ملخص رسالة دكتوراه آثار العقد الإداري في الفقه والنظام وتطبيقاته القضائية

0
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وله الشكر والثناء الحسن أولاً وآخراً، ظاهراً وباطناً، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، أما بعد :
       يعتبر العقد الإداري في هذا العصر جزءاً أساسياً من أجزاء التنظيم الاقتصادي والاجتماعي للدول بدلاً من القرار الإداري، وذلك يعود إلى عدة أمور منها: أن الأسلوب التعاقدي سهل وبسيط، بخلاف القرار الإداري الذي مع كونه يتميز بالصرامة لا يتكيف بسهولة مع مشاكل الأفراد، كما هو الحال في العقد الذي يقوم على التفاهم والاتفاق مع الإدارة، مما جعله الآن الأداة الوحيدة التي ترتب أفضل النتائج المرجوة خصوصاً في المجال المالي لقيامه على مبدأ الرضا، ولكونه يحقق الأهداف بسرعة، وهذا ما تسعى إليه الدول لارتباط خططها العامة بأوقات محددة.
أ -  أسباب اختيار الموضوع :
السبب الأول :
       أنني لم أجد أن هناك من كتب في هذا الموضوع في جانب الفقه الإسلامي، مع أنه غني بالمادة العلمية التي قد تغني أصحاب الشأن عن اللجوء إلى ما كتبه شراح النظم في الدول الأخرى التي تختلف بيئتها وأعرافها وظروفها عما هو سائر في المملكة، وقد يستفاد منها غيرهم وخبرة المملكة في ذلك نموذج عظيم يدل دلالة واضحة على عظمة ذلك الفقه .. وأهمية بحوثه وقواعده وجدارتها بالاعتناء.

السبب الثاني :
       تعتبر آثار العقد الإداري من الموضوعات المهمة في النظام السعودي والتي لها وقع عملي كبير، ولم يسبق حسب علمي أن بحث هذا الموضوع في النظام السعودي لاسيما وأن المملكة تعتبر من الدول المتقدمة جداً في بناء كيانها النظامي، ومن الدول التي تعتني اعتناء كبيراً بالجوانب الاقتصادية والمالية كما أنها من الدول الحديثة التي خرجت في بناء كيانها عن نظرية الدولة الحارسة، وكان لها نشاطاً كبيراً في المجالات الاقتصادية والتجارية والاجتماعية الأمر الذي دعاها إلى الأخذ بأسلوب العقد، خصوصاً عندما يكون الأمر فيه تدخل في الحريات والحقوق الشخصية؛ لأنه ليس هناك في الغالب طريق سوى العقد إلا القرار الفردي، وهذا الأسلوب قد يتصف بالصرامة غير المرغوب فيها في مثل تلك التصرفات، لذلك فإن دراسة هذا الموضوع في ظل الانفتاح الكبير للاقتصاد السعودي، وقيام الدولة بدور كبير في رعاية هذا الأمر يعتبر من الأمور الجديدة الجديرة بالاهتمام.
السبب الثالث :
       أن هناك من يزعم أن الفقه الإسلامي لا يمكنه مواكبة ما حدث ويحدث في العالم من تطور، وأن كثيراً من النظريات خصوصاً نظريات النظام الإداري كانت من إنشاء مجلس الدولة الفرنسي، ومن تلك النظريات نظرية العقد الإداري، ومع ذلك اقتنع بذلك كثير من الكتاب ورددوا هذه المقولة في كتاباتهم، لذلك رأيت أنه يجب تبيين هذا الأمر، وأن العقد الإداري لم يكن فقط من ابتداع مجلس الدولة الفرنسي بل سبقه فقهاء الشريعة الإسلامية بقرون، لاسيما فيما يتعلق بآثار العقد.

السبب الرابع :
       معلوم أن أعمال الدولة إما أن تكون مادية أو نظامية والمادية ليس لها في الغالب آثار نظامية، بخلاف النظامية التي تقوم بدور مهم وكبير في تنفيذ الدول لاستراتيجياتها وخططها العامة التي تهدف إلى ضمان الحياة الكريمة لشعوبها وضمان استمرار سير المرافق العامة بانتظام واطراد، وتلك الأعمال النظامية تتنوع إلى نوعين رئيسين القرارات الإدارية، وقد سبق بحثها في مرحلة الماجستير، والعقود الإدارية التي يعتبر محل البحث فيها جوهر النظرية العامة للعقد الإداري وأهم بحوثها.
السبب الخامس :
       أنني ممن يعمل في القضاء الإداري، وخصوصاً ما يتعلق بالعقود الإدارية، وأعلم مدى ما يعانيه من يتولى مثل ذلك العمل عند البحث عن المادة العلمية مع قلة النصوص النظامية في المملكة التي تحكم موضوع العقود الإدارية وعموم الموجود منها. وأعلم أيضاً مشكلات العقود الإدارية التي تظهر عند التنفيذ، وقد نصحني كثير من الأخوة بالكتابة في هذا الموضوع.

ب  -  الدراسات السابقة  التي تناولت الموضوع :
       تعرض شراح النظم لأحكام العقد الإداري في ثنايا كتبهم عن القضاء الإداري بكتابات يسيرة، ومعظمها يتعلق بالاختصاص القضائي ومعيار التفرقة بين العقد الإداري والعقد الخاص.
       وقد ظهرت في الوقت الحاضر بعض الكتب حول الأسس العامة للعقد الإداري في القانون وفي القضاء تعرضت لموضوع آثار العقد الإداري بشكل يتناسب مع حجم المؤلف، فمثلاً كتب القانون والقضاء الإداري تعرضت له بإيجاز، والكتب التي خصصت لدراسة العقد الإداري لم أر كتاباً أعطى الموضوع حقه، لاسيما فيما يتعلق بمشكلات التنفيذ، ودقائق الموضوع التي غالباً ما تكون محل نزاع بين أطراف العقد، ومع هذا كله فإنه يلحظ بشكل واضح أن المادة العلمية لتلك الكتب مستقاة من نصوص القانون الفرنسي، أو ما كتبه شراحه أو من الأحكام والمبادئ التي قررها مجلس الدولة الفرنسي وأكثر تلك الكتب باللغة الفرنسية، وأما الكتب العربية فقليلة، ومن أهمها بل الذي يحتل الصدارة ما كتبه الدكتور سليمان الطماوي في الأسس العامة للعقود الإدارية، ويعتبر أيضاً ترديداً لما ورد في أحكام مجلس الدولة الفرنسي وهذا واضح من صياغته، بل قد صرح كاتبه بذلك حيث قال: «وهذا المؤلف كما يدل عليه اسمه يستهدف غرضاً رئيسياً، هو رسم الأسس العامة التي تقوم عليها نظرية العقد الإداري كما صاغها القضاء الإداري الفرنسي» أ.هـ.
       ولم أجد من كتب في آثار العقد الإداري في الفقه، كما لم أجد من كتب فيها في النظام السعودي سوى ما كتبه د. محمود عاطف البنا، في العقود الإدارية، وهو عبارة عن تعليق بسيط على نظام مشتريات الحكومة ولائحته التنفيذية، وعقود التوظف واستغلال الثروة الطبيعية، وليس بحثاً هدفه دراسة آثار العقد الإداري في النظام السعودي، ولم يتعرض لكل آثار العقد، كما لم يتعرض أيضاً لمسائل الموضوع الدقيقة التي يحتاج لها كل مهتم بالموضوع، كما لم يرد فيه تطبيقات قضائية مع أن نظرية العقود الإدارية عند أهل القانون صنعها القضاء الإداري ولا زال يرعاها.
       ولم أجد أيضاً أن أحداً من الكتاب قام بدراسة آثار العقد الإداري من خلال أحكام القضاء الإداري السعودي، وقد يصعب على الكثير الكتابة في هذا المجال نظراً لحداثة القضاء الإداري في المملكة، وعدم نشر أحكامه خصوصاً بعد أن أصبح قضاء مستقلاً في عام 1402هـ، وبعد أن أصبح قضاء مطلقاً لا مقيداً بعد نفاذ قواعد المرافعات والإجراءات أمام ديوان المظالم الصادرة عام 1409هـ.
ج -  تقسيمات الدراسة في الموضوع :
       وقد تم دراسة الموضوع من خلال خطة عامة تم إعدادها بشكل متناسق بأن جعلتها تتكون من: مقدمة وتمهيد وخمسة أبواب وخاتمة. وخصصت التمهيد لبيان حقيقة العقد الإداري ببيان تعريفه ومعيار تمييزه عن عقود الإدارة الأخرى، وتمييزه من تصرفات الإدارة الأخرى، وبيان تكييف العقد الإداري وما يترتب عليه.
       وأما الباب الأول: فقد جعلته لبيان التزامات المتعاقد وحقوقه، وتتمثل التزامات المتعاقد في تنفيذ العقد على مسؤوليته الخاصة. والالتزام بمبدأ حسن النية، والتنفيذ الشخصي, والتنفيذ وفقاً لنصوص العقد والوثائق المرفقة به.
       وحقوقه تتمثل في احترام الإدارة لالتزاماتها العقدية، والحصول على المقابل المالي وضمان التوازن المالي للعقد.
       وأما الباب الثاني: فقد جعلته لبيان التزامات الإدارة وحقوقها، وتتمثل التزامات الإدارة في تنفيذ العقد بمجرد إبرامه من السلطة، وتمكين المتعاقد من تنفيذ التزاماته، والالتزام بمبدأ حسن النية، ومعاونة المتعاقد على تنفيذ التزاماته، وتنفيذ العقد بأكمله، واحترام المدد المقررة بالعقد، وتسليم المقابل المالي في المواعيد المحددة.
       وتتمثل حقوق الإدارة في الرقابة والإشراف، وتعديل العقد، وحقها في توقيع الجزاءات مباشرة.
       والباب الثالث خصص لدراسة آثار العقود الإدارية بالنسبة للغير، وتناولت الدراسة بيان الأعباء التي تفرض على الغير وحقوقه المقابلة لها، ومبررات امتداد آثار العقد الإداري إلى الغير.
       والباب الرابع: خصص لدراسة الأثر الجزائي لمخالفة أحكام العقد، وتناولت الدراسة بيان الأثر الجزائي لمخالفة المتعاقد لأحكام العقد، ويشتمل على الجزاءات المالية، والجزاءات المادية ـ وسائل الضغط ـ، وفسخ العقد، والجزاءات الجنائية.
       كما تناولت الدراسة بيان الأثر الجزائي لمخالفة الإدارة لأحكام العقد، والمتمثلة في التعويض، والفسخ القضائي للعقد، وعدم تحمل المتعاقد آثار القرارات غير المشروعة مع عدم التعرض لها بالإلغاء، وإعفاء المتعاقد من الغرامات.
       وخصص الباب الخامس لعرض التطبيقات القضائية من واقع أحكام ديوان المظالم، وهي عبارة عن عشرين حكماً تم عرض وقائعها وأسبابها ومنطوقها، ثم جعل لكم حكم تحليل موضوعي بين فيه ارتباطه بموضع الدراسة.
       وقد اتبع في تناول الموضوع المنهج المتبع في البحوث الشرعية والقانونية.
د - نتائج الدراسة :
       وقد انتهيت من دراسة الموضوع بعد الوصول إلى النتائج التالية :
1-         إن العقد الإداري عقد بكل ما تعنيه كلمة عقد، ويقصد به التزام نفع عام بارتباط الإيجاب والقبول.
2-   آثار شراح الأنظمة أشكالاً حول تمييز العقد الإداري، وترتب على ذلك خلاف طويل حول معيار تمييز ذلك العقد، انحصر الخلاف في ثلاثة أقوال، أجمعت على أن من أهم عناصر تمييز العقد الإداري: أن تكون الإدارة طرفاً في العقد، بالإضافة إلى تعلق العقد بتسيير المرفق العام، واستخدام الإدارة وسائل القانون العام وذلك بتضمين العقد شروطاً استثنائية، إلا أن الخلاف دار حول الجمع بين تعلق العقد بتسيير المرفق العام مع استخدام الإدارة وسائل القانون العام، فذهب بعضهم إلى وجوب اجتماعهما وذهب البعض الآخر إلى الاكتفاء بواحد منهما.
وهذا الإشكال لا وجود له في الفقه الإسلامي نظراً لوضوح قواعد المصلحة العامة، وقد كانت الفائدة التي ينشدها شراح الأنظمة من إيجاد معيار تمييز العقد الإداري معرفة الاختصاص القضائي والقواعد المطبقة، وقد اتضح أنه في المملكة العربية السعودية أسند الاختصاص بنظر جميع العقود التي تبرمها الحكومة إلى ديوان المظالم، سواء كانت عقوداً إدارية أو عقوداً من عقود الإدارة الخاصة، وأما القواعد المطبقة فقد اتضح أن تمييز العقود الإدارية بقواعد خاصة ليس من قبيل التمييز الذي يعطيها استقلالاً تاماً عن نظرية العقد بوجه عام، بل تدخل ضمن نظرية العقد، وإن تميزت ببعض الأحكام فهو بسبب لا يعود إلى أصل العقد بل إلى بعض الآثار التي لا تحدث إلا بعد انعقاده.
3-   العقد الإداري يعتبر قسيم القرارات الإدارية من حيث كون كل منهما عمل نظامي يصدر من الجهات الإدارية، إلا أنه اتضح أن بينهما اختلاف في عدة أمور: فالأنظمة لا يطبق منها في مجال العقود إلا التي أبرمت العقود في ظله بخلاف القرارات فتطبق الأنظمة بأثر مباشر على المراكز النظامية التي نشأت بموجبها، كما أن العقود الإدارية تنشأ بتلاقي إرادتين، بخلاف القرارات التي تصدر بإرادة الإدارة المنفردة  كما أن هناك بعض الأعمال لا يمكن أن تكون محلاً للعقود الإدارية، كما هو الحال بالأعمال المتعلقة بالضبط الإداري، كما أن القرارات الإدارية تتعدى آثارها إلى الغير أما العقود الإدارية فالأصل أن آثارها لا تمتد إلى الغير. كما أن المسؤولية في مجال العقود الإدارية تعتبر عقدية، أما في نطاق القرارات الإدارية فهي من قبيل المسؤولية التقصيرية، كما أن مضي المدة على الأوامر الخاطئة المتعلقة بتنفيذ العقد لا يعطيها مرور زمن معين حكم الأوامر الصحيحة، بخلاف القرارات الإدارية التي تتحض بمضي المدة. كما إن هناك اختلاف بين العقود الإدارية والقرارات الإدارية من حيث تكييف الدعوى القضائية، ففي مجال العقود الإدارية تكون الدعوى عقدية تدخل ضمن القضاء الكامل، إما لطعن في القرارات فتدخل ضمن دعاوى الإلغاء.
4-   الأعمال المادية تعتبر عملاً يصدر من الإدارة، كما هو الحال في العقود، إلا أنها ليست كالعقود الإدارية من قبيل الأعمال النظامية، ولهذا أثر في التطبيق العملي، كما أن العقود الإدارية لا تكون إلا بشكل إيجابي بخلاف الأعمال المادية، فقد تكون إيجابي أو سلبي ويترتب على الأعمال الخاطئة في مجال العقود الإدارية قيام المسؤولية العقدية، بخلاف الأعمال المادية التي يترتب على الأعمال الخاطئة في مجالها قيام المسؤولية التقصيرية.
5-   اتضح أن العقد الإداري عقد بكل ما تعنيه كلمة عقد، وإن كان هناك ثمة أمور لحظ من خلالها الشراح أن هذه العقود لها تميز عن نظرية العقد بوجه عام، كعدم السماح للمتعاقد بمناقشة ما تضمنته دفاتر الشروط والمواصفات، بالإضافة إلى وجود قيود على اختيار المتعاقد ذاته وأخيراً وجود سلطات خطيرة في مواجهة المتعاقد، إلا أن هذه الأمور بإجماع الشراح لا تخرج هذا التصرف عن نطاق العقود، إنما تميزه عن بقية العقود، لهذا يبقى ما ذكره الشراح مجرد نشاط ذهني في مجال الدراسات النظرية.
6-   العقد الإداري يرتب حقوقاً والتزامات لطرفيه، يكاد الناس يجمعون عليها، وإن اختلفوا في تقسيمها وترتيبها؛ لأن كل واحد ممن يتصدى لبيان تلك الآثار يرتبها بحسب وجهة نظره، والزاوية التي ينظر من خلالها، والجوانب التي يركز عليها.
7-   الالتزامات التي تقع على عاتق المتعاقد مع الإدارة متعددة ومتنوعة، ويمكن ترتيبها وتصنيفها بأساليب وطرق كثيرة، فقدرها بعضهم سبعة وبعضهم خمسة، وبعضهم جعلها أربعة، ومنهم من جعلها ثلاثة، إلا أن الدراسة تمت على أساس أنها أربعة :
أ – تنفيذ العقد على مسؤوليته الخاصة أثناء العقد، فيتحمل النتائج الضارة التي تلحق بالإدارة أو الغير بسبب أعمال التنفيذ سواء حدث منه أو من تابعيه أو من الآلات المستعملة، وكذلك تمتد مسؤوليته الشخصية حتى بعد تنفيذ الأعمال وتسليمها تسليماً حقيقياً أو حكمياً، فيضمن العيوب التي تلحق بالأعمال خلال سنة من التسليم الابتدائي للأعمال، وهذه المسؤولية تشمل العيوب البسيطة التي تظهر في الأعمال، بشرط ألا تكون بسبب سوء الاستعمال، أما ضمان الأعمال مدة طويلة كما هو الحال بالضمان العشري فلا يشمل إلا المتهدم الكلي أو الجزئي، وهذا يعتبر ضماناً للخلل الكبير الذي يؤثر على سلامة مستعملي المباني والمنشآت أو الآلات .. الخ.
ب- الالتزام بمبدأ حسن النية حال التنفيذ بأن يبذل الجهد في تنفيذ العقد حسبما تم الاتفاق عليه، دون التمسك بحرفية نصوص العقد، مع بذل العناية المطلوبة في تنفيذ الأعمال، وتوخي الدقة والحذر لتجنب كل ما من شأنه إلحاق الضرر بالإدارة المتعاقدة.
ج- التنفيذ الشخصي للعقد، وهذا يتطلب أن يقوم بالعمل بنفسه فلا يسند القيام بالعمل إلى مقاول من الباطن أو يتنازل عن العقد إلى شخص آخر إلا بإذن من الإدارة، ويختلف هذا الالتزام حسب مستوى الاعتبار الشخصي للمتعاقد، فإن كانت شخصية المتعاقد ذات اعتبار عند الإدارة المتعاقدة كان هذا الالتزام التزام بتحقيق غاية أما إذا لم تكن كذلك فيكون الالتزام ببذل عناية.
ج- التنفيذ وفقاً لنصوص العقد والوثائق المرفقة به، ونصوص العقد هي المدونة في صكه، والوثائق المرفقة به هي غالباً وثائق إجراءات التعاقد، وهي الإعلان في الجريدة الرسمية عن المشروع، الخطابات الموجهة للأشخاص العروض، محاضر اللجان، خطابات الترسية، كراسة الشروط والمواصفات العامة أو الخاصة، المراسلات المتبادلة ومحاضر الاجتماعات وأوامر التنفيذ.
8-   للمتعاقد مع الإدارة حقوق اختلف في تقسيمها، فقال بعضهم أربعة حقوق، وقال بعضهم أنها ثلاثة. بينما ذهب البعض إلى أنها اثنين، إلا أن الدراسة تمت على أساس أنها ثلاثة حقوق هي :
أ – احترام الإدارة لالتزاماتها العقدية سواء كانت التزامات أصلية أو تبعية، وهذا يعني أنه يجب عليها عدم القيام بأي عمل يتعارض مع صفتها كطرف في العقد.
ب- الحصول على المقابل المالي إذا ما قام بتنفيذ الأعمال، سواء كانت الأعمال منصوصاً عليها بالعقد أو الوثائق المرفقة به، أو كانت أعمال ضرورية لتنفيذ الأعمال، وهذا المقابل المالي الغالب فيه أنه من العملة الوطنية، وقد يكون بعملة أجنبية وقد يكون منفعة.
ج- التوازن المالي للعقد في حالة حدوث ظرف طارئ أو عمل من أعمال السلطة أو ظهور صعوبات غير متوقعة .. الخ وأدى ذلك إلى إلحاق الضرر بالمتعاقد مع الإدارة، بحيث اختلت حساباته التي قام بها في تحديد المقابل المالي.
9-   اختلف الشراح في تحديد التزامات الإدارة المتعاقدة، فذكر بعضهم أنها ثلاثة، وبعضهم قال أنها أربعة، ومنهم من قال أنها خمسة، وذهب بعضهم إلى أنها ثمانية، وتمت الدراسة على أنها ستة :
أ – تنفيذ العقد بمجرد إبرامه من السلطة المختصة، ولا يجوز لها التحلل من العقد بعد إبرامه، ولا التأخر في تنفيذه بما يؤدي إلى الإضرار بالمتعاقد معها.
ب- تمكين المتعاقد من تنفيذ التزاماته ويتمثل في القيام ببعض الأعمال من أهمها تسليم موقع العمل المحدد بالعقد، خالياً من العوائق، وعدم وقف عملية التنفيذ، وتسلم المواد والأصناف المتفق عليها، والمبادرة بالأعمال المؤثرة في حسن سير تنفيذ الأعمال.
ج- الالتزام بمبدأ حسن النية، ومعاونة المتعاقد على تنفيذ التزاماته، فلا تتمسك بحرفية نصوص العقد، أو تستند إلى سلطات لتحقيق مصالحها دون مراعاة مصالح المتعاقد معها، وما يحيط بعملية التنفيذ من ظروف وملابسات، ويظهر التزام الإدارة بمعاونة المتعاقد معها عندما يحتاج المتعاقد إلى معاونتها أمام الجهات الإدارية الأخرى، فيما يتعلق بالتدخل لتسهيل الحصول على التصاريح اللازمة للعمل، أو استعمال أجهزة معينة أو دخول أماكن معينة.
د- تنفيذ العقد بأكمله، فلا تستطيع التحلل من العقد بزيادة الأعمال، أو إنقاصها عن النسبة المحددة نظاماً، أو إنهاء العقد لمجرد التحرر من الالتزامات، أو تقوم بمخالفة الشروط والمواصفات التي لها مساس بحقوق المتعاقد معها الرئيسية.
هـ- احترام المدد المقررة بالعقد سواء كانت المدة الكلية لتنفيذ العقد، أو المدد الجزئية لتنفيذ بعض الأعمال، أو تسليم المواد أو الأصناف أو التصاريح أو مدد تسليم المواقع أو الضمان أو تسليم المقابل المالي احترامها وفقاً لما نص عليه العقد أو ما يقرره العرف، أو ما يتفق وقواعد العدالة.
و- تسليم المقابل المالي، وهو من أعظم الالتزامات الناشئة عن العقد لما له من أثر عظيم على إبرام العقد وتنفيذه، وتعويض المتعاقد عن آثار تأخير تسليم المقابل المالي إن ترتب عليه إضرار به.
10-  تتمثل حقوق الإدارة المتعاقدة الناشئة عن العقد في ثلاثة حقوق: الرقابة والإشراف. تعديل العقد. توقيع الجزاءات.
11-  حق الرقابة والإشراف وهو الذي يمكن الإدارة من التأكد من أن المتعاقد معها يقوم بتنفيذ العقد وفقاً لما تم الاتفاق عليه، وتوجيهه للتنفيذ بأنسب الطرق.
12-  حق تعديل العقد بما يحقق المصلحة العامة وفقاً للنسب المحددة في العقد والنظام، مع قصر ها الحق على الشروط العقدية المتصلة بالمرفق العام، مع لزوم مراعاة مبدأ المشروعية.
13-  حق الإدارة في توقيع الجزاءات مباشرة على المتعاقد معها دون اللجوء إلى القضاء، فهو وسيلة لتطبيق أحكام العقد المتعلقة بالجزاءات غير الجنائية التي تقع على المتعاقد إذا أخل بالتزاماته.
14-  حق الإدارة في إلغاء العقد الإداري بإرادتها المنفردة دون خطأ من المتعاقد معها حق ثابت، ولو لم ينص عليه، وإن خالف في ذلك البعض، ويشترط له أن يكون بقصد تحقيق المصلحة العامة، كزوال الغرض الذي أبرم العقد من أجل تحقيقه، أو إعادة تنظيم المرفق العام بما يتلاءم مع التطورات العلمية الحديثة .. أما الأسباب العقدية والدينية والشخصية والمهنية والنقابية فلا يجوز أن تكون سبباً لإلغاء العقد. كما يشترط أن يراعى مبدأ المشروعية عند إلغاء العقد.
15-  يذكر الشراح أن العقد الإداري قد تمتد آثاره إلى الغير، فيفرض عليه أعباء يقابلها حقوق، فالأعباء التي تفرض على الغير من أشهرها تفويض المتعاقد في ممارسة بعض مظاهر السلطة العامة، أو استثناء من قاعدة المساواة أمام التكاليف العامة، أو منحه امتياز التقاضي.
أما حقوق الغير. فقد تكون منصوصاً عليها وهي كثيرة منها: ما يكون الشرط من قبل الإدارة لصالح العمال، أو الناس المجاورين لمواقع العمل، وقد لا تكون منصوصاً عليها، كما هو الحال في امتياز المرافق العامة، حيث يكون لهم حقوق في مواجهة الملتزم، كالحصول على الخدمة والمساواة في ذلك، ومقاضاة الملتزم وقد اختلف شراح الأنظمة في مبررات امتداد هذا الحق إلى الغير، فقال بعضهم أنه الاشتراط لمصلحة الغير، وقيل إنه يعود إلى فكرة الطبيعة الذاتية للعقود الإدارية، وقيل بل إن لكل حالة مبرر خاص.
وفي الفقه الإسلامي انتهينا إلى أنه في حالة النص على تلك الحقوق والأعباء يكون المبرر نص العقد، وفي حالة عدم النص يكون المبرر ضرورة تقديم المصالح العامة على المصالح الخاصة.
16-  في الباب الأول والثاني والثالث تم بسط آثار العقد الإداري بحيث تمت دراسة حقوق والتزامات كل من الإدارة المتعاقدة والمتعاقد معها وامتداد آثار العقد الإداري إلى الغير.
وفي الباب الرابع تم عرض الأطر العامة للجزاءات التي تفرض على أطراف العقد عند مخالفة أحكامه.
17-  الجزاءات التي توقع على المتعاقد مع الإدارة إذا أخل بالتزاماته العقدية، إما أن تكون جزاءات مالية أو مادية أو فسخ العقد أو جزاءات جنائية.
18-  الجزاءات المالية التي تطبق على المتعاقد مع الإدارة هي الجزاءات الشائعة والأكثر استعمالاً، ويقصد منها حث المتعاقد على تنفيذ التزاماته وليس الإثراء المالي فحسب، وهي إما أن تكون على شكل تعويضات تجبر الضرر، وتحث المتعاقد مع الإدارة على إنجاز الأعمال، وقد يترك قدر الضرر يقدر حسب القواعد العامة، وقد ينص في العقد على مقداره وهو ما يسمى بالشرط الجزائي، وعند الاختلاف يترك الأمر للقضاء للتدخل بما يحقق العدالة، وقد أنكر البعض مشروعية الشرط الجزائي في العقود الإدارية، وقد تكتفي الإدارة بمجازاة المتعاقد بمصادرة الضمانات البنكية، وقد يكون بفرض غرامات تأخير، أو غرامات تقصير بالنسب المحددة بالعقد.
19-  تستطيع الإدارة أن ترغم المتعاقد على تنفيذ العقد، وذلك بأن تحل محله في التنفيذ، أو أن تعهد به إلى غيره، وهذا الجزاء هو التنفيذ العيني للعقد وتختلف تسميته بحسب العقد، فيسمى في عقد الالتزام: وضع المرفق تحت الحراسة، وفي عقد الأشغال العامة: وضع المقاولة تحت الحراسة المباشرة. وفي عقود التوريد الشراء على حساب المورد.
20-  فسخ العقد بالإرادة المنفردة لجهة الإدارة جزاء خطير لا تستعمله الإدارة إلا في حالة حدوث إخلال جسيم من المتعاقد مع الإدارة. وذهب البعض إلى أن هذا الفسخ لا يرد على إسقاط الالتزام، إذ لا يكون ذلك إلا بحكم قضائي، ويشترط لهذا الفسخ حدوث خلل جسيم من المتعاقد، وإنذار المتعاقد مع الإدارة ليتلافى دواعي الفسخ، أو يتدبر أمور الإخلاء الموقع، ويترتب على الفسخ إنهاء الرابطة العقدية، وتحمل الملتزم جميع الأعباء المالية التي تتحملها الإدارة، أما في العقود الأخرى، فإذا كان الفسخ مجرداً لا يتحمل المتعاقد مع الإدارة أية أعباء، أما إذا كان الفسخ على مسؤولية المتعاقد مع الإدارة وهذا لا يكون إلا في حالة وضوح الإخلال الجسيم فإن المتعاقد، يتحمل كافة الأعباء المالية التي تقع على عاتق الإدارة.
21-  العقوبات الجنائية هي جزاء جنائي يقرره الشارع، ويوقعه القاضي على المتعاقد الذي يرتكب جرماً أثناء تنفيذ العقد، ولا يجوز للإدارة المتعاقدة إيقاعها على المتعاقد معها حتى لو نص في العقد على ذلك.
22-  الجزاءات التي توقع على الإدارة إذا أخلت بالتزاماتها متنوعة، منها: التعويض، وإلغاء القرارات غير المشروعة، والفسخ القضائي، وعدم تحمل آثار القرارات غير المشروعة، مع عدم التعرض لها بالإلغاء، وإعفاء المتعاقد من الغرامات.
23-  يعتبر التعويض من أهم الجزاءات في مجال إخلال المتعاقد بالتزاماته، ويؤدي دوراً كبيراً في العقود الإدارية، إذ فيه حث للإدارة على الوفاء بالتزاماتها، بالإضافة إلى جبر الضرر الذي لحق بالمتعاقد، وتجنبه الخسارة التي تعتبر من أسوأ الأمور عند التجار، ويشترط في التعويض أن يكون بسبب خطأ الإدارة، أو تقصيرها، وأن يثبت هذا الضرر.
24-  إلغاء القرارات غير المشروعة في حقيقته هو جزاء لعدم مراعاة الإدارة لمبدأ المشروعية، إلا أنه لما كان بشأن عمل من الأعمال المتعلقة بتنفيذ العقد فإن قيام القضاء بإلغاء تلك القرارات يعتبر جزاء من الجزاءات.
25-  الفسخ القضائي هو إنهاء الرابطة العقدية من قبل القاضي، بناء على طلب أحد الطرفين ولا يكون الفسخ بوجه عام إلا إذا كان الإخلال أو التقصير جسيماً، بحيث يؤثر على المتعاقد مع الإدارة بشكل كبير، ولا يمكن التعامل مع ذلك الإخلال أو التقصير بأي وسيلة من وسائل رفع الضرر، أو الجزاءات الأخرى.
26-  عدم تحمل المتعاقد آثار القرارات غير المشروعة، مع عدم التعرض لها بالإلغاء هو جزاء مخالفة مبدأ المشروعية، إلا أنه من شأنه أن يؤثر على عملية تنفيذ العقد، وقد يكون من شأنه حدوث ضرر بالمتعاقد، وقد يلحق بالإدارة أيضاً، أضرار متى أخذ المتعاقد معها موقف الرافض لهذه القرارات، فتتحمل الإدارة نتيجة قراراتها طالما خالفت مبدأ المشروعية.
27-  إعفاء المتعاقد مع الإدارة من الغرامات يكون متى كان التأخير أو التقصير في القيام بالالتزام لأسباب لا يد للمتعاقد فيها، سواء كان بسبب الإدارة، أو لأسباب أخرى خارجة عن إرادتها، ويعتبر من الجزاءات التي تفرض على الإدارة، إذا كانت هي السبب في حدوث التأخير أو التقصير الذي أدى إلى فرض الغرامات.
وقد اتضح من خلال هذه دراسة هذا الموضوع نتيجة مهمة وهي : أنه لن يكتب للمسلمين النجاح ولا الفلاح إلا بالرجوع إلى دينهم والتمسك به عقيدة وشريعة، قولاً وعملاً، ولا صلاح لهم ولا إصلاح إلا في ظل مبادئ الدين الحنيف وقواعده وأحكامه وتطبيقها في جميع مجالات الحياة؛ لأن الإسلام كما أخبر الإله ـ سبحانه وتعالى ـ، دين كامل لا يقبله إلا كاملاً، أما إن آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه الأخر، فلا يكون جزاؤهم أقل من الذلة والمهانة والضياع والشتات والضعف والشقاق، يظلون غثاء كغثاء السيل إلى حين توبتهم إلى ربهم، ووفائهم له بعهده، وبذلك ينصرهم ويثبت أقدامهم ويؤلف بين قلوبهم، فيصيرون خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
       وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،،،
الباحـــث






المملكة العربية السعودية
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
الدراسات العليا
المعهد العالي للقضاء
قسم السياسة الشرعية



ملخص رسالة دكتوراه

آثار العقد الإداري في الفقه والنظام وتطبيقاته القضائية

رسالة لنيل درجة الدكتوراه في السياسة الشرعية

 

إعداد الباحث

عبد الله بن حمد السعدان


إشراف الأستاذ الدكتور

محمد الحسيني مصيلحي

الأستاذ بالمعهد العالي للقضاء


1424

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه