورة الجنح و المخالفات بالنظر إلى كون الفعل أقل جسامة .
كما في حالة المخالفات البسيطة التي لا تستدعي ضرورة و عناء للتحقيق فيها على العكس من ذلك حيث تصل العقوبة في الجنايات إلى حد الإعدام ، السجن المؤبد ، السجن المؤقت من 5 إلى 20 سنة ، فأولى بأن يكون التحقيق الابتدائي جائزا و لازما و قاصرا على الجنايات ، لأن من خلاله تستجمع الأدلة التي تدين المتهم أو توقف الدعوى .
و هذا التدرج في إجراء التحقيق الابتدائي جائز في المخالفات بالنظر إلى كون الفعل أقل جسامة كما في العقوبة ( الحبس من يوم إلى شهرين و الغرامة من 20 إلى 2000 د.ج ) بالمقابل كان التحقيق الابتدائي اختياريا في الجنح و خاضعا إلى سلطة النيابة العامة ، و في ذلك تكييف غير مباشر مع العقوبة كذلك ( الحبس مدة من شهرين إلى 5 سنوات ، الغرامة تتجاوز 2000 د.ج ) دون تحديد للحد الأقصى ، فالتحقيق الابتدائي يتناسب طردا مع جسامة الفعل و العقوبة المفروضة و المقررة له .
كل هذه الأهمية التي يحتلها التحقيق الابتدائي في قانون الإجراءات الجزائية الجزائري و غيره من التشريعات لم تتولد من الفراغ ، إذ له دور كبير و أهمية بالغة وهو ما سوف نتناوله بأكثر توضيح حينما نتكلم في الفصل التالي عن قاضي التحقيق و دوره وسلطاته ، ثم بعد ذلك غر


(1) إدوارد غالي الذهبي ، مرجع سابق ، ص 401 .
(1) محمود نجيب حسني ، مرجع سابق ، ص 625 .
(2) أحمد شوقي الشلقاني ، مرجع سابق ، ص 211 .
(1) إسحاق إبراهيم منصور ، مرجع سابق ، ص 100 .
(1) محمود نجيب حسني ، مرجع سابق ، ص 615 .
(2) إسحاق إبراهيم منصور ، مرجع سابق ، ص 101 .
(1) محمد صبحي محمد نجم ، مرجع سابق ، ص 101 .
(2) نظير فرج مينا ، مرجع سابق ، ص 73 .
(3) سليمان بارش ، مرجع سابق ، ص 147 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه