أركان جريمة إستغلال النفوذ في القانون الجزائري

0
أركان جريمة إستغلال النفوذ
بناءا على التعريف السابق لجريمة إستغلال النفوذ و من خلال نص المادة 32 من قانون مكافحة الفساد يمكن تحديد أركان هذه الجريمة و هي كمايلي:
الفرع الأول : الركن المادي
لا يختلف الفعل المادي في هذه الجريمة عن الفعل المادي في جريمة الرشوة سواءا بالنسبة للمتجر بنفوذه أو بالنسبة لصاحب الحاجة أو الضحية كذلك فإن كلمة العطية و الوعد والهدية والهبة لها نفس المعنى الذي وردت به في نص المادة 32 ق م ف .
و يتحقق الركن المادي إذا قام الجاني بطلب أو قبول عطية أو يتلقى هبة أو هدية أو أية منافع آخرى مقابل لإستعماله لنفوذه الحقيقي أو المفترض لدى السلطات العامة أو الجهة الخاضعة لإشرافها للحصول أو محاولة الحصول منها على مزية من أي نوع، فمجرد طلب الشخص و وعدا أو عطية لإستغلال نفوذه و رفض صاحب الحاجة طلبه تقوم به جريمة تامة لمجرد شروع .
و يلاحظ أنه لا قيام لجريمة إستغلال النفوذ إذا كان مقابل الفائدة التي حمل عليها الجاني هو إستعمال نفوذه لدى هيئة خاصة لا تخضع لإشراف السلطة العامة، و يجب كذلك أن تكون صور الركن المادي و هي (الطلب أو القبول أو أخذ الوعد أو العطية) يقصد تحقيق غرض من الأغراض التي نهى عليها القانون و هي : الحصول على مميزات أو مكافئات أو مراكز و وظائف أو خدمات أو أية مزايا تمنحها السلطة العمومية أو على صفقات أو مقاولات أو غيرها من الأرباح الناتجة من إتفاقات...إلخ (1)
و قد إستخدم المشرع الجزائري عبارات و هي معاني أو عبارات مشعة، و يجب عند تفسيرها التوسع في مدلولها، و هي تعبير في نفس الوقت عن إرادة المشرع بأن يعاقب الجاني و لو إستغل نفوذه في وظائف وضعية.
و التوسع في مدلول عبارة "مزايا " الواردة في النص و تتضمن كل قرار إيجابي صادر من السلطة العمومية يحصل عليه صاحب الحاجة عن طريق نفوذ الجاني بدلا من حصولها بالطرق المشروعة أو بالطرق القانونية.
وبالإيجاز إن العبارات المختلفة التي عددتها المادة 32 ق م ف إنما هي على سبيل المثال لا الحصر (2)
و رغم هذا التوسع في تحديد هذه المزية، يشترط أن تكون المزية من سلطة وطنية بحيث يخرج من نطاق النص إستغلال النفوذ للحصول على المزية من سلطة أجنبية فهذا الشرط يقتضي إذا أن تكون السلطة التي تعهد الجاني بالسعي لديها سلطة وطنية فلا تكون هناك جريمة إذا كان مقابل فائدة التي تلقاها الجاني هو التذرع بنفوذه للحصول على مزية من سلطة أجنبية كإحدى السفارات مثلا.
إذا المقصود من السلطة العمومية هي السلطة العامة الوطنية دون الأجنبية و هذا ما إستقر و أيده الفقه في هذا الشأن .
أما الشرط الثاني و هو أن تكون المزية التي يستهدفها الزاعم بالنفوذ هي مزية ممكنة التحقيق، و أن تكون السلطة التي يفترض فيها تخويل هذه المزية وجود حقيقي بحيث يخرج من نطاق هذا النص كل من يوهم آخر بأنه إرتكب جريمة و أنه يشتمل على حفظ التحقيق فيها مثلا إذ تدخل هذه الجريمة و ما شبهها إذا توفرت أركانها تحت جريمة النصب و ليست إستغلال النفوذ.





 

(1)- د محمود نصر – الوسيط في الجرائم المضرة بالمصلحة العامة – ص179 و180
(2)- د أحمد مطاطة –جريمة رشوة في فانون العقوبات الجزائري – ص 153
و لا يشترط لتحقيق هذه الجريمة أن يكون الجاني قد قام بمساعيه لدى الجهة التي إدعى بأن له فيها نفوذ، و ذلك ليبعث في إعتقاد صاحب المصلحة أن له نفوذا فيها، إذا لا يلزم لتوافر الجريمة أن يتذرع الفاعل بنفوذه لدى السلطة العامة نفسها، بل يكفي أن ينسب لنفسه نفوذا لدى جهة خاضعة لإشراف السلطة العامة متى كانت المزية مطلوبة للحصول عليها من تلك الجهة.
و يلاحظ أخيرا أن جريمة إستغلال النفوذ لا تقوم إذا كان مقابل الفائدة التي حصل عليها الجاني هو إستعمال نفوذه لدى هيئة خاصة لا تخضع لإشراف السلطة العامة، أو الجهات الخاضعة لها أو لإشرافها كما و لو كانت المنافع أو المزايا لدى الشركات أو مؤسسات أو ما شبههما.
الفرع الثاني: الركن المعنوي
من المتفق عليه أن جريمة إستغلال النفوذ هي من الجرائم العمدية و لقيامها يتطلب القصد و عناصره مع العلم و الإرادة و يكون ركن العلم أن ما تلقاه من فائدة أو قبوله الوعد بها كان لإستعماله نفوذه الحقيقي أو المزعوم و العلم بنوع المزايا التي يعد بالحصول عليها أو محاولة ذلك من السلطة العامة أما الإرادة تتمثل في الإتجاه إلى فعل الأخذ أو القبول، حيث تتم الجريمة بمجرد الطلب أو العرض فيما يمكن أن نسميه شروعا في جرائم آخرى(1).
كذلك يتوفر قصد الراشي إذا كان غرضه من تقديم العطية حمل صاحب النفوذ على الإتجار به أي السعي به لدى السلطة العامة لتحقيق ما يطلبه مقابل ما قدم إليه من فائدة أو وعد بها كما أنه تتجه إرادة المتهم إلى طلب أو أخذ العطية أو قبول الوعد بها و يقع عبء إثبات توافر القصد بعنصريه على سلطة الإتهام تطبيقا للقواعد العامة .
و بتوافر القصد فلا عبرة بنية المتهم إتجاه صاحب المصلحة فيكفي أن تتجه لبذل الجهود من أجل الحصول أو محاولة الحصول على ما وعد به أو إلى عدم بذل جهد في سبيل ذلك.
فالملاحظ في تجريم إستغلال النفوذ هو الغاية أو الغرض من تلقي الفائدة و هذه الغاية هي الإتجار بالنفوذ أو إستغلاله. (2)
و تتم الجريمة بمجرد أن يقبل صاحب النفوذ العرض و لو لم يكن ينوي القيام بإستغلال نفوذه فعلا، و سواء كان قادرا على إتمامه أصلا أم أنه غير قادر.
و لا تقوم الجريمة إذا كان صاحب النفوذ يجهل فعلا أن الهدية أو الهبة... كانت قد قدمت إليه بقصد إستغلال النفوذ، إذ يجب أن يعلم أن الهدية أو المنفعة قدمت له بهدف حمله على إستغلال نفوذه كما يشترط أن لا يكون العمل أو المصلحة داخلة ضمن إختصاص صاحب النفوذ . (3)
الفرع الثالث: الركن المفترض
يتذرع الجاني بنفوذ حقيقي أو مزعوم أي أنه له صلة ببعض أجهزة الدولة تمكنه من ممارسة الضغط عليها لإنجاز ما و هذا لا يشترط أن يكون الجاني موظفا عاما و لا يشترط أن يكون كذلك  النفوذ هنا حقيقي فهي واقعة حتى و لو كان النفوذ مزعوما . (4)
أ=النفوذ الحقيقي: و يتضمن إستغلال إساءة السلطة المخولة لمستغل النفوذ، كما أنه يأدي إلى الإثراء الغير المشروع للموظف صاحب النفوذ و السلطة إذا ما إتخذها سلعة يتجر فيها.





 

(1) -د فتوح عبد الله الشاذلي- مرجع سابق-191
(2)- د محمود نصر – مرجع سابق – ص 182 و183
(3) - د عبد الله سليمان-مرجع سابق-85
(4)- د أنور العمروسي –جرائم الأموال العامة و جرائم الرشوة – ص 251
فالجاني له علاقات قوية تربطه بالسلطة العامة أو الجهات الإدارية، بحيث يستطيع أن يؤثر على هذه الأخيرة لإتخاذ قرار لمصلحته في سبيل حصوله على مزايا أو وظائف. (1)
ب=نفوذ مزعوم: حين يتجر الجاني بالنفوذ على أساس موهوم و لا يقل إستحقاقا للعقاب على من يتجر بنفوذ حقيقي فهو يجمع بين الغش أو الإحتيال فهنا الجاني يعد محتالا على أصحاب المصالح لإلهامهم بنفوذه للإستلاء على أموالهم فهنا بجانب جريمة إستغلال النفوذ جريمة النصب.
و ليس بلازم أن يكون النفوذ المزعوم صراحة قد يكون ضمنيا يستفيد الجاني من الضروف أو أن يكون زعم النفوذ مدعما بمظاهر خارجية فهذا ليس شرط فقد قرر المشرع أن الجاني حين يتجه بالنفوذ المزعوم يجمع بين الغش و الإحتيال و الإضرار بالثقة الواجبة في السلطات العامة كما أنه يتحقق بمجرد توجه صاحب المصلحة متوهما أن لديه نفوذ معين لدى السلطات و عرض عليه عطية مقابل إستعمال النفوذ فتقاضيه للرشوة لم يكن إلا بناءا على النفوذ سواء كان مزعوما فهو لا يشترط أن يقترن بوسائل إحتيالية بل يكفي القول الإدعاء المجرد.  (2)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه