أثـر إجـراءات الصلـح في إنهـاء النزاعــات الزوجيـــة

0
: أثـر إجـراءات الصلـح في إنهـاء النزاعــات الزوجيـــة

إن النتيجة التي تنتهي إليها المحكمة بعد قيامها بمحاولات الصلح بين الزوجين طبقا للمادتين 94 و 82 من مدونة الأسرة لا تخلو من أمرين ، إما أن تتكلل بالنجاح مما يعني استمرارية العلاقة الزوجية ( الفقرة الأولى ) أو أنها تبوء بالفشل حيث تضطر المحكمة عندئذ للحكم بالتطليق ( الفقرة الثانية ) .
ــــــــــــــــ
(1) مثلا نموذج كبيك (Qvebec  ) حيث دخل القانون المتعلق بالوساطة الأسرية حيز التنفيذ في فاتح شتنبر 1997 ، و هو قانون يتيح للأزواج – خاصة ذوي الأطفال – الاستفادة من خدمات وسيط محترف  أثناء التفاوض و تسوية طلب الطلاق أو حضانة الأبناء أو النفقة أو مراجعة حكم سابـق ، فهذا القانون يتيح للزوجين الذين يرغبان في تسوية النزاع القائم بينهما بالاتفـاق و التفاوض على حل مرض بحضور وسيـط ، كما يتيح لهما إمكانية اللجوء إلى الوساطة قبل اتباع المسطرة القضائية أو أثناءها .

65


الفقـرة الأولـى : نجـاح محـاولات الصلـح بين الزوجيـــن
تتجلى أهمية الطرق البديلة لتسوية المنازعات بصورة واضحة في النزاعات الزوجية ، حيث يعتبر الصلح فيها أمرا محبذا و إجراء ضروريا يتعين على المحكمة طبقا للقانون القيام بمحاولاته قبل لجوئها إلى الحكم بالتطليق بينهما ، فهو بهذا المعنى يشكل مبدئيا وسيلة و هدفا في نفس الآن لحل هدا النوع من النزاعات .
إن الصلح بين الزوجين كما أكدنا ذلك سلفا يحبذه ديننا الحنيف ، و خصص له الفقه الإسلامي جانبا كبيرا من اهتمامه ، و حث عليه المشرع المغربي في قضايا الطلاق و التطليق طبقا لمدونة الأسرة ، لما في تحقيقه من آثار إيجابية تجنب الأسرة كافة المخاطر التي ترتب عن تفككها ، كما أن حسمه للنزاع القائم بينهما أدعى إلى تحقيق العدل و الإنصاف ، الذي قد لا يحققه الحكم القضائي الصادر بالطلاق أو التطليق فقد يكون أحدهما ألحن بحجته من خصمه و أقدر على التحايل في الخصومة و هو في الحقيقة غير محق فيما يدعيه ، حيث روى أبي هريرة رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : » إنما أنا بشر مثلكم و أنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له بنحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخـذ منه شيئـا فإنما أقطـع له قطعـة من نـار « (1) ، و الله تعالى يحث الزوجين على حل خلافاتهما وديا بطريقة تحافظ على وحدة الأسرة و تحفظ لهما كرامتهما ، حيث قال : ) فلا جناح عليهما أن يصلحا و الصلح خير ( ، و قال أيضا : ) إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ( ، ذلك أن المنهج الإسلامي بخصوص معالجة النشوز و الشقاق بين الزوجين يقوم على أساسا مبدأ الصلح بينهما ، لأنه و كما يقال في المأثور الصلح السيء خير من الخصومة الجيدة              " Une mauvaise Transaction vieux qu`un bon proces'' .
ـــــــــــــــــ
(1) أخرجه مسلم في صحيحه ، كتاب الأقضية ، الجزء الرابع ، ص : 302-303 .


66


من هذا المنطلق فالهاجس الأساسي الذي يؤطر عمل المحكمة و هي بصدد تسوية النزاعات الزوجية في دعاوي الشقاق ، محاولة تحقيق الصلح بين الزوجين من خلال قيامها بكل المساعي الرامية إلى ذلك ، حيث إذا توفقت فيها في جلسة التسوية الودية التي تعقدها بغرفة المشورة فإنها تصدر أمرا تضمنه في محضر تنتهي به إجراءات الدعـوى على اعتبار أن الغايـة من الصلح إنهاء النزاع و قطـع الخصومة ، كما تنص على ذلك المادة 82 من مدونة الأسرة المحال عليها في المادة 94 منها حيث جاء فيها : » إذا تم الصلاح بين الزوجين حرر به محضر و تم الإشهاد به من طرف المحكمة  «، و نفس هذا المقتضى كان منصوص عليه بكيفية أكثر دقة في الفصل 212 من ق.م.م في فقرته الملغاة بقتضي قانون 72-03 الصادر موازاة للمدونة الجديدة للأسرة ، و ذلك كما يلي : » يستدعي القاضي بعد تقييد المقال الزوجين قصد محاولة التصالح بينهما ، إذا تم التوفيق بينهما أثبت القاضي  ذلك بأمر تنتهي به إجراءات الدعوى « .
أما في حالة انتداب الحكمين و هذا هو المعمول به في الغالب بعد فشل الوساطة القضائية و تمكنهما من إصلاح ذات البين بين الزوجين ، فانهما طبقا للمواد 95 من مدونة الأسرة يحرران مضمون الصلح في تقرير من ثلاث نسـخ يوقعهـا الحكمان و الزوجـان ، و يرفعانها إلى المحكمة التي تسلم لكل واحد من الزوجين نسخـة منه و تحفظ الثالثة بالملف حيث يتم الإشهاد على ذلك من طرفها .
و إشهاد المحكمة على محضر الصلح طبقا للمادتين 82 و 95 من مدونة الأسرة ، الغاية منه إضفاء الحجية عليه حيث تحل في ذلك محل الموثق ، مما يخضع الصلح المصادق عليه من طرفها لكافة القواعد الموضوعية لعقد الصلح ، و هذا المحضر لا يعد حكما و إنما ورقة رسمية أي بمثابة سند تنفيذي لتصديـق المحكمـة




67


عليه ، حيث تطبق عليه قواعد تفسير العقود و ليس قواعد تفسير الأحكام (1) ، لذلك لا يجوز نقض الصلح بعد إجرائه و إشهاد المحكمة عليه ، لأن العودة إلى الخصومة بعد ذلك يفقده أهميته في مجال تسوية النزاعات الزوجية ، و يؤثر سلبا على مصداقية عمل المحكمة بهذا الخصوص ، فلا يحق للزوجين الإقدام على ذلك إلا إذا قام أحدهما بتصرف يناقض ما وقع الصلح من أجله ، حيث يمكنه و الحالة هذه اللجوء إلى القضاء من جديد لطلب الحكم له بالتطليق .
و رغم أهمية نجاح محاولات الصلح بين الزوجيـن للاعتبارات المشار إليها سلفا ، فان واقع عمل قضاء الأسرة بخصوص  تطبيق مسطرة الشقاق ، يؤكد أن النتيجة التي يخلص إليها بخصوص دعاوي الشقاق ، تكون عادة هي فشل تلك المحاولات و ما يترتب عن ذلك من آثار .
الفقـرة الثانيـة : فشـل محــــاولات الصلح بيــن الزوجيــــن
إذا تعذر على المحكمة أثناء تفعيلها لمسطرة الشقاق إجراء تسوية ودية للنزاع المعروض عليها بإصلاح ذات البين بين الزوجين ، فإنها تلجأ إلى تصفيته قضائيا عن طريق الحكم بالتطليق و بالمستحقات طبقا للمادة 97 من مدونة الأسرة ، التي تنص على أنه : » في حالة تعذر الإصلاح و استمرار الشقاق تثبت المحكمة ذلك في محضر و تحكم بالتطليق و بالمستحقات ... « ، حيث تضع بذلك حدا لسريان إجراءات دعوى الشقاق عكس ما كان معمول به في ضل النظام القانوني السابق ، إذ رغم فشل محاولات الصلح بين الزوجين فان دعوى التطليق كانت تأخذ طريقها العادي ، و كل الطرفين يقدم وسائل دفاعه أمام القضاء الذي له أن يحكم بالتطليق أو
 ـــــــــــــــ
(1) بعض القوانين المقارنة كالقانـون البلجيكي ، تجعل المصالحة و الوساطة في النزاعات الأسرية ضروريا ، و عند حصول الاتفاق عليه يتم تحرير محضر و يصدر حكم بذلك ، أنظر :
Marie these Meulders - klein : les modes alternatifs de Réglement des conflits en matiere familiale , Analyse comparative Revue internationale de droit comparer , N 2 / 1997. p . 383 . ets .


68


بعدمه بناء على ما توصل إليه و اقتنع به ، كما يتضح طبقا لمقتضيات  الفصل 212 من ق.م.م في صياغته القديمة - قبل تعديله في مقتضى قانون 03-72 - و ذلك بنصه على ما يلي : » إذا فشلت المحاولة أو بعد استدعاء الطرفين و تخلف الزوجين أو أحدهما عن الحضور أصدر القاضي أمرا بعدم التصالح و يأذن للمدعي بمواصلة الدعوى « ، فمحاولة الصلح كانت تعتبر فقط إجـراء أوليـا تفتتح به دعوى التطليـق ، في حين أنها في دعوى الشقاق تطغى على كل مراحلها الإجرائية إلى حين حسمها بإشهاد المحكمة على محضر الصلح أو حكمها بالتطليق و بالمستحقات .
و إذا كان فشل محاولات الصلح بين الزوجين يمثل النتيجة التي يخلص إليها قضاء الأسرة في معظم دعاوي الشقاق التي تعرض عليه، كما تأكد ذلك الأحكام القضائية الصادرة في الموضوع ،فان ذلك يرجع من حيث القانون و الواقع إلي مجموعة من الأسباب المتداخلة فيما بينها ، و التي تؤدي في مجملها إلى تجريد مسطرة الشقاق من طابعها الوقائي المومأ إليه سابقا ، مكرسة بذلك تلك الهوة الموجودة بين القانون و الواقع في الكثير من المجالات ، و تتمثل أساسا في سوء فهم مضامينها الحقيقية من جهـة و ضعف أو بالأحـرى تعطـل عمل آليـات الصلـح و الوساطة من جهة أخرى ، بحيث إن الدافع الأساسي الذي يكمن وراء لجوء الزوجة إلى طلب تطبيق مسطرة الشقاق – مادام ذلك يقترن عمليا بحقها –  اعتبارها وسيلة سهلة و مرنة لا تحتاج إلى إثبـات ما تدعيه للحصول على التطليق في أقـل وقـت و بأبسط الإجراءات ، إذ يكفي أن تتمسك به أمام القضاء رافضة لكل المساعي الرامية إلى إجراء الصلح بينها و بين زوجها ، فالاعتقاد السائد بخصوص مسطرة الشقاق أنها تمثل توسيعا لحالات حق طلب التطليق المخول للزوجة مقابل الطلاق الذي هو من حق الزوج ، ولعل هذا ما يفسر العدد الهائل من طلبات التطليق للشقاق المقدمة من طرف الزوجات منذ دخول المدونة حيز التطبيق ، مقارنة مع طلبات التطليق المؤسسة على أحد الأسباب المنصوص عليها في المادة 98 منها .


69


لذلك فالتشبث بطلب التطليق الذي يعتبر موضوعا و هدفا في نفس الآن في دعاوي الشقاق ، يجعل المحكمة تصطدم عمليا بصعوبة القيام بمحاولات الصلح بين الزوجين ، لأجل تسوية النزاع القائم بينهما وديـا بدل حسمه عن طريق الحكم بالتطليق ، حيث إن الواقع العملي يؤكد أن الزوجة بالخصوص لا تلجأ إلى القضاء إلا بعد أن تستنفذ كل محاولات لم الشمل و التفاهم مع زوجها ، و بالتالي فان إقدامها على ذلك لا يكون إلا بعد اتخاذها قرار الانفصال عنه ، مما يجعل القضاء يقتنع مسبقا بعدم جدوى أي محاولـة يمكن القيـام بها لحملها على الرجـوع عن قرارهـا ، حفاظا على كيان الأسرة من التفكك و الانهيار .
هذا ، ناهيك عن صعوبة التوفيق بين تطبيق المحكمة للقانون و في نفس الوقت القيـام بعملية الصلح التي تحتاج إلى تقنية عالية ، و خبـرة واسعة ، و طـول النفس ، من خلال الإحاطة بكل جوانب النزاع القانونية و غير القانونية ، فالقاضي في هذا الإطار  بالإضافة إلى تكوينه القانوني يجب أن تكون له دراية واسعة بكل الفـروع العلمية التي لها علاقـة بالأسرة ، كعلـم الاجتماع الأسري و علـم النفس و أنتربلوجيا الأسرة ... ، بل حتى في حالة لجوئها إلى تفعيل آليات الوساطة الغير القضائية عن طريق التحكيم ، فمهمة الحكمين تبوء بالفشل لعدم توفر فيهما الشروط الضرورية التي تؤهلهما للقيام بذلك ، إضافة إلى عدم فهمهما جيدا المقصود من مهمتهما و كيفية أدائها ، حيث يكتفيان أمام القضاء بترديد كل واحد منهما لادعاء الطرف الذي هو من أهله و الدفاع عنه ، و بدل القيام بمهمة الاصطلاح بين الزوجين يؤججان النزاع القائم بينهما و الدفع به نحو حسمه عن طريق الحكم بالتطليق .
كل ذلك يجعل من إجراءات التسوية الودية في دعاوي الشقاق ، مجرد إجراءات شكلية ( روتينية ) ، الغاية من تفعيلها احترام القضاء للقانون الذي يحكم النزاع المعروض عليه ، خاصة و أن الصلـح في القضايا المرتبطة بتطبيـق مدونـة الأسرة ، يعتبر من متعلقات النظام العام الذي لا يجوز خرقه تحت طائلة بطلان الحكم الصادر في موضوعها ، الأمر الذي يبرر ضرورة مراجعـة نظـام تكويـن

70


القضاة العاملين في أقسام قضاء الأسرة ، و تعزيـز آليات الوساطـة و المصالحـة و التحكيم في هذه القضايا ، و ذلك لمواكبة الإصلاحات المهمة التي جاءت بها المدونة الجديدة لفائدة الأسرة المغربية سيما في مجال تنظيم العلاقات بين أفرادها .
عموما كيفما كانت طبيعة الأسباب المفضية إلى فشل محاولات الصلح بين الزوجين ، فان ما يجري به العمل القضائي أن المحكمة إذا ثبت لها وجود الشقـاق و استمراريته بينهما - و رفعا للحرج و الضيق - تحكم بالتطليق طبقا للقانون ، لأنه لا يمكن للقضاء أن يرغم الزوجان على الاستمرار في الحياة الزوجية رغم الشقاق الحاصل بينهما ، لما في ذلك من أضرار كثيرة لا يقتصر أثراها عليهما بل تمتد لتشمل أطفالهما و المجتمع برمته ، لأن عدم الوئام و التنافر و الرغبة الملحة في الافتراق ، كثيرا ما ترجع إلى أسباب شخصية و معايير ذاتية تنبعث من تقدير شخصي للزوج أو الزوجة ، و هذا ما تأخذ به بعض القوانين الوضعية المقارنة مثل القانون السوري لسنة 1953 المعدل بقانون 34/1975 الذي يجعل من الشقـاق بين الزوجين أهم الأسباب المبررة لانحلال العلاقة الزوجية عن طريق القضاء ، حيث تنص المادة 128 منه على أن : » لكل من الزوجين إذا ادعى إضرار الآخر بما لا يستطاع معه دوام العشرة ، يجوز له أن يطلب من القاضي التفريق و لا يشترط الإساءة للسير في الدعوى ، بل بمجرد الادعاء كاف للتحريك المتابعة « ، كذلك الاتجاه الذي أضحت تنهجه معظم القوانين الغربية بخصوص أسباب التطليق يتسم بالمرونة ، باختزالها في سبب وحيد و عام هو الشقاق المستمر بين الزوجين (1) .
و إذا كان التطليق في دعاوي الشـقاق يتسم طبقا للمادة 70 من مدونة الأسرة بطابعه الاستثنائـي ، إذ لا يجـوز للمحكمة اللجوء إليه إلا بعـد تعـذر الإصـلاح و استمرار الشقاق بين الزوجين ، فان تطبيقه في حدود الأخذ بقاعدة أخف الضررين يقتضي منها مراعاة الآثار المترتبة عنه في مواجهة حقوق جميع أفراد الأسرة .
ــــــــــــــــ
(1) DC FOKKEMA . " Mariage famille en question " , edition , CNRSF P .1980 .P 146 .


71

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه