مقارنة بين جريمتي الرشوة و إستغلال النفوذ في القانون الجزائري

0
: مقارنة بين جريمتي الرشوة و إستغلال النفوذ
سنتطرق في هذا المطلب إلى البحث عن مدى الفصل بين الجريمتين و نقاط التشابه بينهما في فروع منفصــلة.
إن هناك تشريعات تربط إستغلال النفوذ بالرشوة و هناك تشريعات آخرى تفصل بينهما، فإلى أي مدى يمكن الفصل بينهما و هل تقوم علاقة بينهما؟
و بما أن جريمة إستغلال النفوذ هي الجريمة التي يتاجر فيها الجاني بنفوذه فإن جريمة الرشوة هي جريمة الموظف العام الذي يتاجر بوظيفته و نلاحظ أن هناك تشابه بين الجريمتين يمكن إبرازه في النقاط التالية :
1=تشترك الجريمتان من حيث الخصائص و الأحكام فجريمة إستغلال النفوذ مثل جريمة الرشوة :
 أ=جانب إيجابي و هو صاحب الحاجة (الراشي) يسعى لإستغلال نفوذ صاحبه.
 ب=جانب سلبي هو مستغل النفوذ (المرتشي).
2= يقومان على نفس الأعمال المادية بقبول أو طلب المرتشي أو مستغل النفوذ للعطايا أو الوعود أو الهبات أو أية منافع آخرى.
3=الإساءة إلى الثقة العامة المتعلقة بسير الإدارة فالجاني بدلا من أن يستعمل هذه السلطة وفقا لما قرره القانون فإنه يستعملها وسيلة للإثراء الغير مشروع .
-لكن الواقع أن هناك فرقا أساسيا بين الرشوة و إستغلال النفوذ، فالرشوة في جوهرها إتجار في عمل وظيفي يختص به الموظف أو يزعم أو يعتقد خطأ أنه مختص به، بينما استغلال النفوذ هو التجار في سلطة حقيقية أو موضوعة للجاني , الذي لا يختص بالعمل الوظيفي الذي تلقى المقابل من اجله ولا يزعم اختصاصه أو يعتقد خطا بقيامه فمستغل النفوذ يمكن أن يكون شخص عاديا .
- و لمدى معرفة الفصل بين الجريمتين نقوم بتمييز الجريمتين منم خلال الطبعة القانونية و الأركان المكونة لها (الصفة) و الهدف(1) .
كمنا قد لخصت المحكمة العليا ما يميز استغلال النفوذ عن الرشوة تتحقق بوجه عام  في قرارها الصادر في 1981.06.11 حيث قضت بان :جريمة الرشوة تتحقق متى طلب الموظف أو من في حكمه أو استجاب لطلب يكون الغرض منه الارتشاء مقابل قيامه بعمل من لعمال وظيفته أو من شان وظيفته أن تسهل له أدائه في حين أن جريمة استغلال النفوذ تستلزم لتحققها أن يستغل الشخص نفوذه لدى إحدى المصالح العمومية لتمكين الغير من الحصول على فائدة أو امتياز  مقبل وعد أو عطاء أو هبة  أو هدية فلا يمكن أن يكون الفعل واحد في نفس الوقت .












 

(1)  -د فتوح عبد الله الشاذلي- مرجع سابق-186
الفرع الأول: من حيث الطبيعة القانونية
أن عقاب اتجار الأفراد بنفوذهم جريمة مستقلة عن الرشوة, فحالة اتهام المحكمة المتهم  بجريمة استغلال النفوذ حال كونه متهما بالرشوة فان هذه الإدانة تنطوي على تعديل التهمة  فقد نص المشرع الجزائري على قواعد و عقوبات جريمة استغلال النفوذ في المادة 32 من قانون مكافحة الفساد :يعد مستغلا للنفوذ و يعاقب بالحبس  من سنتين إلى عشرة سنوات و بغرامة مالية من 200000 دج إلى 1000000 دج لكل شخص يطلب أو يقبل عطية أو وعد أو يطلب أو تلقى هبة أو أية منافع أخرى و ذلك ليتحصل على أنواط أو ا وسمة  أو ميزات أو مكافئة أو مراكز أو وظائف أو خدمات أخرى أو أية مزايا تمنحها السلطة العمومية أو على صفقات أو مقاولات أو غيرها من الإرباح الناتجة عن اتفاقات مبرمة مع السلطة العمومية أو مع مشروعات استغلالية موضوعة تحت إشراف السلطة العمومية أو تلك الإدارة أو يحاول استصداره و يستغل بذلك نفوذا حقيقيا أو مفترض.
فإذا كان الجاني قاضيا أو موظف أو ذا وكالة نيابية تضاعف العقوبات المقررة .
 و نص على جريمة الرشوة في المادة 25 من قانون مكافحة الفساد يعد مرتشيا و يعاقب بالحبس من 02 إلى 10 سنوات و بغرامة مالية 200000 إلى 1000000دج كل من يطلب أو يقبل عطية أو وعد أو يطلب أو يتلقى هبة أو هدية أو أية منافع أخرى فما مدى الفصل بين هاتين الجريمتين و هل تقوم علاقة بينهما ؟
هناك تشريعات كالفرنسي و الاسباني و المصري  يربط استغلال النفوذ بالرشوة حيث أن مستغل النفوذ يعد في حكم المرتشي , فالفعل المادي المكون لاستغلال النفوذ هو كالفعل المادي المكون للرشوة ينحصر في أن يطلب الفاعل لنفسه أو لغيره أو يقبل أو يأخذ وعدا أو عطية فمجرد الطلب آو لقبول يتحقق الركن المادي حتى و لو يأخذ عطية فصاحب المصلحة يعتبر مثل الراشي لأنه يسعى إلى استغلال نفوذ صاحبه فجريمة استغلال النفوذ مثل جريمة الرشوة من حيث الجانب الايجابي و هو صاحب المصلحة و جانب سلبي و هو مستغل النفوذ.
و بما أن المشرع الجزائري اخذ عن القانون الفرنسي بان جريمة الراشي و هي ما يطلق عليها في الفقه  بالرشوة الايجابية و جريمة المرتشي وهي رشوة سلبية و هذا ما وضحه المشرع خلال التمييز بين جريمة الراشي في المواد 25 -26  -28 -40 من قانون مكافحة الفساد و على الجريمة التي يرتكبها المرتشي في الماد ة25 -26-27-2825قانون مكافحة الفساد.
الفرع الثاني: من حيث الهدف
تشترط المادة 32 من قانون مكافحة الفساد أن مستغل النفوذ لدى السلطات العامة أو لدى إحدى الجهات الخاضعة لرقابتها الإدارية و هو ما إستلزمه القانون صراحة، أي أن الجاني يمارس نفوذه من أجل الحصول على مزية لفائدة غيره و ليس من أجل حصول الجاني نفسه على مزية، و منه جريمة إستغلال النفوذ  هي جريمة الوسيط، فمستغل النفوذ حتى و لو زعم بنفوذه فإن المسألة تتحقق دون إشتراطه إقترانه بعناصر آخرى أو وسائل إحتيالية، فالجاني غير مختص بالعمل و لا يزعم و لا يعتقد بأنه خطأ.
و نلاحظ بأن المزايا التي يحاول مستغل النفوذ الحصول عليها هي واردة على سبيل المثال لا الحصر.
أما جريمة الرشوة  فالمشرع كان أكثر دقة في الرشوة الإيجابية حيث أوضحت المواد 25-26-27-28-40 من قانون مكافحة الفساد :






-         إما التوصل إلى عمل أو الإمتناع عنه.
-         أن يكون العمل من أعمال الوظيفة أو سهلته الوظيفة.
-         أن يكون الأداء لقاء منفعة تدخل في إختصاصات المرتشي ،  ومنه تكون المنفعة مادية أو معنوية .
·       المنفعة المادية : قد تكون مالا أو شيكا أو فتح إعتماد مالي لمصلحة المرتشي .
·       المنفعة المعنوية : كأن يصير وضع المرتشي أفضل من ذي قبل نتيجة لسعي الراشي كالترقية .
 وفي الأخير ، نلاحظ أن قانون العقوبات جاء على العموم بحيث شمل كا ما يصدر عن السلطات العمومية من أوامر وقرارات وأحكام ، ويكفي أن يكون للجهة أو الهيئة المعنية ، فالمقصود بالتجريم هو الأسلوب الغير شريف هدفه الإخلال لواجب النزاهة ، فالجريمة الواقعة سواء تحقق الغرض المطلوب أو لم يتحقق .
ونستخلص أنه في كل من الجريمتين ، الرشوة واستغلال النفوذ أن الغرض المنشود إليه معاقب عليه في كل الحالات ولا يهم إن تحققت النتيجة أو لم تؤدى، فالمهم هو الوسيلة المستعملة والمعاقب عليها.
وفي الغالب أن جريمة الرشوة تكون بهدف الإتجار بالوظيفة والإخلال بواجباتها وشرفها ، وقد كان تعبير المشرع عاما واسعا ومستوعبا أن كل إخلال يمس الأعمال التي يقوم بها الموظف وكل تصرف أو سلوك ينتسب إلى هذه الأعمال أو إنحراف عن الواجب أو الإمتناع عن القيام بالواجب .
الفرع الثالث : من حيث الصفة
إن المشرع يشترط صفة خاصة في المرتشي في جريمة الرشوة وهي أن يكون :
-         أن يكون موظفا عموميا أو من في حكمه أو خبيرا أو طبيبا أو ما شابههم .
-         أن يكون عاملا أو مستخدما .
فالقانون لم يشترط في الراشي أو الوسيط ولكنه إشترط في المرتشي أوصافا خاصة وهي على سبيل الحصر في المواد 25 ، 26 ، 27 ، 28 و 40 من قانون مكافحة الفساد ، معنى ذلك أن كل شخص مكلف بخدمة في وظيفة عمومية وهذه الصفة يجب توافرها وقت إرتكاب الرشوة  ، فصفة الجاني تثير مسألة الإختصاص وعدم الإختصاص ، فاختصاص الموظف قد يكون شاملا لكل عمل محور جريمة الرشوة وقد يكون جزئيا وقد يكون فرعيا .
الإختصاص الشامل :  كأن يكون العمل المطلوب منه يدخل برمته ضمن عمله كما ولو كان مختصا به دون أي تدخل من زملائه الموظفين
الإختصاص الجزئي : العمل المطلوب جزءا من محل الرشوة كتوقيع شهادة ما ويجب توقيع ثان من زميله لاعتماد الشهادة .
الإختصاص الفرعي :  للقيام بهذا العمل كله أو جزء منه .
* أما موضوع الزعم بالإختصاص فهو ينفي الصفة عن الموظف وبالتالي فلا جريمة بلا صفة أو إنعدام الإختصاص ، وهنا تكون أمام جريمة نصب ، فالكذب من الوسائل الإحتيالية التي تقع بها جريمة النصب
ونلاحظ أخيرا بأن الصفة هي ركن من أركان قيام جريمة الرشوة وليست مسألة نسبية ، أما في جريمة إستغلال النفوذ فهي تختلف في أركانها لقيام هذه الجريمة ، فتحدد الصفة في جريمة إستغلال النفوذ هي مسألة في تحديد العقاب ، فالمشرع عند حكمه يعتبر صفة الموظف من الظروف المشددة في العقاب ويوقع على الموظف عقوبة الرشوة المشددة ، لكن إذا كان المستغل لنفوذه ليس موظفا عموميا ، فهنا تنتهي الصفة لكن الجريمة تبقى قائمة ، فصفة الموظف تحدد علة العقاب وانعدام الصفة الوظيفية تحدد علة التجريم .


وهنا نلاحظ بأن التشريعات التي تأخذ بنظرية الإشتراكية  والإزدواجية  في تحديد جريمة الرشوة ، فهناك تشابه من حيث الصفة ، فالجريمة الإيجابية أو جريمة الراشي حسب نص المادة  25 ، 26 ، 27 ، 28 ، 40 من قانون مكافحة الفساد  لم تحدد صفة الراشي وإنما حددت أعمال الراشي التي من شأنها قيام الجريمة  ، أما في الجريمة السلبية أو جريمة المرتشي فإن المرتشي حدد الصفة كونه مختصا بما كلف به وهي ركن من أركان قيام هذه الجريمة ، فالجريمة الإيجابية لم تحدد صفة الراشي كما في جريمة إستغلال النفوذ على عكس جريمة المرتشي التي حددت صفة الموظف أو المرتشي .
المطلب الثاني : آثار جريمة الرشوة
الفرع الأول : الآثار الإجتماعية والثقافية  
1=الفقــر : حيث يعجز الإنسان عن إشباع حاجاته الرئيسية على نحو كريم ، وقد قال جانب من العلماء إن الفقر والحرمان الذي ينتج عن جريمة الرشوة  يكون لها تأثير مباشر في ارتكاب الجرائم ، جرائم الأموال ، حيث يلجأ إلى خيانة الأمانة والنصب والإحتيال والإختلاس والتزوير ....إلخ ،  كما أن الأسرة في المأكل والمسكن الصحي والملبس ينشأ منه ضعف الأفراد جسديا وانهيارهم عصبيا ، وبالتالي يفرض على ولي أمر الأولاد أن يحرمهم من التعليم والتثقيف الديني والخلقي فيقبل هو وأسرته على جرائم العنف لحل مشاكلهم .
2=البطالـــة : كذلك من الآثار السلبية التي تخلقها الرشوة انتشار البطالة ، حيث يتوقف الإنسان عن العمل بعد عجزه عن الحصول على العمل بعائق الرشوة ، وهنا ترد الإنعكاسات السلبية على الفرد والمجتمع معا ، حيث ذهب رأي بعض العلماء بأن البطالة تعتبر السبب الوحيد الذي يدفع صاحبه إلى الفعل الإجرامي ، إذ هي ذات الصلة الغير حتمية بالجريمة وكذا إنخفاض الدخل فيحدث أثر سلبي إذ ترتفع نسبة الظاهرة الإجرامية بصفة عامة
أما ارتفاع الدخل الشهري أواليومي للموظف يمكنه من إشباع حاجاته الضرورية واقتناء الحاجيات الكمالية والترفيهية ويبعث فيه الإستفرار النفسي وبذلك لا يقبل على إرتكاب جرائم أخرى فتنخفض نسبة جرائم الرشوة خاصة والجرائم الأخرى عامة  (1).
حسب الإحصائيات فإن إرتفاع الجرائم تكثر في المدينة عن القرية والسبب واضح وهو أن مرافق الدولة كما سبق القول قليلة في القرى وكثيرة في المدن وجريمة الرشوة لا تقع إلا من الموظفين العموميين ، فإن فرص إرتكابها في المدن أوسع من فرص وقوعها في الريف وكذلك الحال في فرص التصرف في الأموال المحصلة  من هذه الجرائم .
03 – التعليــــم :  إن إرتفاع المستوى العام للتعليم يقلل من نسبة الإجرام ، لأن التعليم بمفهومه الواسع يهدئ  النفوس ويعودها على الإلتزام بتقاليد المجتمع ونظمه واحترام القوانين السائدة فيه ، وذلك يحد من تأثير دوافع ممارسة الإجرام ، فالتعليم بقضي على المعتقدات الخرافية التي تحوز على السذج و الجهلة ويترتب على ذلك جرائم  النصب و الإحتيال والرشوة ، إذ يتفطن المتعلم للطرق التي يمارسها المجرمون .
04- نظرة المجتمع إلى جريمة الرشوة :  ويقصد بها التقييم الإجتماعي للفعل ولمرتكبه بغض النظر عن الوصف القانوني لذلك الفعل من أنه جريمة ، ومن يرتكبها يعتبر مجرما وبالتالي ما هو رد الفعل من أفراد المجتمع الذي يظهر بوضوح في المعاملة التي يتلقها مرتكب هذا الفعل من الجماعة ؟ الإجابة




 

(1)www.justice.com
توضح أن الأصل يكون إستنكار الفعل الإجرامي ولكن هذا ليس حتميا إذ أنه في بعض الحالات نرى أن المجتمع لا يبالي بارتكاب بعض الجرائم وأحيانا نجده يستحسن الجريمة ويكون رد الفعل هو إما عدم الإهتمام بالمجرم وإما التعاطف معه بدلا من نبذه أو إحتقاره (1) .
 الفرع الثاني : الآثار السياسية
 إن الجريمة ترجع إلى عوامل سياسية أيضا  وفي واقع الأمر أن التجريم والعقاب يتأثر بشكل ظاهر بالنظام السياسي في المجتمع ، نجد أن الدول التي تخشى على إقتصادها تسن عدة تشريعات عقابية لتنظبم الحياة السياسية والإقتصادية وتضع قوانين ونصوص يترتب على مخالفتها زيادة نسبة الإجرام بشكل عام في المجتمع مع ظهور عيوب سياسية متبعة ، فالدولة تضع عدة تشريعات  لحماية الفرد و المجتمع و تسعى لتجسيد هبتها و النظام السياسي عامل مؤثر في الظاهرة الإجرامية في كل مجتمع فالمعلومات التي تمثل النظام السياسي، يكون لها أثر في الإجرام و ذلك الأثر قد يكون مباشر أو غير مباشر.
1-الحكومة ذات النظام السيئ:إن النظام السياسي ذو الشكل الحسن هو ما يلائم ظروف المجتمع الإنساني زمنيا و مكانيا مع مراعاة أن النظام يعتبر شكلا حسنا بالنسبة لمجتمع متأثر و قد يعتبر شكلا سيئا للمجتمع المتحضر نوعا ما أو سيئا جدا بالنسبة لمجتمع متقدم جدا و عليه يستحيل وضع نموذج للشكل الحسن للحكومة مما يدفع للقيام بإضطربات داخلية، و فردية القرارات التي تنتهي بإرتكاب مختلف الجرائم الأخلاقية و القانونية، و يكون نظام الحكومة السيئ السبب المباشر في ذلك.
2سوء التسيير الإداري:إن ظروف  المجتمع الزمنية و المكانية تخضع لشكل الحكومة و تناسبها مع
مبتغى الأفراد، غير أن سوء تسيير الإدارة و فسادها له عدة أشكال و يدخل ذلك في دراسة الإدارة العامة و إدارة الأعمال، حيث يبرز التأثير في ظاهرة جريمة الرشوة.
و السبب في ذلك هو عدم إعداد و تهيئة العدد الكافي من المراقبين و المراجعين الذين يتابعون أعضاء الأجهزة الإدارية المختلفة، للتأكد من قيادتهم على الوجه القانوني فهنا يتوفر الإشراف و المراقبة فتنخفض فرص الإنحراف(2)
3 تدعيم جهاز الشرطة: يعتبر جهاز الشرطة أداة تنفيذية و دعامة مادية أساسية يرتكز عليها التشريع، فتنظيمه و تأهيله  المراقبة المستمرة يحد من إنتشار الجرائم بأنواعها و خاصة جريمة الرشوة، كما يعتبر الجهاز الأول و المسؤول عن الأمن في الدولة .
الفرع الثالث: الأثار الإقتصادية:
 يتيح الرخاء والوفرة المالية الحالية وبرامج الإنفاق العمومي تسجيل زيادة في العملات المتصلة بالمشاريع والصفقات العمومية ، حيث أشار البنك العالمي في تقاريره الدورية لسنتي 2006 و 2007 في مجال مناخ الأعمال إلى أن العمولة و الرشاوي ظاهرة تضاعف من أعباء المشاريع الإستثمارية في العديد من الدول من بينها الجزائر ، وهو ما جعل العديد من المستثمرين يتركون نسبة معينة من الأعباء تخصص للعمولات ، وقد كشف مؤشر الرشوة لدى منظمة ( الشفافية الدولية ) التي يوجد مقرها ببرلين في سنة 2006 عن حصول الجرائم على 2.8 نقطة من مجموع 10 نقاط مقابل 2.7 عام 2004 و2.6  عام 2003 وهو ما بضع الجرائم ضمن الدول التي تسود فيها مستويات رشوة مرتفعة ، حيث أن الحد الأدنى هو 4 من 10 ، وتوجد الجزائر في المرتبة 97 في مجال تقييم الرشوة من مجموع 159 دولة .






 

(1)- بكري فاطمة الزهراء-رسالة ماجيستار-مرجع سابق-ص 57

(2)www.justice.com
ويكشف التصنيف الجزائري عن درجة وقوع الرشوة والعمولات السائدة على مستويات عديدة في الإدارات العمومية ومختلف الهيئات، مع ملاحظة أن الجزائر إستحدذت هيئات إستشارية مثل المرصد الوطني لمكافحة الرشوة، كما أتنها همشت لجهات مثل مجلس المحاسبة فضلا عن عدم مصادقتها لسنوات على المعاهدة الإفريقية للرشوة، و قد إعتبر الأستاذ المحامي خالد بورايو أن العمولة في إبرام الصفقات تدرج ضمن مخالفات القانون، و حتى  في خانة تبديد الأموال و الإختلاسات، و إن ثبت حصول العون أو المسؤولين على العمولة فإنها تتحول إلى رشوة بمقتضى القانون، و يعاقب عليها العون أو الموظف و قد  أقدمت العديد من المؤسسات الجزائرية على التوقيع على < الميثاق الدولي لحسن التصرف>  والذي يؤكد إلتزام الشركات و المؤسسات بعدم اللجوء إلى أساليب الرشوة و العمولة، و تعويض ذلك بأجر معلوم لقاء خدمات تقدم، إلا أن ذلك لا يمنع بروز هذه الظاهرة على نطاق واسع، وقال الخبير < أورسلان شيخاوي > غالبا ما تتخفى العمولة المقدمة في شكل مبلغ مالي نقدا أو هدايا إمتياز خاص في الفواتير مع تضخيم قيمة التعاملات و الصفقة إجمالا، و ثانيا فيما يعرف بالإجراءات و التدابير المصاحبة التي تدرج في العقود أو ما يعرف ب < أوفست > و تتمثل بالخصوص في إمتيازات و هدايا تمنح بطرق خاصة غير ظاهرة لفائدة العون أو المسؤول مثل أسفار مدفوعة التكاليف أو هدايا ثمينة، مشيرا إلى أن الهدية تتحول إلى رشوة أذا فاقت سقف محدد و قد قدرت نسبة الرشاوي في الجرائم ما بين 6 و9 بالمائة، من ما يعرف بإستعلامات الأعمال و إعادة النظر في صيغة الصفقات العمومية لأن صيغة المانح الأقل تشخيصا على العمولة.
أوضح الخبير الإقتصادي معمر بوضرسة أن هناك دول تسمح بدفع عمولات في الخارج و تمنعها في الداخل تحت باب دعم القدوة التنافسية للمؤسسة كإيطاليا و فرنسا و الولايات المتحدة الأمريكية فهي مسموحة أذا كانت لربح المنافسة و شراء القرار أو توجيهه و أوضح أن القانون التجاري الفرنسي يحتوي على بند خاص بدفع الجباية، ويتعلق بالعمولة التي تدفع للخارج و تضمنها هيئة كوفاسو هي لا تحسب عادة في الجباية لأنها ثقل إضافي على المؤسسات لذلك أضحت متداولة في الدول النامية مثل الجزائر، وقد كشفت العديد من الفضائح عن حجم تأثير العمولات كقضية رئيس الوزراء الياباني < كاناكا > مع مجموعة < بوينغ الأمريكية >  التي إنتهت بإستقالته أو مشاريع قناة بنما في الولايات المتحدة الأمريكية و قضية < ألف > في فرنسا.
المطلب الثالث: أثار جريمة إستغلال النفوذ
الفرع الأول:الأثار على مستوى الجهاز الإداري
 قد لا يخل  الموظف العام بعمله أصلا ، إلا أنه قد يحصل على مبلغ نقدي أو وعد يدفع مبلغ نقدي من الغير ، فإن الموظف هنا أهان كرامة وظيفته من جهة ، ومن جهة أخرى أخل بالثقة الواجب توافرها في  أفراد المجتمع حيال الحكومة وقد يقوم الموظف العام بعمل يعتقد خطأ أو يزعم أنه من أعمال وظيفته أو الإمتناع عنه كالشرطي الذي يقيض على المجرمين أو إستجوابهم باعتباره أحد رجال الشرطة القضائية هنا إذا قبل مبلغا من النقود للقبض على أحد الأفراد أو تفتيشه أو العكس ليمتنع عن إتيان هذا الفعل أو بناء على رئيس مركز الشرطة كون هدا الإختصاص من رجاله لصالح أحد العامة  فهنا ثقافة الشرطي لم يخالف القانون لأن ما قام به لا يمس بكرامة أو نزاهة مهنته ، ولكن هذا الإعتقاد خاطئ بل أنه من قبل الأفعال الإجرامية التي تستحق عقاب الرشوة. (1).




 

(1)-د عبد الرحيم صدقي-مرجع سابق- ص353 و354
كما يمكن للموظف أن يمتنع عن عمل من أعمال وظيفته أو الإخلال بواجباته فهنا تكون أمام موظف خالف أحكام القانون الإداري إلى جواز مخالفته لأحكام القانون الجنائي ، أي أننا أمام جريمة مزدوجو جريمة إدارية وجريمة جنائية .
الموظف العمومي الذي يقبل الرشوة لإستغلال نفوذه فهنا الموظف يعبث بالسلطة العامة بقبول وعدا أو عطية لإستعمال نفوذ حقيقي للحصوص على من سلطة عامة على أعمال أو أوامر .....إلخ.
والمشرع الجزائري إستعمل عبارة السلطة العامة تعبيرا عن أي جهاز يخضع لإشراف الحكومة ، وهنا تجرم الواقعة بجناية ولو كان الجاني قد زعم لغيره بتمتعه بنفوذ على خلاف الحقيقة ، وإذا تم الزعم بالنفوذ بواسطة وسائل إحتيالية تكون أمام واقعة نصب وتكون بصدد تعدد التكليفات القانونية ، فإن الموظف العمومي يقوم بالعبث في الجهاز الحكومي مما يؤدي إلى الإخلال بالثقة التي منحتها السلطة العمومية له في سبيل حصوله على أية مزية أو منافع فهو قد خالف ما تقتضي به واجبات وظيفته .
الفرع الثاني : الآثار على المستوى الإجتماعي.
إن العبث بالثقة الواجبة في عمل الجهاز بناءا على أحد الأفعال المبنية في القانون نظير مقابل معين من جانب أحد الناس و قد يكون من جانب أحد العاملين في الحكومة، يؤثر سلبا مما يؤدي إلى القضاء على مبدأ المساواة و الحرية بين  الأفراد و حتمية قبول التعامل بشرف و نزاهة و هذا كله يؤثر في فقد الثقة بالدولة التي يتبعها الموظف أو المرتشي، وعدم إحترام الغير كما تؤدي هذه الظاهرة إلى المنافسة و غرس الأحقاد إتجاه الإداريين، لأنها تخلف نوعا من الإحتكار كما يعلم واضعوا السياسة العامة خطورة فقد الثقة بالدولة في مجال التعاملات مما يؤدي إلى الغلاء في المعيشة و يحتم على الموظف أو أحد أفراد المجتمع إلى تقديم رشاوي أو إستغلال النفوذ حقيقي أو مزعوم في سبيل تسهيل مصالحهم.
وفقد الثقة يؤدي إلى سوء تنفيذ السلطة العامة أو الجهاز الحكومي للإلتزامات فتقوم بتنفيذها بصورة سيئة أو بأخرى ،إستهتار صاحب النفوذ ليبيع الشرف و الأمانة،و تسرب عناصر فاسدة إلى تولي المناصب الحساسة في الدولة، وتقديم المثل السيئ للمجتمع مما يؤدي إلى إنحرافهم بسب نقص ثقافتهم و بالتالي يتفكك التضامن الإجتماعي و تتزعزع الثقة بين الأفراد، و هي لا تكتشف إلى بمحض الصدفة كما تقوم بتأثير سلبي في إنخفاض نسبة الأجور و زيادة المواد الإستهلاكية و بهذا نتجه نحو سياسة مدروسة و محكمة يعتمدها النظام كبديل في إجراء إصلاحات سياسية و إجتماعية و يحقق المصالح الخاصة للأفراد و الجماعات الداعمة لهذا النظام و يهدف لتخفيض حدة الصراع  على السلطة السياسية و الجماعات من خلال منحها منافع مالية كبيرة و خلق حالة تشابك المصالح.
الفرع الثالث:الأثار على المستوى السياسي.
أن ظهور الطبقية جاءت من طوف أصحاب النفوذ من أجل تحقيق أكبر عملية للربح و السطو على ممتلكات الدولة و المجتمع، و بالتالي يتوقف الإستقرار السياسي على حجم الفساد و حركته طالما الآليات متاحة لذلك.
البيئة السياسية و دورها في حماية كبار المسؤولين لمدة طويلة و حماية المال العام و لا سيما نواب الشعب أو أي شخص يستغل نفوذه في سبيل الحصول على منافع خاصة يبقون بعيدين عن الشبهات بسبب ضعف الدور الرقابي عليهم.
بما أن هذه الجريمة تفع على المال العام فهي لا تخص فردا أو جهة أو نظاما، و إنما المجتمع بأسره، فالمال العام هو أحد وسائل الدولة في تشغيل و تسيير مرافقها العامة، كما نرى أن القانون المدني ينص على حماية المال العام و عدم حجزه و عدم جواز إكتساب ملكيته بالتقادم و كذلك القانون الإداري ينظم مختلف الجزاءات الإدارية التي تسعى الإدارة من خلالها إلى مكافحة سوء إستغلال المال العام ثم يأتي القانون الجنائي لضمان عدم العبث به من جانب القائمين على التصرف فيه و إدارته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

جميع الحقوق محفوظه © القانون الشامل

تصميم الورشه