أثار الدفاع الشرعي في القانون الجزائري

0
أثار الدفاع الشرعي:

قد تعرضنا من خلال الفصل الثالث إلى انه إذا حدث تجاوز في حدود الدفاع الشرعي وذلك بانتفاء التناسب بين جسامة فعل الاعتداء والخطر الذي يهدد المعتدي لا يكون للإباحة محل ويعد فعل الدفاع غير مشروع تتحد معه مسؤولية المتجاوز طبق للقواعد العامة حتى وان كان يستفيد من بعض الأعذار القانونية المحددة قانونا.
وفيما عدا هذه الحالة فإذا توافرت شروط الدفاع الشرعي على النحو الذي سبقت الإشارة إليه سابقا من خلال الفصل الثاني من هذه الدراسة فان الأثر المباشر الدى يرتبه القانون هو جعل فعل المدافع أو المعتدى عليه فعلا مباحا لا تترتب عليه أي مسؤولية جنائية كانت آم مدنية.
فإذا كان من المفترض أن توجه القوة في حالة الدفاع الشرعي إلى مصدر الخطر فقد يحث أحيانا أن يصيب المدافع ( المعتدي عليه) بفعله حق الغير ( حق غير المعتدي) فما هو الأثر الذي يترتب عن الدفاع الشرعي في حالة هذه الفرضية.
- بناء على ما تقدم ذكره رئينا انه لابد من التطرق إلى الآثار القانونية المترتبة على حالة الدفاع الشرعي ومن اجل الإلمام بهذه المسالة تناولنا هذا الفصل الرابع في شكل مبحثين.
تناولنا في البحث الأول الآثار التي يرتبها الدفاع الشرعي والمتعلقة بفعل الدفاع وهي الحالة التي يصيب فيها فعل الدفاع حق الغير عمدا وهذا موضوع المطلب الأول الحالة التي يصيب فيها فعل الدفاع حق غير المعتدي ( الغير) عمدا هذا موضوع المطلب الثاني.


أما المبحث الثاني تعرضنا فيه إلى بيان كيفية انتفاء المسؤولية بوجهيها المدني والجنائي عن فعل المدافع من خلال مطلبين، حددنا في المطلب الأول الأسباب التي يستند عليها لإعفاء المدافع في حالة الدفاع الشرعي من اية مسؤولية مدنية وفي المطلب الثاني إلى المبررات التي تعطي المدافع في وضعية الدفاع الشرعي حتى لا يسال عن فعله جنائيا.


















المبحث الأول: الآثار المترتبة على فعل الدفاع:

يمكن لفعل الدفاع أن يصيب حق غير المعتدي وفي هذه الحالة وجب التفرقة بين الحالتين وهي حالة إصابة حق الغير دون عمد وحالة إصابة الغير عمدا.



















المطلب الأول: حالة إصابة حق الغير ( حق غير المعتدي) دون عمد:

الغرض هنا هو أن توجه القوة في حالة الدفاع الشرعي إلى مصدر الاعتداء بقصد رده إلا أنها تصيب غير المعتدي عن غير قصد أما نتيجة للغلط في الشخص وإنما لعدم إصابة الهدف(1) .
ومثال الغلط في الشخص هذا هو أن يستيقظ المدافع ليلا على صوت حركة في منزله ثم يشاهد شخصا ينتقل داخل المنزل فيعتقد انه لص، فيحضر مسدسه ويطلق عليه عيارا ناريا ويصيبه و يتضح بعد ذلك انه أصاب خادمه الذي كان بدوره قد استيقظ على حركة غير عادية في المنزل واتجه إلى مصدرها ليتحرى الامر(2).
ومثال عدم إصابة الهدف أن يفجأ المدافع في الحالة المذكورة شخصا في منزله ليلا ويطلق عليه النار من مسدسه لكنه يخطئه فيصيب خادما أو قريبا يكون قد قدم بدوره ليتحرى صوت الحركة غير عادية في المنزل، ففي مثل هذه الحالات لا محل بداهة لإثارة فكرة إساءة استعمال الحق ما دام المدافع قد باشر حقه بحسن نية وحقيقة الوقف هي أن للمدافع في مثل هذه الحالات أن يحتج بحق الدفاع الشرعي بالنسبة لما أتاه من أفعال بقصد دفع الاعتداء الذي كان يتهدده، ولو ان القوة المادية إصابة غير المعتدي في نشوء الحق في الدفاع الشرعي لتوفر شرط حلول الخطر وشرط لزوم القوة لدفعه.
ومتى نشا الحق فكل قوة مناسبة تستعمل بحسن نية لرد الاعتداء تكون مشروعة، وليس من شان الغلط في الشخص أو عدم إصابة الهدف نفي الحق الذي نشا ولا تنفي الإباحة المترتبة على مباشرته بحسن نية والحكم واحد في الحالتين وهو إباحة الفعل طالما لم يصدر عن المعتدي عليه خطا عمدي فإذا اثبت ان المعتدي عليه بذل كل العناية اللازمة لإصابة المعتدي وحده ولكن حدوث إصابة الغير كان لأسباب لا سيطرة لارادته عليها فالفعل مباح.(1)
ومن المتصور كذلك أن يصدر المدافع بحسن نية خطا مصدره التهور ام عدم اتخاذ الحيطة الأزمة وهو يستخدم القوة دفعا للاعتداء معا ينشا عنه ضرر يعاقب عليه القانون في صورة جريمة غير عمدية ومثال ذلك أن يفاجأ المدافع بحركة في منزله أثناء الليل فيطلق عياره الناري صوب مصدر الحركة فورا و بدون تحري أو استفسار فيصيب خادمه أو حتى زوجته ويقتلها خطا ففي مثارتكب استعمالا له إلا انه لا يمكن أن يمنع من حيث الإباحة الخطأ أو التهور الذي يثبت اقترافه بمباشرة الحق المذكور، أما عن التثبت من وجود هذا الخطأ أو مقداره فالأمر مل هذه الحالة لا مفر من محاسبة المدافع عن خطئه مدنيا وجنائيا ويسال من هذه الناحية الأخيرة عن القتل الخطأ بحسب الأحوال وذلك عملا بالقواعد العامة في المسؤولية الجنائية عن الخطأ، وذلك لان الحق المقدر قانونا وان كان يبيح الفعل الذي تروك بطبيعة الحال لقاضي الموضوع يفصل في شانه وبحسب ما تكشفه وقائع الدعوى، فالقاعدة هنا تختلف عن القاعدة في الحالتين الغلط في الشخص وعدم إصابة الهدف.(2)



المطلب الثاني: حالة إصابة حق الغير عمدا:

يحدث ان يجد المدافع نفسه مضطرا إلى الاعتداء على حق الغير لكي يستطيع رد الخطر المحدق به والقيام بأعمال المدافع أو الدفاع(1).
ومثال ذلك أن يتسلق المعتدي عليه شجرة مملوكة للغير ليحصل منها على عصا يستعملها في الدفاع أو يستولي على سلاح مملوك للغير لدفاع عن نفسه، والحكم في هذه الأحوال أن المعتدي عليه ( المدافع) لا يستطيع الاحتجاج بالدفاع في مواجهة الغير إذ أن فعل الدفاع قد أصاب شخصا آخر غير المعتدي وهو شخص لا شان له بالخطر الذي هدد به المعتدي عليه.
ولكن يستطيع المدافع أن يحتج بحالة الضرورة إذ انه قد التجأ تحت الضغط إلى إتيان هذا الفعل وبتعبير أخر فان المدافع إذا لم يجد أمامه وسيلة تخول له الدفاع عن نفسه أو ماله غير الاعتداء على حق غيره فانه يكون في هذه الحالة مضطرا إلى القيام بهذا الفعل وبالتالي يمكن له الاحتجاج بحالة الضرورة حيث انه تحت الضغط التجأ إلى القيام بهذا الفعل ومثال على ذلك إذا نشبت النار في مبنى واندفع شخص يريد الفرار وأثناء هربه دفع شخص أخر أو حاول المرور قبله ومثال ذلك أيضا حالة من يشاهد بناء حاصرته النيران فيحطم باب مسكن مجاور له للحصول على الماء المملوك لحائزه واستعماله في إطفاء الحريق، وواضح من هذين المثالين أن المدافع قد تعدى بفعله هذا حقا مملوكا لغيره وعدم مؤاخذته على فعله هذا راجع إلى كونه أقدم عليه بحكم الضرورة حيث انه لم يجد أي وسيلة أخرى يدلا بها بواسطتها الخطر المحقق به دفاعا عن نفسه أو ماله أو نفس غيره سوى الإضرار بحق غيره عمدا وبالتالي فانه لا يستطيع الاحتجاج بالدافع في مواجهة الغير وإنما يمكنه من الاحتجاج بحالة الضرورة(1).
إلا انه في كلتا الحالتين وعند إباحة الفعل يصبح مشروعا رغم انه في الواقع ليس كذلك ومن نتيجة هذه الإباحة انتفاء أي مسؤولية عن هذا الفعل سواء كانت مدنية أو جنائية(2).

















المبحث الثاني: انتفاء المسؤولية المدنية والجنائية:

كما سبق القول بأنه إذا توفرت كل عناصر الدفاع الشرعي فان الأثر المباشر الذي يرتبه القانون هو جعل فعل المدافع فعلا مباحا أي مشروعا لا تترتب عليه أي مسؤولية مدنية أو جنائية وهذا ما سوف نتناوله تباعا على الوجه التالي:


















المطلب الأول: انتفاء المسؤولية المدنية:

تنعدم المسؤولية المدنية في حالة توفر جميع عناصر الدفاع الشرعي حيث انه لا يمكن مسالة الشخص مدنيا عنا ارتكبه من أفعال عند دفاعه عن نفسه أو نفس الغير أو ماله أو مال الغير لأنه في جميع هذه الحالات يعد فعله مشروعا ولا يمكن بالتالي أن ينتج عن هذه الأفعال أدنى مسؤولية مدنية بالتعويض على عاتق مرتكبها وبتعبير أخر فان فعل صادر عن مدافع وفي حدود استعماله لحقه في الدفاع الشرعي يعد فعلا مباحا وتنجر عنه مسؤولية شخصية ويبرز هذا خصوصا في انعدام المسؤولية المدنية على مستوى الفعل الشخصي أيضا على مستوى المسؤولية عن فعل الأشياء(1).











المطلب الثاني: انتفاء المسؤولية الجنائية:

تنعدم المسؤولية الجنائية مادام الفعل قد أصبح مشروعا أي تزول عنه الصفة الجرمية، وهذا يعني انه كلما كان الفعل مشروعا كلما كانت مؤاخذته غير مشروعة حيث انه لا يمكن مساءلة المدافع جنائيا عن فعل مشروع صادر عنه في حدود حقه في الدفاع الشرعي، وبالتالي لا عقوبة مطلقا على من قتل غيره أو ضربه أو أصابه بجروح أثناء استعماله حق الدفاع الشرعي ودون تجاوز لهذا الحق والأثر المباشر هنا هو انه لا يترتب على هذه الأفعال أية مسؤولية ولا يعاقب عليه المدافع مادام الفعل مشروعا وبتعبير أخر فان فعل المدافع بقتله أو جرحه أو ضربه للمعتدي يكون فعلا مشروعا ومباحا حيث أن من أسباب الإباحة هنا أسباب مادية ملموسة ذات طبيعة موضوعية، ويشترط توفرها في الواقع الملموس التي ترتب أثارها بإزالة الصفة الإجرامية عن الفعل واعتباره فعلا مشروعا وما يستتبع ذلك من عدم قيام المسؤولية الجنائية فلا توقع عقوبة أو أية أثار جنائية أخرى على من يستفيد منها، وبتعبير أدق فانه تزول الصفة الإجرامية عن الأفعال السبق أن حرمتها قواعد التجريم و بالتالي يصبح الفعل المجرم بعد أن كان غير مشروع مبررا ومثال ذلك أفعال القتل أو الجرح او الضرب للدفاع عن النفس او الغير او المال او مال الغير كذلك كل افعال القتل والجرح والضرب المرتكب لدفع اي اعتداء على حياة الشخص او سلامة جسمه او لمنع تسلق الحواجز او الحيطان او مداخل المنازل....الخ.
وكذلك الفعل المرتكب للدفاع عن النفس او الغير ضد مرتكبي السرقات او الذهب بالقوة.
أي أن هذه الأفعال تعد مشروعة ومباحة ولا يمكن مساءلة الشخص القائم بها(1).
ولكن في المقابل يمكن مسالة الفاعل جنائيا وذلك في صورة الأفعال التي تصدر من المعتدي عليه بعد انتهاء الاعتداء حيث انه في مثل هذه الظروف لا نكون بصدد تجاوز حق الدفاع الشرعي وإنما بصفة جريمة يعاقب عليها القانون الجنائي، اذ ان المعتدي ليس في حالة تجاوز لحدود الدفاع الشرعي وإنما فعله ذلك يعد انتقاما يستحق عليه العقاب كمالا وبالتالي يسال جنائيا عن فعله ومثال ذلك أن يتجاوز المدافع حدود حقه بسوء النية إذ لم يعد للمعتدي عليه هدف هو الداع عن النفس او المال بل تحقيق نتيجة إجرامية أي ان يكون في حالة الأخذ بالثأر بحيث ينتهز المدافع فرصة نشوء حق الدفاع الشرعي له فيتمادى ويبالغ في استعمال حقه ومبتغيا التخلص من المعتدي أو إتلاف أم



(1) رضا فرج، المرجع السابق، ص 173 و 174.
(2) علي راشد القانون الجنائي المدخل والأصول النظرية العامة، الطبعة الثالثة. دار المنهجية العربية القاهرة سنة1974. ص 547.
(1) علي راشد، المرجع السابق، ص574 و 548.
(2) المرجع نفسه، نفس الصفحة.
(1) رضا فرج، المرجع السابق، ص 174.
(1) علي راشد، المرجع السابق، ص 549.
(2) المرجع نفسه، نفس الصفحة.
(1) كمال البلطي، حول الدفاع الشرعي، الجمعية التونسية القانون الجنائي، بدون سنة، ص 112.
(1) كمال البلطي، المرجع السابق، ص 112 و 113.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه